

يحتمل قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الصادر في 9 أيلول/ سبتمبر 2026 قراءتين خاطئتين، تحجب كل منهما بنيته القانونية. فالقراءة الأولى تتعامل معه بوصفه إغلاقًا للملف النووي السوري، فيما تقلل الثانية من شأنه باعتباره تعديلًا إجرائيًا خاليًا من المضمون.
وكلتا القراءتين تخفقان لأنَّهما تطمسان تمييزًا يقوم عليه مجمل التحليل، وهو الفرق بين تسوية حالة عدم الامتثال المحددة للضمانات، التي عُرضت رسميًا على المجلس، وبين تسوية تاريخ البرنامج النووي السوري السابق. وقد أنجز المجلس الأولى، أما الثانية فلم ينجزها، ولم يكن بوسعه، في ضوء السجل المتاح، أن يفعل ذلك. وفهم القرار يقتضي إبقاء هذين السؤالين منفصلين.
ففي عام 2011، خلص مجلس المحافظين، في الوثيقة GOV/2011/41، إلى أنَّ سوريا كانت في حالة عدم امتثال بموجب المادة 12 (ج) من النظام الأساسي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بسبب بناء مفاعل نووي غير معلن في دير الزور وعدم تقديم معلومات التصميم المطلوبة.
ولا تجعل هذه المادة عدم الامتثال صفة قانونية دائمة للدولة، على نحو يشبه تعليق العضوية أو الطرد، بل ترتب على المخالفة مجموعة من الآثار المؤسسية: مطالبة الدولة بمعالجتها، وإبلاغ الدول الأعضاء ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بها، وإمكان اتخاذ تدابير إضافية إذا لم تُتخذ إجراءات تصحيحية. وما فعله قرار أيلول/ سبتمبر 2026 هو إنهاء الإطار الاستثنائي الذي ظل قائمًا نتيجة ذلك الاستنتاج بعد أن اعتبر المجلس أنَّ المسائل التي استند إليها قد عولجت.
أما الالتزامات التي بقيت نافذة؛ فاتفاق الضمانات الشاملة الخاص بسوريا، INFCIRC/407، يظل ساريًا ما دامت سوريا طرفًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، كما تظل أحكامه المتعلقة بمعلومات التصميم، وحصر المواد، والإبلاغ، والتفتيش نافذة من دون إعفاء. ويستند إخضاع اليورانيوم للضمانات، واستمرار حصر المواد ومراقبتها، وإجراء مزيدٍ من أعمال التحقق في دير الزور، جميعها إلى علاقة ضمانات لم تتوقف قط عن إلزام سوريا، حتى وإن كانت بعض هذه الأنشطة تمثل تدابير متابعة محددة ناشئة عن البرنامج السابق.
وفيما يتجاوز قانون الضمانات، يثير القرار سؤالًا أوسع يتعلق باستمرارية التزامات الدولة بعد تغير الحكومة، فالتغيير السياسي الذي حصل بعد سقوط الأسد لا يعني تغيير الشخصية القانونية للدولة ذاتها. والقاعدة المستقرة تقضي بأنَّ تغير الحكومة لا يغير الالتزامات التعاهدية للدولة. ولكن المسؤولية السياسية للمسؤولين السابقين وأي مسؤولية جنائية فردية تظلان مسألتين منفصلتين.
وقد استندت المعالجة التي أقر بها المجلس إلى إعادة بناء للوقائع أقوى بكثير مما كان متاحًا عام 2011. فوفقًا للتقرير السري للمدير العام، كما ورد وصفه في البيانات الرسمية للمجلس واطلعت عليه وكالات أنباء دولية، حدد المحققون نحو 73 طنًا من اليورانيوم الطبيعي الذي لم يكن قد أُعلن عنه سابقًا، كان نحو 55 طنًا منه في صورة قضبان وقود، إلى جانب مفاعل مبرد بالغاز ومهدأ بالغرافيت يشبه تصميم يونغبيون، ومنشأة مخصصة لتصنيع الوقود، وموقع تخزين منفصل، وتخطيط مرتبط بإعادة المعالجة.
