الأواني المستطرقة – الحالة السورية من السيولة إلى التوازن

عماد غليون3 يونيو 2018آخر تحديث :
الأواني المستطرقة – الحالة السورية من السيولة إلى التوازن

في النصف الأول من العام 2012 شاركت في جلسة استماع خاصة حول سورية عقدتها اللجنة العربية في مجلس الشعب المصري؛ اعترضت إطلاق اللجنة تسمية الأزمة على وقائع الثورة السورية في تقريرها الذي أعدته عن الاجتماع، كنا وقتها في ذروة الحماس لا نقبل أي تراجع أو تنازل؛ وفي الواقع فقد عاش الشعب السوري خلال سنوات  أسوأ كارثة إنسانية على مختلف الصعد الوطنية والإقليمية والدولية؛ وأصبحت تداعيات الثورة قضية وأزمة خطيرة على المستوى الدولي.

منذ البداية اتجهت الأمور نحو مواجهات حاسمة بين الثورة والنظام، فقد انكسر سريعاً التوازن والاستقرار المجتمعي الهش.

الحراك المستمر للدول والمجتمعات تحكمه قوانين فيزيائية استناداً لعلوم السياسة والاقتصاد والاجتماع؛ هناك حالة صراع دائم بين مختلف القوى والمكونات الاجتماعية؛ وقد يشهد  الصراع استقراراً أو توازناً في بعض الأوقات؛ ويحصل ذلك عندما تتساوى عوامل القوة والمصالح؛ ويمكن تشبيه تلك القوى بأنابيب الضغط في الأواني المستطرقة؛ عندما يضغط الجميع بنفس القوة يحصل التوازن وتتوقف الحركة لفترة بانتظار ظهور عوامل جديدة إضافية ضاغطة لصالح أحد الأطراف أو الأنابيب فيتم تغيير المعادلة من جديد بعد فقدان التوازن؛ وتبدأ من جديد رحلة السعي نحو تحقيق التوازن.

لا يمكن تحقيق الاستقرار والتوازن طويل الأمد سوى بفهم كافة العوامل المؤثرة والضاغطة؛ ومن ثم العمل على استيعاب الضغط من خلال الاستجابة له أو مواجهته بقوة معاكسة ومساوية له للتصدي له؛ وفي المجتمعات المستقرة يتم مراقبة القوى الجديدة الناشئة والتعامل معها وتلبية مصالحها قبل تحولها لقوى ضاغطة مؤثرة تستطيع الإخلال بالتوازن.

تطبيق نظرية الأواني المستطرقة على الحالة السورية السائلة أصلاً ضروري ولا بدّ منه لفهم المشهد بشكل كامل وتوقع تطوراته وتحولاته وتشعباته.

استطاع حافظ الأسد إحداث توازن سائل في المجتمع السوري من خلال إمساكه بالقوى المجتمعية والاقتصادية والعسكرية وربط مصالحها بوجوده وبقائه؛ واستمر بشار الأسد بنفس طريقة الأب وبدا أكثر ديناميكية منه في أحيان كثيرة؛ فقد استوعب القوى الاقتصادية الضخمة الناشئة؛ وعقد تحالفات بينها وبين مراكز الضغط الأخرى؛ لكنه نسي أو تناسى أهمية القوى المجتمعية؛ وأدى تجاهله لها وإهمالها لتنامي قوتها وازدياد حدة الضغط الذي تستطيع القيام به؛ ولذلك كان نشوب الثورة السورية أمراً مفاجئاً لا بل صادماً لبشار الأسد؛ وقد أخطأ في إمكانية حفاظه على السلطة دون الحفاظ على التوازن وإمساك مساراته وقنواته المختلفة والتحكم بها.

بعد أن تركت الأطراف الدولية بشكل متعمد الحالة السورية سائلة بهدف توزيع عوامل الضغط الثورية وتشتيتها باتجاهات متباينة يخفف من تأثيراتها ويضعف ضغوطها؛ عادت تلك الأطراف من جديد لاستثمار النتائج وضبط الإيقاع؛ بعد أن أصبحت  القوى الداخلية المؤثرة والفاعلة محدودة القوة والمصالح؛ وستظهر حاجة الأطراف الدولية عاجلاً أم أجلاً لتحقيق حالة  من الاستقرار السائل على الأراضي السورية يجنبها الصدام فيما بينها.

الحل السياسي في سورية أو حالة التوازن التي تريدها الأطراف الدولية هي تلك التي تضمن مصالح كل منها دون الأخذ بالاعتبار المصالح السورية. وقد أثبتت تجارب الاحتلال والتدخل الخارجي في أفغانستان والعراق ولبنان أن الاستقرار المفروض بالقوة وعوامل خارجية معرض للاهتزاز بسرعة؛ ويهدد بالانفجار من جديد مع كل أزمة تتعارض فيها المصالح الخارجية.

بعد أن باتوا غير فاعلين أو مؤثرين في مستقبل بلادهم؛ ربما تكون الفرصة التي يحلم بها السوريون هي توافق الأطراف  الخارجية على مغادرتها جميعاً الأراضي السورية وترك الملف السوري؛ واحتمال حصول ذلك في حالة الوصول يعتمد على الوصول لحالة من التناقض تجعل من الصعب تحقيق مصالح الجميع على الأرض السورية المحدودة الإمكانيات؛ ومثل هذه الحالة حصلت في الاستقلال وجلاء القوات الفرنسية بتأثير عوامل دولية بالدرجة الأولى. ويفترض أن تكون المأساة التي عاشها السوريون قد أعطتهم درساً عملياً؛ عند امتلاكهم حرية القرار والسيادة مستقبلاً عليهم العمل على بناء استقرار راسخ يعتمد على تحقيق مصالح كافة القوى والمكونات المجتمعية ولا يتجاهل أياً منها.

وقد حذر رئيس يوغسلافيا السابقة تيتو من مغبة اللعب بالتوازنات التي حبكها للسيطرة على المكونات القومية المختلفة؛  وبالفعل انفجرت بعده صراعات دامية أدت لتفكك يوغسلافيا لمجموعة من الدول؛ وعلى نمط تيتو سار نظام الأسد الأب  ثم الابن في بناء نظام يربط ضمان التوازن والاستقرار بوجودهما على سدة الحكم.

لم يعد بإمكان السوريين تحمل أي حالة من السيولة ويبقى حلمهم مشروعاً في توازن واستقرار دائم.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل