
منذ أكثر من عقد لم تكن الحدود السورية هادئة مع جيرانها، ولم تكن العلاقة مع الأردن بعيدة عن تداعيات الحرب التي امتدت إلى دول المنطقة. فقد تحول الجنوب السوري خلال حكم بشار الأسد إلى أحد أبرز ممرات تهريب المخدرات والسلاح وسط اتهامات طالت شخصيات ومؤسسات مرتبطة بالنظام السابق، حتى باتت سوريا توصف بدولة الكبتاغون في ظل الفساد الأمني والسياسي والأوضاع الاقتصادية التي ساعدت على انتشار هذه التجارة.
ولم تكن الشكاوى الأردنية من هذا الواقع جديدة، فقد اشتكت عمان مرارا من نشاط شبكات التهريب القادمة من الأراضي السورية ولجأت في أكثر من مناسبة إلى تنفيذ ضربات عسكرية داخل الجنوب السوري. لكن سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 حمل معه تغيرا في طبيعة العلاقة بين البلدين، بعدما انتقلت من التعامل مع سلطة متهمة بالتغاضي عن تجارة المخدرات إلى التعاون مع حكومة أعلنت محاربتها ونفذت عمليات مشتركة مع الجانب الأردني لإحباط شحنات واعتقال مهربين.
صحيح أن هذه الجهود لم تنه المشكلة وأن ضبط الحدود بعد سنوات طويلة من الحرب ليس أمرا سهلا، لكن وجود تعاون أمني بين البلدين كان يفترض أن يفتح المجال أمام معالجة التهديدات بعيدا عن العمليات العسكرية المنفردة.
وجاء الهجوم الذي استهدف مشيعين قرب كنيسة القديس جاورجيوس في محافظة الكرك الأردنية في 23 تشرين الأول وأسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة العشرات ليعيد المخاوف الأمنية إلى الواجهة. وبعد ثلاثة أيام أعلنت السلطات الأردنية القبض على ثلاثة مشتبه بهم في الهجوم، وبعد أيام قليلة نفذ الطيران الأردني ضربات داخل الأراضي السورية طالت مناطق في ريف درعا والسويداء بينها بلدة الطف. وقالت عمان إنها استهدفت مواقع مرتبطة بتنظيم داعش فيما أعلنت دمشق سقوط سبعة مدنيين بينهم أطفال وأكدت أنها لم تكن على علم مسبق بالعملية رغم وجود تنسيق أمني بين البلدين.
ولا يعني اعتقال المشتبه بهم انتهاء التهديدات الأمنية التي تواجه الأردن، لكن ما يستحق التوقف عنده هو سبب اللجوء إلى الضربات العسكرية في ظل وجود قنوات اتصال وتعاون مع دمشق. وإذا كانت المعلومات الاستخباراتية التي استند إليها القرار الأردني تشير إلى وجود تهديد فعلي، فلماذا لم يتم التعامل معها بالتنسيق مع السلطات السورية قبل تنفيذ العملية؟
الأمر لا يتعلق فقط بالقرار الأردني بل بما تغير في سوريا بعد سقوط الأسد. فقد انتظر السوريون سنوات طويلة حتى تنتهي مرحلة كانت فيها أراضيهم عرضة للتدخلات العسكرية، وكان من الطبيعي أن يتوقعوا من الحكومة الجديدة أن تكون أكثر قدرة على حماية البلاد ومواطنيها.
لكن الضربات الأخيرة وما خلفته من ضحايا أعادت الشعور بأن تغير السلطة لم ينعكس بعد بالشكل المطلوب على أمن الناس وحياتهم.
تعاملت دمشق مع الحادثة دبلوماسيا واستدعت السفير الأردني وقدمت احتجاجا رسميا قبل أن يتفق الطرفان على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقيق في الضربات. وهي خطوات ضرورية لكنها لا تكفي ما لم تؤد إلى نتائج واضحة بشأن المسؤولية عن سقوط المدنيين والإجراءات التي ستمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
فالحكومة السورية لا يكفي أن تكون حاضرة في الاجتماعات والاتفاقات السياسية بينما يبقى المواطن غير مطمئن إلى قدرته على العيش بأمان داخل بلاده. واستعادة السيادة لا تكون بالاحتجاج على انتهاكها فقط بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على ضبط الحدود وملاحقة الجماعات المسلحة وحماية السكان ومتابعة حقوق المتضررين.
وفي المقابل فإن الأردن الذي اشتكى طويلا من غياب التعاون الأمني خلال حكم الأسد بات اليوم أمام حكومة سورية تتعاون معه في مكافحة التهريب وتؤكد استعدادها للتنسيق في الملفات الأمنية. ولهذا فإن استمرار الضربات العسكرية داخل الأراضي السورية يطرح تساؤلات حول جدوى هذا التعاون وطريقة التعامل مع التهديدات المشتركة.
وزاد من تعقيد المشهد إعلان الجيش الأردني لاحقا إحباط محاولة تسلل مجموعة مسلحة من الأراضي السورية قبل أن يصبح البيان غير متاح على بعض المنصات التي نشرته. ومع ظهور روايات متعارضة حول الحادثة بقيت تفاصيلها بحاجة إلى توضيح رسمي، خصوصا أن مثل هذه الأخبار قد تؤثر في العلاقة بين البلدين.
ورغم نجاح دمشق وعمان في احتواء الخلاف دبلوماسيا فإن ذلك لا يعني انتهاء المشكلة. فما زالت الأسئلة المتعلقة بالضربات ونتائج التحقيق ومسؤولية سقوط المدنيين قائمة، كما أن استمرار التنسيق الأمني يفترض أن يقترن بإجراءات واضحة تمنع تكرار ما حدث.
ليس من مصلحة الأردن أن يبقى الجنوب السوري مضطربا كما ليس من مصلحة سوريا أن تتحول أراضيها إلى مصدر تهديد لجيرانها. لكن الحفاظ على العلاقات بين البلدين لا ينبغي أن يكون على حساب حقوق الضحايا أو أن يتحول إلى سبب لتجاوز الأخطاء من دون محاسبة.
والتحدي الذي تواجهه الحكومة السورية اليوم لا يقتصر على تحسين علاقاتها الخارجية أو توقيع الاتفاقات الأمنية، بل على قدرتها على تحويل هذه العلاقات إلى نتائج يشعر بها المواطن. فالسوري الذي انتظر سقوط الأسد لم يكن يتوقع انتهاء جميع الأزمات دفعة واحدة لكنه كان ينتظر أن يشعر بأن هناك دولة قادرة على حمايته والدفاع عن حقوقه.
وبين أمن الأردن وسيادة سوريا تبقى حياة المدنيين هي القضية التي لا يجوز تجاوزها. فنجاح أي تفاهم أمني بين البلدين لا يقاس بعدد الاجتماعات والبيانات المشتركة بل بقدرته على منع تكرار الضربات وحماية الناس من نتائجها.
وإذا كانت سوريا قد بدأت تستعيد حضورها السياسي بعد سنوات من العزلة فإن الاختبار الحقيقي يبقى في قدرتها على استعادة ثقة مواطنيها، وأن يشعر السوري بأن التغيير الذي حدث في بلاده لم يقتصر على تبدل السلطة بل وصل إلى حياته وأمنه وحقه في العيش بكرامة.








