يوميات مستشفى ميداني -8- يتبرع لنفسه بالدم

آراء
فريق التحرير22 يوليو 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
يوميات مستشفى ميداني -8- يتبرع لنفسه بالدم

feras.allawi* فراس علاوي

كان اسمه عدنان.. جاء إلى المستشفى الميداني يرتدي لباسه، والغبار يغطيه، قادماً من أرض المعركة، سمع نداء التبرع بالدم فقدم على وجه السرعة.
حاول المخبري أبو عمر ثنيه عن التبرع لأننا كنا نعتبر أن هؤلاء يحتاجون إلى شروط معينة للتبرع وأنهم قد يصابون في أي وقت ويحتاجون إلى دم.
أمام الاصرار الكبير قام أبو عمر بقبول تبرعه بالدم، واتخذ إجراءاته الاعتيادية من تسجيل الزمرة وغيرها من أمور مثل إسم المتبرع.
اليوم التالي كان مدهشاً في مفاجأته في كمية العواطف في الدموع على من غادر ساحات المعركة شهيداً، دموع رفاق السلاح، كانت أصوات الانفجارات تملأ المكان وتصم الآذان والجرحى يصلون المستشفى تباعاً.
ازداد الطلب على وحدات الدم، والممرض يستعجل أبا عمر بسرعة: “أبو عمر هذه عينة دم أرجو أن تفحصها هناك مريض نازف بشدة وقدمه مقطوعة”.
يستعجل أبو عمر ليفحص العينة التي سجل اسم صاحبها “عدنان”، لم يلفت انتباهه الإسم، فالأسماء متشابهة لكنها تطابق زمرة كيس الدم الذي يحمل ذات الإسم.
حمل كيس الدم وانطلق لتعليقه للمصاب، كانت الثواني تمر كالدقائق، حالة المريض حرجة كونه نزف كثيراً لكنه لازال يتكلم ويحافظ على وعيه.
رفع أبو عمر عينيه لتلتقيان بعيني المصاب، للوهلة الأولى تجمدت ملامحه، “هذا أنت ياعدنان؟” نعم إنه عدنان الذي تبرع بدمه بالأمس، وهذا دمه، وكأنه يتبرع لنفسه!!
دموع “أبو عمر” نزلت على جبين عدنان وهو يقبله، فيما عدنان يواسيه ويقول له: الحمد لله لقد سبقتني قدمي إلى الجنة.
يقول أبو عمر: “ايتسمت في وجهه وكان الألم يعتصرني من الداخل، نزلت دموعي ساخنة على خدي انحنيت إلى جبينه وتركت عليه قبلة كانت قد امتلأت بغير قليل من الحزن والأسى”.
المصاب يواسي طبيبه وكأن الأمور قد انقلبت، فلامنطق فيها ولاحدود!
قصة أخرى تكاد تشبه قصص التاريخ، تلك التي سطرت حياة العظماء، حدثت هنا، لكن ربما لن يلتفت إليها أحد أو يذكرها.
أحضره المقاتلون من الجبهة وهم يقولون أنه من عناصر النظام، مصاب وحالته خطرة، حاول طاقم المستشفى جهده في إنقاذ المصاب دون أن يميزوا إن كان عدواً أو صديقاً، المهم كان محاولة إنقاذه، وهو ماقاموا به مرات كثيرة في المستشفى الميداني حين قاموا بإسعاف مصابي النظام، لكنه فارق الحياة.
المفاجأة أن مقاتلي الجيش الحر بدأوا بالبكاء عليه وعند استفسارنا عن السبب رووا لنا حكايته:
لقد انشق أثناء الاشتباكات مع الجيش الحر، وقد شاهدوا بندقيته لم تفقد أي طلقة، أي أنه لم يستهدفهم، ومن ثم أصر على البقاء معهم، بل عندما حاولوا اقتحام إحدى مواقع قوات الأسد أصر على أن يكون في المقدمة ليدلهم، لكنه أصيب بقذيفة وأستشهد، لحظة إنشقاقه!
هم رجال اتخذوا قرارهم، ومضوا فيه لأبعد مدى، فأصبحوا أساطير تروى وتحكى.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة