أرض الخليج في داريا.. مشروع كبير وأسئلة لم تجد أجوبتها بعد

فريق التحرير21 سبتمبر 2026آخر تحديث :
صور أقمار صناعية تظهر حجم التغير والدمار في حي الخليج بمدينة داريا بين عامي 2011 و2022 – Google Earth / Syria Direct.

عاد ملف أرض الخليج في داريا إلى الواجهة بعد عرض تصور جديد لإعادة إعمار المنطقة، يتحدث عن مشروع تصل كلفته إلى نحو ملياري دولار وإنشاء قرابة 19 ألف شقة، على مساحة تقدر بنحو 1500 دونم.

الأرقام كبيرة، وكذلك المشروع إذا انتقل فعلاً إلى التنفيذ لكن الأهالي الذين فقدوا بيوتهم أو مُنعوا من العودة إليها طوال سنوات لا يزالون يسألون عن أمور أكثر مباشرة: ما الشكل النهائي للمخطط؟ كيف ستُحسب حقوقهم؟ من سينفذ المشروع؟ ومتى تبدأ العودة فعلياً؟

حتى الآن لا توجد إجابات كاملة عن هذه الأسئلة.

تقع أرض الخليج في الجهة الشمالية من مدينة داريا، وتمتد باتجاه المتحلق الجنوبي ومحيط مطار المزة العسكري وتحدد اللجنة المكلفة بالمنطقة نطاقها من مدخل داريا وطريق الشام وصولاً إلى الكورنيش وملعب المدينة وسور المطار.

قبل الحرب كانت المنطقة تضم أراضي زراعية ومنازل وأحياء سكنية ومع اندلاع المواجهات في داريا وقرب المنطقة من مطار المزة العسكري، تغير كل شيء تقريباً.

وثقت تقارير وصور أقمار صناعية عمليات هدم وتجريف واسعة طالت المنطقة منذ عام 2013. كما تحدث سكان سابقون عن نسف أبنية وإزالة كتل سكنية وإقامة سواتر وخنادق في محيط المطار.

وفي مقابلة سابقة، قال محافظ ريف دمشق عامر الشيخ إن النظام السابق جرف نحو 1500 دونم من منطقة الخليج.

لم تعد المشكلة بعد ذلك في ترميم منزل متضرر.. أجزاء واسعة من المنطقة تغيرت معالمها بالكامل.

وبعد سقوط النظام عاد الملف إلى الواجهة من جديد.

أُنشئت لجنة خاصة بأرض الخليج، وبدأ العمل على حصر الملكيات والعقود والوكالات والأحكام القضائية. موقع اللجنة يقول إنها تعمل بالتنسيق مع مجلس مدينة داريا ولجنة الاستثمار في محافظة ريف دمشق من أجل تنظيم المنطقة والتواصل مع أصحاب الحقوق والمستثمرين.

لكن الموقع نفسه لا ينشر حتى الآن مخططاً تنفيذياً نهائياً. والصورة الموجودة فيه لمشروع عمراني حديث موصوفة بأنها تصور افتراضي مولد بالذكاء الاصطناعي.

وهنا يظهر أول فارق مهم في الملف.

هناك تصور للمشروع، وهناك حديث عن استثمار وضخ أموال كبيرة، لكن المخطط الذي سيحدد حقوق كل مالك على الأرض لم يصبح بعد وثيقة نهائية منشورة يمكن للأهالي الاطلاع عليها ومناقشتها.

عندما بحثت «حرية برس» في التصريحات السابقة لبلدية داريا، ظهرت المشكلة نفسها.

في تموز الماضي نقلت «عنب بلدي داريا» عن رئيس مجلس المدينة أن الرفع الطبوغرافي للمنطقة أُنجز، وأن البلدية انتهت من توثيق الملكيات الموجودة في السجل العقاري وأرشفة العقود والوكالات والأحكام القضائية.

لكن البلدية قالت أيضاً إن طريقة توزيع الحقوق ضمن المخطط الجديد لم تكن معروفة بعد.