وكان سجل عام 2011 قويًا بالفعل، إذ استند إلى الصور، وأخذ العينات البيئية، ومعلومات المشتريات، والتحليل التقني، لكن التعاون اللاحق للحكومة السورية الحالية حوّل قدرًا كبيرًا من تلك الاستدلالات الجنائية الفنية إلى تفاصيل موثقة.
ويحدد التحفظ العلني الذي أبداه المدير العام للوكالة حدود ما تثبته هذه الوقائع. فتهيئة المفاعل تثبت الصلة المحتملة لتصميمه بصنع الأسلحة والقدرة التي كان يمكن أن يوفرها لو اكتمل تشغيله، لكنَّها لا تثبت وجود نية لصنع أسلحة. ولا يظهر في السجل وجود بلوتونيوم مفصول، أو برنامج عامل لإعادة المعالجة، أو قرار من النظام السابق ببناء سلاح.
فالقدرة والنية استنتاجان مختلفان، والأدلة لا تبلغ سوى الأول. وهنا ثمة أيضًا حد مؤسسي؛ فاتفاق الضمانات الشاملة مصمم للتحقق من الامتثال لالتزامات الإعلان عن المواد النووية وعدم تحويلها، وليس تفويضًا عامًا لأعمال الاستخبارات أو التحقيق الجنائي.
وتنسجم السياسة المحيطة بالقرار مع هذه البنية القانونية. فالإجماع لم يكن، في حد ذاته، مطلوبًا قانونًا، إذ إنَّ القرارات العادية للمجلس تُتخذ عمومًا، بموجب المادة 6 (هـ)، بأغلبية الأعضاء الحاضرين والمصوتين. وإنَّما تكمن أهميته في البعد السياسي؛ فقد أتاح اعتماد مشروع قرار برعاية عربية عرض تطبيع معاملة سوريا في إطار الضمانات بوصفه اعترافًا بمعالجة خضعت للتحقق.
وتشير إعادة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في تموز/ يوليو حقوق سوريا إلى منطق مؤسسي مماثل في مرحلة ما بعد الأسد، وإن جرى ذلك من خلال آلية قانونية مختلفة؛ تحدثت عنها في مقال سابق؛ فقد أعادت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حقوقًا كانت معلقة منذ عام 2021، بينما أنهت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قضية عدم امتثال لم تكن فيها حقوق العضوية قد عُلقت أصلًا. وما يجمع الحالتين هو الاتجاه إلى التمييز بين الالتزامات التعاهدية والشخصية القانونية للدولة من جهة، وبين سلوك الحكومة التي كانت تتصرف سابقًا باسمها من جهة أخرى.
وهكذا يظل التمييز الناظم للتحليل قائمًا في مختلف أبعاد القرار. فما انتهى في 9 أيلول/ سبتمبر هو مسار محدد لعدم الامتثال استمر خمسة عشر عامًا، ومعه نمط الإشراف الاستثنائي الذي ارتبط به. وفي المقابل، لم تُمحَ المخالفة التاريخية، ولم تنتهِ التزامات سوريا بموجب نظام الضمانات. ويُظهر القرار كيف استطاعت منظمة دولية، في هذه الحالة، أن تحافظ على استمرارية التزامات الدولة، وفي الوقت نفسه أن تميز بين انتهاكات نظام الأسد السابق وبين تعاون السلطات السورية الحالية.
وتكمن أهمية هذا المسار في الطريقة التي جرى بها التعامل مع إرث النظام السابق: ليس عبر إنكار المخالفات التي وقعت، بل من خلال التعاون، وإتاحة المعلومات والمواقع، وتمكين هيئة دولية مستقلة ومتخصصة من إجراء التحقق بنفسها. وبهذا المعنى، يمثل القرار خطوة مهمة في إعادة تنظيم علاقة سوريا مع مؤسسات الرقابة الدولية على أساس الامتثال والتعاون والتحقق.





