

مساعي إخضاع المدرسة للتوجهات الأيديولوجية التي تسير بموجبها السلطة السياسية معروفة في مناطق كثيرة من العالم. ونحن في سوريا لدينا تجربة مريرة في هذا المجال خلال حكم حزب البعث الطويل بمختلف مراحله، لا سيما الأسدية منها.
وقد عانت العملية التعليمية في ظل الحكم المشار إليه من التلقين الأيديولوجي الفج في جميع المراحل التعليمية؛ وقد تجلى ذلك بصورة رئيسة في المواد الاجتماعية والنشاطات المدرسية، ومادتي الفتوة (التدريب العسكري) والتوجيه السياسي.
وحتى في المرحلة الجامعية كانت خطب حافظ الأسد تُدرّس ضمن مادة اللغة العربية التي فُرضت على طلبة السنة الأولى والثانية في جميع الكليات الجامعية والمعاهد الدراسية، هذا في حين فُرضت مادة الثقافة القومية الاشتراكية، التي كانت تؤدي دور الموجّه الأيديولوجي، على جميع طلبة الجامعات والمعاهد.
وقد كان من الملاحظ في مرحلة الثورة أن مختلف قوى الأمر الواقع التي سيطرت على المناطق التي خرجت عن سيطرة سلطة “آل الأسد” أجبرت الطلبة في مناطقها على دراسة المناهج المطعّمة بتوجهاتها الأيديولوجية، وكانت حجتها في هذا السياق هي أنها تفعل ذلك لتنقية المناهج من شوائب أيديولوجية البعث، وتوجهات سلطة “آل الأسد” التي أرادت ترسيخ مفاهيم: عبادة الفرد، والقائد الملهم، وأبدية الزعامة والسلطة في رؤوس أطفال سوريا وشبابها.
وجاء الإعلان عن التعديلات التي أُجريت مؤخراً على المناهج الدراسية ليكشف النقاب عن استمرارية النزعة السلطوية من جهة فرض التوجهات الأيديولوجية على العملية التعليمية، هذا بغض النظر عن طبيعة تلك التوجهات ومدى اختلافها عن أيديولوجية البعث.
من مآلات إخضاع المعرفي للأيديولوجي في المدرسة عموماً، وفي الحالة السورية الراهنة على وجه التحديد، غياب الموضوعية في المناهج، وفرض الأسلوب التلقيني في التعليم، وفي هذه الحالة سيتمحور التعليم حول ما يجوز أو ينبغي تدريسه بموجب اللوائح المفروضة وما لا يجوز..
ونحن هنا لسنا في وارد الدعوة إلى إلغاء حق أي إنسان أو مجموعة في التزام هذه الأيديولوجية أو تلك، ولكن في جميع الأحوال ليس من حق أي كان أن يفرض أيديولوجيته، التي تمثل جزءاً من السوريين وليس كلهم، مستغلاً موقعه السلطوي على السوريين من دون إرادتهم، أو على الرغم من رفضهم لمسألة إرهاق التعليم بالأيديولوجيا من حيث المبدأ.
فالمدرسة من أولى مهامها إعداد الطلاب ليكونوا مواطنين ناجحين فاعلين في مجتمعهم، يمتلكون أحدث المعارف والخبرات المطلوبة لتأمين احتياجات مجتمعهم من سائر الاختصاصات في جميع الميادين، وحتى يتحقق ذلك، لا بد أن تلتزم المناهج الدراسية بالموضوعية والدقة؛ وتخلو من الانتقائية الرغبوية مثل التركيز على بعض المسائل أو القضايا وإهمال بعضها الآخر؛ ولا تعتمد أسلوب قراءة الماضي أو تفسير الأحداث والظواهر المجتمعية والمسائل العلمية من خلال التوجهات الأيديولوجية أو السياسات التي لا تستطيع توفير أرضية مشتركة جامعة بين السوريين، وهم الذين يعانون أصلاً من تمزّق عميق في النسيج المجتمعي الوطني.