وتحدث رئيس البلدية وقتها عن خشية تتعلق بأصحاب الملكيات الصغيرة إذا اعتمد المشروع كثافة عمرانية واستثمارية مرتفعة.

وفي آب عاد عدد من أهالي المنطقة إلى البلدية مطالبين بتوضيح مصير ممتلكاتهم. وقال رئيس مجلس المدينة إن الملف لم يعد موجوداً لدى البلدية وحدها، وإن إجراءات المحافظة انتهت وأصبح الملف لدى الجهات الرئاسية بانتظار صدور المرسوم التنظيمي.

مر أكثر من شهر على ذلك، ولم نجد حتى إعداد هذا التقرير إعلاناً رسمياً منشوراً عن صدور المرسوم النهائي الخاص بالمنطقة.

وهذا يعني أن المشروع الذي يجري الحديث عنه اليوم ما يزال في مرحلة تسبق توزيع الحقوق بصورة نهائية.

من سيستثمر؟

هذا سؤال آخر لم نجد له جواباً معلناً.

التصور الذي نشرته «نون بوست» يتحدث عن أن محافظة ريف دمشق ستلعب دوراً في التفاوض مع المستثمرين، وأن المشروع لن يبدأ قبل الحصول على موافقة نسبة كبيرة من أصحاب الحقوق.

لكن أسماء المستثمرين غير معلنة.

موقع لجنة الخليج يستخدم عبارة «المستثمرين» من دون ذكر شركات أو أسماء، كما أن التصريحات التي راجعناها من بلدية داريا لم تتضمن إعلاناً عن اختيار شركة منفذة.

وقد يكون السبب أن المشروع لم يصل أصلاً إلى هذه المرحلة.

لكن حجم المشروع يجعل معرفة الجهة التي ستدخل فيه مسألة مهمة. الحديث ليس عن بناء عشرات الشقق، بل عن مشروع بملياري دولار تقريباً وآلاف الوحدات السكنية وأراضٍ يملكها عدد كبير من المواطنين.

لهذا يصبح السؤال عن طريقة اختيار المستثمرين طبيعياً: هل ستكون هناك منافسة علنية؟ ما حصة المستثمر؟ كيف ستقيّم الأرض؟ وهل ستحصل الشركات على مقاسم أم أسهم أم نسبة من الوحدات؟

ولا توجد حتى الآن تفاصيل منشورة تجيب عن ذلك.

تجارب سبقت الخليج

سوريا عرفت قبل الحرب وخلالها مشاريع تنظيم كبيرة تقوم على إدخال أراضي السكان في مناطق تنظيمية جديدة ومنحهم حقوقاً أو أسهماً مقابل ملكياتهم القديمة.

أبرز مثال كان مشروع «ماروتا سيتي» الذي بدأ في مناطق بساتين الرازي والمزة وكفرسوسة بناء على المرسوم 66 لعام 2012، ثم توسع النموذج لاحقاً في «باسيليا سيتي».

في تلك المشاريع دخل رجال أعمال مقربون من نظام الأسد، وظهرت أسماء مثل سامر فوز ومازن الترزي وغيرهما في شركات وعقود مرتبطة بالتطوير العقاري.

ووثقت منظمات حقوقية لاحقاً اعتراضات تتعلق بآليات إثبات الملكيات والسكن البديل والتعويضات وعودة السكان.

المقارنة هنا لا تعني أن مشروع الخليج يسير بالطريقة نفسها.

لا توجد معلومات حتى الآن تربط أي اسم من رجال أعمال النظام السابق بالمشروع.

لكن التجربة السابقة تفسر حساسية أهالي المناطق المدمرة تجاه أي مشروع يبدأ بالحديث عن الاستثمار قبل أن تتضح الصورة الكاملة للحقوق.

واللافت أن السلطات الحالية نفسها بدأت خلال هذا العام بمعالجة عدد من التظلمات القديمة الناتجة عن ماروتا وباسيليا، بعد سنوات من التأخير والنزاع حول السكن البديل.

أي أن المشكلة ليست نظرية. هناك ملف قائم تحاول الدولة اليوم معالجة جزء من نتائجه.

