

تعيش سوريا في هذه المرحلة حالة اصطدام صعب لتطلعات شعبها بجدار الواقع المعقد في كل المجالات، خاصة الواقع الاقتصادي والمعيشي، فبعد سنوات طويلة من هيمنة نموذج الاقتصاد الموجّه، الذي راكم البيروقراطية والفساد والاحتكارات، وجدت القيادة السورية في المرحلة الانتقالية نفسها أمام خيارين، إما الاستمرار في آليات الماضي البائدة التي أثبتت فشلها، أو اعتماد اقتصاد السوق، مع ما تحتمله هذه الخطوة من مخاطر في بلد يعاني الدمار في مختلف القطاعات. ورغم جدارة الخيار الثاني، وربما حتميته، فإنه يحمل في طياته مخاطر جمّة، إذ إن الانتقال السريع نحو التحرير الاقتصادي، وهو ما زال في بداياته، أنتج صدمة اجتماعية تفوق قدرة المجتمع على الاحتمال، ما يضعنا جميعا أمام سؤال كبير: كيف ننتقل إلى اقتصاد السوق من دون أن تفقد الدولة وظيفتها الاجتماعية، ومن دون أن يهدد هذا النموذج الأمن المعيشي والمجتمعي الذي يشكّل أساس الاستقرار الأمني؟
لا يمكن فهم تحديات المرحلة الراهنة بمعزل عن الإرث الاقتصادي المتراكم، فقد أنتج الاقتصاد الموجّه على مدى عقود بيروقراطية ضخمة وشبكات احتكارية متجذرة وقطاعاً عاماً تحوّل تدريجياً من أداة تنمية إلى عبء مالي وإداري، والأخطر من ذلك أن الفساد لم يكن طارئاً على هذا النظام، بل كان جزءاً أصيلاً من بنيته، إذ تحوّلت مؤسسات الدولة إلى ساحات لتوزيع الريع، وتشوّهت قواعد المنافسة لصالح فئات متنفذة راكمت ثرواتها تحت مظلة الحماية الرسمية.
تكمن الخطورة الحقيقية في أن هذه الاحتجاجات اندلعت في مناطق تُوصف بأنها حاضنة للثورة وداعمة للدولة وقيادتها، ما يشير إلى أن القاعدة الشعبية التي راهنت على التغيير بدأت تعاني أزمة ثقة بسياسات الدولة..
هذا الإرث الثقيل يجعل الانتقال نحو اقتصاد السوق أكثر إرباكاً، فالبنى الاحتكارية القديمة لم تختفِ، بل أعادت تشكيل آلياتها وأدواتها وأسماءها في اقتصاد الحرب، كما أعادت هيكلة أنشطتها بعد التحرير، عبر شبكات وقوى رأسمالية جديدة، وبالتالي، فإن فتح السوق دون تفكيك هذه الشبكات أولاً لن يُنتج منافسة حقيقية، بل سيمنح هذه الفئات امتيازاً جديداً، وشرعية قانونية تحت مسميات الخصخصة والاستثمار والتحرير الاقتصادي، والتخفي وراء وجوه وأسماء جديدة، وهنا تكمن المفارقة، أن يُقدَّم التحرير الاقتصادي كعلاج، بينما هو في غياب الرؤية الواضحة للوظيفة الاجتماعية للدولة، والإصلاح المؤسسي، قد يتحول إلى غطاء جديد لإعادة إنتاج سيطرة قوى رأس المال، والاختلال في توزيع الثروة، والفساد ذاته.
الغضب الشعبي في سوريا الذي شهدنا خلال الأيام الماضية بعض فصوله، ليس تذمراً عابراً، فهو يكشف عن مؤشرات ميدانية ملموسة، تظهر عمق الأزمة التي تنتجها سياسات “صدمة الانتقال”، فبعد قرار رفع تعرفة الكهرباء في تشرين الأول 2025، شهدت عدة مدن سورية وقفات احتجاجية رفعت فيها شعارات تعتبر الكهرباء حقاً وليست رفاهية، وبحسب وزارة الطاقة السورية، كان الهدف من الزيادة الكبيرة الصادمة، جذب المستثمرين إلى قطاع يعاني خسائر تقدر بمليار دولار سنوياً، لكن هذا التبرير الاقتصادي يصطدم بواقع أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، و66% منهم في فقر مدقع.
ثم جاءت في الأيام الماضية صدمة الارتفاع الكبير في أسعار مشتقات الوقود لتكون الأقسى، ما تسبب في احتجاجات شعبية هي الأوسع منذ الإطاحة بنظام الأسد، والأهم من حجم الاحتجاجات هو تحوّل خطابها، فبعد أن كانت المطالب تتركز على العدالة والمحاسبة وتحسين الخدمات، تحوّلت إلى مطالبات تعكس إدراكاً شعبياً بأن الأزمة ناتجة عن سوء إدارة الملف المعيشي وغياب شبكات الأمان الاجتماعي.
وتكمن الخطورة الحقيقية في أن هذه الاحتجاجات اندلعت في مناطق تُوصف بأنها حاضنة للثورة وداعمة للدولة وقيادتها، ما يشير إلى أن القاعدة الشعبية التي راهنت على التغيير بدأت تعاني أزمة ثقة بسياسات الدولة، وهذا يعني أن شرعية القيادة والحكومة في هذه المرحلة الانتقالية باتت لدى السوريين مرتبطة بشكل وجودي بالقدرة على تأمين الحد الأدنى من الأمن المعيشي، وليس فقط بالخطاب السياسي.
