عين العرب بعد الدمج.. حريق السجن يكشف ثغرات الانتقال الأمني

سمر بدر12 سبتمبر 2026آخر تحديث :
مديرية الأمن الداخلي في عين العرب عقب تسلّمها ضمن ترتيبات الدمج في شباط 2026 – سانا / أرشيف

لم يكن الحريق الذي اندلع داخل سجن عين العرب «كوباني» حادثاً منفصلاً عن التوتر الذي عاشته المدينة خلال الساعات الماضية. فالأحداث التي بدأت باحتجاجات على مقتل سامي شيخموس حسو ثم امتدت إلى اعتداءات على مقرات ودوريات أمنية انتهت داخل منشأة بقيت حتى لحظة الحريق تحت إدارة كوادرها السابقة ولم تتسلمها وزارة الداخلية.

هذا التفصيل نقل الحادثة من حدود حريق داخل سجن إلى سؤال أوسع يتعلق بما تحقق فعلياً من عملية الدمج الأمني في عين العرب بعد أشهر على دخول مؤسسات الدولة إلى المدينة.

وكانت قوى الأمن الداخلي قد انتشرت لتأمين وقفة احتجاجية خرجت على خلفية مقتل حسو قبل أن تتحول بحسب بيان مديرية الأمن إلى اعتداءات على عناصرها ومقراتها تخللها رشق بالحجارة وإطلاق نار وإضرام للنيران. وأعلنت المديرية لاحقاً تعزيز انتشارها وضبط عدد من المتورطين وعودة الهدوء إلى المدينة.

لكن التوتر انتقل بعد ذلك إلى السجن.فقد شهدت المنشأة حالة استعصاء تخللها إشعال للنيران داخل عدد من المهاجع. وأعلنت الإخبارية السورية مقتل سبعة نزلاء وإصابة آخرين بحروق واختناق فيما تحدثت وسائل إعلام كردية وتقارير محلية عن مقتل تسعة وإصابة 17 آخرين. وبقيت الحصيلة متفاوتة بين المصادر حتى وقت إعداد المادة.

ورغم الأهمية البالغة للخسائر البشرية التي خلفها الحريق فإن تفصيلاً آخر فتح سؤالاً يتجاوز الحادثة نفسها، إذ إن السجن لم يكن قد انتقل إلى إدارة وزارة الداخلية. وأكدت الإخبارية السورية أن المنشأة ما تزال تحت إدارة كوادرها السابقة رغم حل «قسد» ودخول قوى الأمن الداخلي إلى المدينة. وهي المعلومة التي أعادت فتح ملف انتقال الصلاحيات لا باعتباره اتفاقاً سياسياً فقط بل بوصفه عملية ما تزال تفاصيلها تُختبر على الأرض.

الدمج بدأ قبل أشهر

في 27 شباط أعلنت وزارة الداخلية تسلم مبنى مديرية الأمن الداخلي في عين العرب رسمياً ومباشرة مهامها فيه ضمن استكمال اندماج قوى الأمن الداخلي في المنطقة داخل هيكل الوزارة.

وشملت الخطوات حينها جولات على الأقسام الشرطية واجتماعات لبحث توحيد الهياكل التنظيمية والإدارية وخطة استكمال عملية الاندماج. أي أن وجود مؤسسات الدولة الأمنية في عين العرب لم يبدأ مع أحداث اليوم بل سبقها بأشهر.

وفي 25 آب أعلن مظلوم عبدي حل «قسد» واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية في محطة بدت سياسياً وعسكرياً كأنها تنهي مرحلة طويلة من وجود قوة مستقلة عن مؤسسات الدولة.

غير أن ما جرى في عين العرب يظهر أن إنهاء البنية العسكرية شيء وانتقال جميع الصلاحيات والمؤسسات على الأرض شيء آخر.

وجود مديرية أمن تابعة لوزارة الداخلية إلى جانب منشأة حساسة كسجن ما تزال تدار من كوادر سابقة لا يعني أن عملية الدمج توقفت ولا يكفي للحكم بفشلها لكنه يكشف أن عملية الانتقال لم تتم بالمستوى نفسه داخل جميع المؤسسات وأن بعض الملفات بقيت في ترتيبات انتقالية حتى بعد التقدم الكبير الذي شهدته العملية خلال الأشهر الماضية.

الأزمة تكشف ما لا يظهر في الظروف العادية

في الأيام العادية قد يبقى هذا النوع من الترتيبات دون أثر واضح لكن الأزمات تختبر توزيع الصلاحيات بسرعة.

فعندما تقع احتجاجات ثم اعتداءات على قوات الأمن ثم اضطراب داخل سجن يصبح السؤال عن الجهة المسؤولة جزءاً من الحدث نفسه.

من يدير المنشأة ومن يملك صلاحية التدخل ومن يتحمل المسؤولية القانونية والأمنية عن النزلاء ليست مسائل إدارية صغيرة عندما يكون الحديث عن سجن.

لهذا بدت أحداث عين العرب أشبه باختبار عملي لبنية أمنية ما تزال في طور إعادة التشكيل. الدولة موجودة في المدينة وأجهزتها تمارس عملها وتنتشر عند وقوع اضطرابات لكن بعض أدوات السلطة القديمة لم تنتقل إليها بالكامل بعد.

وهذا هو الفارق بين الدخول إلى مؤسسة وبين اكتمال بناء مؤسسة واحدة.

فالدمج لا يقاس فقط بعدد العناصر الذين انتقلوا إلى وزارتي الدفاع والداخلية ولا بعدد المقرات التي تسلمتها الدولة. اكتماله يظهر عندما تصبح سلسلة القرار والمسؤولية واضحة داخل جميع المؤسسات وعندما لا يضطر أي حادث إلى إعادة طرح السؤال حول الجهة التي تدير المكان.

الاضطرابات الأخيرة لم تثبت وجود سلطتين منفصلتين في عين العرب كما أنها لا تسمح بالقول إن اتفاق الدمج انهار. ما كشفته هو مرحلة أكثر تعقيداً بين النظام القديم والبنية الجديدة.

مدينة دخلتها مؤسسات الدولة وبدأ فيها توحيد الأجهزة منذ أشهر لكنها ما تزال تحمل داخلها بعض ترتيبات المرحلة السابقة.

وتبقى الخسائر البشرية النتيجة الأشد في حريق السجن، لكن الحادثة كشفت في الوقت نفسه فجوة بين ما أُنجز من عملية الدمج على المستوى السياسي والمؤسسي وبين بعض التفاصيل التي لم تُحسم بعد على الأرض.

ومع عودة الهدوء إلى عين العرب يبقى الاختبار الحقيقي أبعد من ضبط الشارع أو إخماد الحريق. إنه الوصول إلى لحظة تصبح فيها المسؤولية الأمنية واحدة وواضحة من الشارع إلى مقر الشرطة وصولاً إلى باب السجن.

عندها فقط يمكن القول إن عملية الدمج تجاوزت الاتفاقات والتسليمات الإدارية وأصبحت واقعاً مؤسسياً كاملاً.

اترك رد

عاجل