من مآلات إخضاع المعرفي للأيديولوجي في المدرسة عموماً، وفي الحالة السورية الراهنة على وجه التحديد، غياب الموضوعية في المناهج، وفرض الأسلوب التلقيني في التعليم، وفي هذه الحالة سيتمحور التعليم حول ما يجوز أو ينبغي تدريسه بموجب اللوائح المفروضة وما لا يجوز؛ أو ما ينبغي إبعاده، أو التعتيم عليه أو إلزامه بـ”اللباس الشرعي”.
وإذا وصلت الأمور إلى هذا المستوى، ستغيب العملية الحوارية التفاعلية التحليلية والاستقرائية في التدريس؛ وهذا فحواه عدم تنمية الملكة النقدية لدى الطالب الذي ستقتصر وظيفته على حفظ ما يُطالب به، والتحرّك ضمن المسارات التعليمية المسموح بها؛ وبهذا ستتحوّل العملية التعليمية إلى أداة لفرض التربية السياسية أو الدينية المعتمدة رسمياً.
وهذا مؤداه افتقار التعليم إلى الأرضية المعرفية العلمية، وحينئذ قد لا يقتصر الضرر على المواد الاجتماعية الإنسانية، بل سيشمل على الأكثر المواد العلمية؛ وسيتم التخلي عن بعض المسائل العلمية في علوم الأحياء والجيولوجيا وحتى الفيزياء وغيرها، وذلك من خلال عقلية انتقائية رغبوية تجبر المعرفي على الاقتداء بالأيديولوجي.
وهذا كله سيؤدي إلى تراجع الثقة بالمدرسة ودورها النهضوي كمؤسسة أساسية حيوية، مهمتها تأمين الكوادر التي من شأنها الإسهام الفاعل في ترميم النسيج المجتمعي الوطني السوري، وانتشال البلد من حالة الحطام الشمولي التي بلغها نتيجة التراكمات السلبية التي كانت على مدى عقود.
وفي هذه الحالة ستزداد الشروخ ضمن النسيج الذي سيتعرض في غياب المعالجات السلمية للمزيد من التمزق والتشظّي. وهذا عاقبته التراجع الحاد النوعي في مستوى تعليم الطلبة السوريين، وخروجهم عن دائرة المنافسة المعرفية مع أقرانهم على المستوى العالمي.
الاستثمار في الإنسان كان باستمرار هو المقدمة الأولى للنهوض بأي مجتمع عانى من التخلف ومن مآسي الحروب والكوارث المجتمعية. هذا ما فعلته اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وفعلته سنغافورة، وكوريا الجنوبية، وفيتنام، وفنلندا، ورواندا، وغيرها من الدول. وهذا الاستثمار يتمركز في المدرسة بصورة أساسية.
وبناءً على نتائج هذه التجارب وغيرها الناجحة، من المفروض أن تأخذ المدرسة السورية على عاتقها مهمة إعداد الكوادر في مختلف الاختصاصات، ورسم ملامح الهوية الوطنية السورية التي تراعي الجذور التاريخية والجسور الحضارية لسوريا، كما تسلّط الضوء على التنوع السوري، وتساهم في تحسين قواعد العيش المشترك بين سائر المكونات المجتمعية السورية لصالح الجميع، ومن دون أي استثناء.
ومن الأهمية بمكان الإشارة في هذا السياق إلى ضرورة الربط بين الهوية المعنية المنشودة وتطلعات الجيل السوري الشاب، وموجبات تمكينه من الاستعداد للتعامل الناجح مع شتى التحديات المستقبلية في مختلف الاختصاصات والميادين التنموية والبحثية والعلمية والتكنولوجية والمجتمعية.
لقد تمكّن السوريون بفضل حرصهم المستمر على تأمين أفضل الشروط الممكنة لتعليم أبنائهم، وبفعل هجرتهم المستمرة، ونتيجة ظروف البلد الصعبة التي فرضها عليهم الحكم البعثي الأسدي الشمولي، خاصة خلال سنوات الثورة، من مراكمة خبرات واسعة نوعية في ميدان المناهج والتعليم ودور المدرسة في إعداد الأجيال للمستقبل.