إن التعمق في أدبيات الانتقال السياسي، وخاصة في السياقات الانتقالية الهشة، يؤكد أنه لا يمكن الفصل بين الأمن المعيشي والأمن المجتمعي؛ فالمواطن الذي يعجز عن تأمين متطلبات واحتياجات عائلته، لا يمكن أن يكون شريكاً في مشروع وطني للاستقرار، وقد بات أمن الطاقة أحد شروط الاستقرار الاجتماعي، ومقياساً لقدرة الدولة الجديدة على تحويل استعادة الموارد إلى تحسن يلمسه السوريون في حياتهم اليومية، وهذا الربط بين الطاقة والاستقرار ليس نظرياً؛ ففي ظل التحديات التي يواجهها معظم السوريين لتأمين احتياجاتهم الأساسية، في السكن والغذاء والصحة وغيرها من الأساسيات، فإن أي صدمة سعرية في الطاقة تنعكس فوراً على أسعار النقل والغذاء والخدمات، وتزيد المعاناة على كل مستويات الواقع المعيشي.
والخطر الاستراتيجي الأكبر هو أن استمرار حالة الاحتقان من دون تقديم حلول ملموسة قد يحوّل هذه الاحتجاجات المطلبية إلى حالة رفض دائم لسياسات الحكومة الانتقالية، ما يهدد الاستقرار المجتمعي في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أقصى درجات التلاحم الداخلي، وهذا ما يجعل إدارة “صدمة الانتقال” بوعي ومسؤولية مسألة أمن قومي بامتياز، وليس مجرد خيار اقتصادي.
وأمام هذه المعضلة فإن العودة إلى الاقتصاد الموجه ليس صائباً دون شك، فهذا خيار ثبت فشله تاريخياً وأصبح مرفوضاً سياسياً واجتماعياً، إلا أن الاندفاع نحو نموذج الرأسمالية المنفلتة تحت شعارات التحرير الاقتصادي الفضفاضة هو وصفة لكارثة اجتماعية، ستكون ضحيتها الفئات الهشة والأكثر فقراً وضعفاً، والبديل الواقعي هو نموذج اقتصادي تنموي يوازن بين ديناميكية السوق وعدالة التوزيع بما يكفل قيام الدولة بمسؤولياتها الأساسية في مجالات ضمان الاستقرار المعيشي والرعاية الصحية، والتعليم، والأمن الغذائي.
يبقى العنوان الأبرز للنموذج الاقتصادي الأصلح في هذه المرحلة هو ضمان الأمن المعيشي والمجتمعي، باعتباره حجر الزاوية لبناء سوريا المستقرة، والمزدهرة، والمتصالحة مع أبنائها.
إن النموذج الاقتصادي البديل في واقع صعب كالذي تعيشه سوريا، يجب أن يقوم على إطلاق قوى الإنتاج، وتشجيع المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وجذب الاستثمارات، ولكن مع احتفاظ الدولة بأدوات رقابية وتنظيمية ذكية، وتشمل هذه الأدوات، قوانين صارمة لمكافحة الاحتكار وتفكيك الشبكات الاحتكارية القديمة قبل فتح الأسواق؛ ونظام ضريبي تصاعدي عادل وشفاف يعيد توزيع الثروة ويموّل شبكات الأمان الاجتماعي؛ والتحول من الدعم السلعي العشوائي إلى الدعم النقدي المباشر الموجّه بدقة للأسر الأشد فقراً، بدلاً من نظام دعم حكومي مشوه ومكلف ومرهق للدولة، كان يستفيد منه المتنفذون أكثر من مستحقيه.
ومن الضرورة التأكيد على أن نجاح أي إصلاح اقتصادي في سوريا لا يُقاس بحجم الأرقام في التقارير الدولية، بل بمدى انخفاض معدلات الفقر الحقيقي، واستقرار الأسواق المحلية، وقدرة السوريين، خاصة من الطبقات الوسطى والفقيرة، على تأمين معيشتهم بكرامة، فالتحدي الحقيقي ليس في الانتقال من اقتصاد موجه إلى اقتصاد سوق، بل في إدارة هذا الانتقال بوعي ومسؤولية، بحيث لا يدفع المواطن السوري ثمن تحولٍ يجعله أكثر فقراً وتهميشاً، فلا سلم اجتماعياً من دون استقرار معيشي، ولا حرية اقتصادية بلا عدالة اجتماعية، ولا عدالة اجتماعية بلا إنتاج وتنمية متوازنة وعيش كريم، والمخرج الوحيد هو اقتصاد سوق تنموي اجتماعي، عناوينه الأساسية تتمثل في إبداع الحلول، وحماية الأساسيات، ودور للدولة ينظّم دون أن يخنق، ويحمي دون أن يعيق،
ويبقى العنوان الأبرز للنموذج الاقتصادي الأصلح في هذه المرحلة هو ضمان الأمن المعيشي والمجتمعي، باعتباره حجر الزاوية لبناء سوريا المستقرة، والمزدهرة، والمتصالحة مع أبنائها.