رجال أعمال النظام السابق

هناك جانب آخر لا يتعلق بالخليج مباشرة لكنه حاضر في المشهد الاقتصادي السوري الجديد.

تحقيق نشرته «رويترز» في تموز 2025 تحدث عن تسويات أجرتها السلطة الجديدة مع عدد من كبار رجال الأعمال الذين كانوا ناشطين خلال عهد الأسد. وذكرت الوكالة أسماء من بينهم سامر فوز ومحمد حمشو.

وبحسب رويترز، تضمنت التسويات نقل أجزاء من أصولهم أو السيطرة عليها مقابل السماح باستمرار نشاط اقتصادي معين وعدم تعطيل الشركات والأسواق.

وفي تحقيق آخر نشرته «نون بوست» خلال العام الحالي، جرى تتبع تغيرات في ملكية شركات ومشاريع استثمارية مرتبطة برجال أعمال عملوا خلال المرحلة السابقة.

هذه المعلومات لا تعطي أساساً للقول إن أحد هؤلاء سيشارك في مشروع الخليج.

حتى الآن لا يوجد دليل منشور على ذلك.

لكنها تجعل سؤالاً بسيطاً ضرورياً عندما يبدأ طرح المشروع على المستثمرين: من يملك الشركات التي ستتقدم إليه فعلياً؟

في المشاريع العقارية الكبيرة لا يكفي أحياناً معرفة اسم الشركة. المهم أيضاً معرفة أصحاب الحصص والمستفيد النهائي منها.

وماذا عن حقوق الناس؟

وفق بيانات منشورة سابقاً على موقع لجنة أرض الخليج، كان جزء من الملكيات لا يزال غير مسجل لدى اللجنة.

وهذه قضية معقدة في مدينة مثل داريا.

سنوات الحرب والتهجير أدت إلى فقدان وثائق، ووجود بيوع بعقود عرفية ووكالات قديمة وملكيات موروثة لم تستكمل إجراءات حصر الإرث فيها.

وزارة العدل نفسها تحدثت هذا العام عن تعقيدات كبيرة في ملف الملكيات العقارية في سوريا، بينها العقود غير المسجلة وتسلسل البيوع والقضايا القديمة.

لهذا يفترض أن يكون تثبيت الملكية في أرض الخليج سابقاً لأي توزيع نهائي للمقاسم أو الأسهم.

لكن حتى اليوم لا يعرف كثير من السكان الشكل الذي سيحصلون عليه مقابل ممتلكاتهم.

هل يستعيد المالك قطعة أرض؟

هل يحصل على شقة؟

هل يحصل على أسهم تنظيمية؟

وكيف تحدد قيمة الأرض القديمة عندما تدخل في مشروع جديد قيمته مليارات الدولارات؟

هذه التفاصيل لم تنشر بعد.

إلى أين يذهب صاحب الحق؟

المشكلة بالنسبة للأهالي أن الملف موزع حالياً بين أكثر من جهة.

اللجنة تحصر الملكيات.

البلدية تملك جزءاً من السجلات والوثائق.

المحافظة تشرف على التنظيم والاستثمار.

المرسوم ينتظر مستوى أعلى من القرار.

والنزاعات على الملكية تحتاج في النهاية إلى القضاء.

هذا التوزع مفهوم إدارياً، لكنه يترك المواطن أمام أكثر من باب عندما يريد جواباً نهائياً.

وخلال احتجاجات ومراجعات سابقة للبلدية، كان سؤال السكان يتكرر حول موعد السماح لهم بالعودة أو البناء.

بعض الذين تحدثت إليهم وسائل إعلام محلية قالوا إنهم يدفعون منذ سنوات إيجارات مرتفعة، وإنهم مستعدون لإعادة البناء على نفقتهم إذا سمح لهم بذلك.

الجواب الذي تلقوه أن المنطقة تحتاج أولاً إلى تنظيم وإزالة الأنقاض ومعالجة مخلفات الحرب.

هذا السبب مفهوم من ناحية فنية.