كما استطاعوا بحسهم السليم وبناءً على تجاربهم، واتساع دائرة المدارك والمعارف لديهم، تشخيص الميزات الإيجابية لمناهج تركّز على تطوير العقلية النقدية، وتعمل على انتشال الطالب من كوارث المطلقات الأيديولوجية والسرديات المُوجَّهة المُقْتَطعة من سياقها الفعلي، وتنمّي روحية الفريق والعمل الجماعي لدى الطلبة؛ مقابل مناهج أخرى عقيمة محورها التلقين والحفظ، وقمع التفكير الحر، وفرض المطلقات المنسجمة مع التوجهات الأيديولوجية الرسمية.
الأساتذة السوريون الذين درّسوا في المدارس والجامعات الإسكندنافية، وفي ألمانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا وغيرها من الدول؛ والطلبة السوريون الذين درسوا في تلك المدارس والجامعات قد اكتشفوا من دون شك الفارق الكبير بين أنظمة التدريس والامتحانات شبه الإرهابية التي يعاني منها الطلبة في بلادنا، وتلك التي تفسح المجال باستمرار أمام الطالب ليتمكن من تجاوز العثرات، ويحسّن من مستواه في المواد التي تمثل نقطة الضعف بالنسبة إليه، ويعيد النظر في خياراته وتوجهاته الدراسية.
المسؤولية الوطنية تلزم المدرسين السوريين بضرورة العمل الدؤوب من أجل وضع المناهج التعليمية التي تؤسس للمستقبل السوري الذي ضحّى السوريون في سبيله كثيراً، وهم يستحقون بكل جدارة اليوم مناهج دراسية علمية عصرية..
خلاصة القول: تُعتبر مسألة إعداد المناهج وتحديد أهدافها التربوية والتعليمية على المستوى الوطني من المسائل المحورية التأسيسية التي لا يجوز إفساح المجال أمام من لم يتمكنوا بعد من فهم التنوع السوري، وطبيعة التحديات المستقبلية، وضرورات مواكبة العصر، ليعبثوا بها ويشوّهوها تحت وطأة ما يعتقدون به من دون مراعاة توجهات الآخرين والحقائق الموضوعية النسبية التي تتغير وتتبدل استناداً إلى نتائج الاكتشافات والأبحاث العلمية.
وهنا تبرز مسؤولية المدرسين والتربويين بصورة عامة، فهم الأكثر قدرة من غيرهم على اكتشاف خطورة نتائج العبث بالمناهج من قبل بعضهم، هؤلاء الذين يريدون التحكّم بعقلية الناشئة لتُقاد ضمن المسارات التي تتناسب مع دوافعهم وتصوراتهم الأيديولوجية.
المسؤولية الوطنية تلزم المدرسين السوريين بضرورة العمل الدؤوب من أجل وضع المناهج التعليمية التي تؤسس للمستقبل السوري الذي ضحّى السوريون في سبيله كثيراً، وهم يستحقون بكل جدارة اليوم مناهج دراسية علمية عصرية، تضمن لهم ولأبنائهم وبناتهم وأجيالهم المقبلة مستقبلاً مشرقاً، مناهج تزوّد أطفال سوريا وشبابها بالأدوات المعرفية التي تمكّنهم من تجاوز التركة المأساوية الثقيلة التي فرضتها عليهم سلطة آل الأسد.
ويمكن بلوغ ذلك عبر تشكيل لجنة مستقلة من المختصين الباحثين والتربويين، ومن المدرسين ممن لهم خبرة طويلة واسعة في نظريات وتطبيقات علوم المناهج وكتابتها، ويكون ذلك بالتعاون مع المسؤولين المختصين في وزارتي التربية والتعليم العالي بغية التوافق على ما فيه مصلحة السوريين جميعاً على مستوى الجماعات والأفراد ومن دون أي تمييز أو استثناء.