لكنه لا يحل المشكلة المالية لمن ينتظر سنوات.

حتى الآن لا توجد صيغة منشورة توضح ما إذا كان أصحاب الحقوق سيحصلون على بدل إيجار أو سكن مؤقت طوال فترة تنفيذ المشروع.

داريا ومطار المزة

هناك أيضاً تحول كبير يجري على الطرف الآخر من المنطقة.

في 12 أيلول نشرت «رويترز» تحقيقاً عن خطط لإعادة تشغيل مطار المزة لاستخدامه في الطيران الخاص والتنفيذي.

التحقيق تحدث عن خلافات تتعلق بملكيات الأراضي التي أُدخلت تاريخياً ضمن حرم المطار، وعن مطالب لسكان في المعضمية بإشراكهم في أي مشروع استثماري جديد.

ولم تكن هوية الجهة التي ستتولى تطوير المطار معلنة عند نشر تحقيق رويترز.

لا توجد معلومات تثبت أن مشروع المطار ومشروع الخليج مشروع واحد أو أن بينهما علاقة استثمارية.

لكن وجود مشروعين كبيرين متجاورين في المنطقة نفسها، وكلاهما يحمل أسئلة تتعلق بملكية الأراضي، يجعل الحاجة إلى نشر الخرائط والحدود العقارية أكثر أهمية.

خصوصاً أن داريا والبلدات المحيطة بالمطار شهدت تاريخياً عمليات استملاك وتغيير في استخدامات الأراضي لأسباب عسكرية وأمنية.

قانون من عهد النظام السابق

ثمة مسألة قانونية أخرى.

محافظة ريف دمشق استخدمت خلال العام الحالي القانون رقم 3 لعام 2018 في التعامل مع مناطق مدمرة في داريا.

القانون صدر في عهد النظام السابق، وينظم إزالة أنقاض الأبنية المتضررة وكيفية إثبات الحقوق المتعلقة بها.

استخدام القانون اليوم لا يعني أن طريقة تطبيقه ستكون نفسها التي كانت في عهد النظام السابق.

لكن وجوده يطرح سؤالاً إضافياً عن المرجعية القانونية التي ستنظم الخليج.

هل سيكون المشروع وفق قانون التنظيم العمراني الحالي؟

هل سيصدر له مرسوم خاص؟

وكيف ستتعامل اللجنة مع المالك الذي لا يملك سنداً عقارياً كاملاً؟

هذه أمور ستحدد عملياً من يستطيع الحفاظ على حقه ومن سيحتاج إلى الدخول في نزاع لإثباته.

ما الذي يجب نشره؟

الملف لا يحتاج كثيراً من التفسيرات بقدر حاجته إلى وثائق.

خريطة واضحة للمنطقة.

عدد العقارات.

عدد الملكيات التي تم تثبيتها.

طريقة التعامل مع العقود العرفية والورثة والمغتربين.

المخطط التنظيمي فور اعتماده.

طريقة تقييم الأراضي.

شكل التعويض أو الأسهم أو المقاسم.

وأسماء الشركات التي ستدخل المشروع عندما تبدأ مرحلة الاستثمار.

وجود هذه المعلومات لا يمنع المشروع ولا يعطله.

على العكس، يقلل النزاعات التي قد تظهر لاحقاً.

أرض الخليج ليست أول منطقة مدمرة في سوريا تدخل مرحلة إعادة التنظيم، ولن تكون الأخيرة.

لكنها واحدة من المناطق التي سيكون من الصعب التعامل معها على أنها مجرد مشروع عقاري.

لأن المنطقة كانت مأهولة، ثم جُرف جزء كبير منها، وبقي أصحابها سنوات خارجها.

اليوم لم يعد السؤال عن مسؤولية النظام السابق في تدميرها وحده.

هذه المرحلة أصبحت معروفة.

السؤال الآن عن الطريقة التي ستدار بها الأرض بعد ذلك.

ومتى يستطيع أصحابها أن يعرفوا بصورة نهائية ماذا سيبقى لهم منها.

اترك رد

عاجل