

لعل دعوة وزارة الثقافة السورية للفنانة أصالة نصري لإحياء حفلة في دمشق وزيارتها للمرة الأولى بعد سنوات غياب، وهو ما كان متوقّعاً، عجّل بخروج أصواتٍ سوريةٍ محافِظة تطالب بإلغاء الحفلة، ترفض الفنون، وتعتبر أن نمطاً ثقافياً يتيحها إنما يشكّل تهديداً لمجتمعها. في المقابل، أصدر رجال دين وأكاديميون وناشطون بيانات تطالب بحماية وصون الهوية الثقافية السورية، بما يوحي بالوصاية عليها أكثر مما يعكس الحرص على المضي قدماً في الزمن الجديد، بانفتاحٍ مسؤولٍ وثقةٍ أكبر في الدولة وقراراتها.
مشهدٌ يبدو مألوفاً في بعض الأزمنة والبلدان. لكن ليس في سوريا الجديدة. مَن يدرك هذا أكثر من الجميع، ويتعامل معه بحسابات دقيقة، هو الرئيس الشرع ذاته. وبالتغيير التدريجي تارةً، وبالصدمة تارةً أخرى، يمكن العبور إلى ثقافة أقرب إلى الثقافة السورية بعد إزالة ما شابها خلال حقب الاستبداد.
ولفهم المزيد عن هذه اللحظة، تجدرُ العودة إلى خطوة مبكّرة قام بها لتنظيم هذا الاشتباك، وحينها كان الاختبار أكثر التصاقاً بالشرع نفسه. فهو لم يأت إلى دمشق من خارج الحقل الإسلامي، بل من داخله، محمّلاً بتاريخ طويل من التحولات التي بدأت من السلفية الجهادية وانتهت به رئيساً لدولة، وبجماعة كانت تقاتل لإقامة تصوّرها عن الحكم، ثم وجدت نفسها مطالبة بإدارة مجتمع لا يشبه الجماعة، ولا يمكن إخضاعه لمنطقها. فالدولة أوسع من العقيدة السياسية التي يحملها رجالها، والمجتمع أكثر تعقيداً من التنظيم الذي يصل إلى السلطة.
عندما دخل الشرع دمشق، لم يدخل مدينة خالية من تاريخها الديني. كان الإسلام الشامي قد راكم، على مدى قرون، شبكة من المدارس الفقهية والصوفية والمؤسسات العلمية والمساجد والعائلات الدينية، ومرّ في علاقات متبدلة مع الدولة، من العهد العثماني إلى دولة الاستقلال، ثم إلى “البعث” والأسدَين. وعلى الرغم مما أحدثته عقود الاستبداد، من إضعاف للمؤسسة الدينية وإخضاع جانب منها للدولة، بقيت في دمشق ومدن سوريا تقاليد دينية لا تنتمي بالضرورة إلى “السلفية” التي غلبت على بيئات إسلامية خرجت من سنوات الحرب. هكذا، التقى في سوريا الجديدة، إسلامان، ليس بالمعنى العقدي الصارم، بل بالمعنى التاريخي والاجتماعي: إسلامٌ حمله القادمون من الشمال، وقد تشكّل جانب من خطابه في ظروف الحرب والجهاد والمواجهة، وإسلامٌ شاميٌّ بقيت فيه آثارُ المذاهب والتصوف والمدارس التقليدية وميراث العلماء.
لم يكن الاختلاف بينهما شاملاً. بل إن أحد علماء دمشق المشاركين لاحقاً في مؤتمر “وحدة الخطاب الإسلامي”، قدّر أن مساحة الاتفاق مع “الإخوة القادمين من الشمال” تتجاوز 90 في المئة، لكنه أقرّ بأن الجزء المختلف كافٍ لإنتاج حالة من الاستقطاب داخل المجتمع السوري. والسوريون، الذين انتهوا لتوّهم من صراع طويل مع نظام الأسد، وجدوا أنفسهم أمام أسئلة أخرى: أي إسلام سيظهر في الدولة الجديدة؟ وهل ستصبح الغلبة العسكرية التي أوصلت رجال إدلب إلى دمشق، غلبةً دينية أيضاً؟ أم أن السلطة الجديدة ستعيد إنتاج العلاقة التقليدية بين الدولة والمؤسسة الدينية؟
لم تكن الأسئلة نظريةً. فبعد نصف قرن، عمل خلاله نظام الأسد على ضبط المجال الديني، وتعيين رجاله والتحكم في مؤسساته ومنابره، صار سقوطه يعني أيضاً تحرير مساحة دينية واسعة كانت مكبوتة أو موزّعة بين الداخل والمنفى. عاد علماء، وظهرت تيارات، واستعادت المساجد دوراً عاماً، بينما حمل القادمون إلى السلطة معهم رجال دين وشرعيين ومفاهيم تكونت في تجربة مختلفة. ومنذ اللحظة الأولى، كان الشرع في قلب هذه المفارقة. فالرجل الذي احتاج في مرحلة سابقة إلى “الشرعي” لتسويغ الحرب، بات يحتاج إلى “العالم” و”الخطيب” و”المفتي” للمساهمة في بناء السِّلم. والسلطة التي كان سؤالها يوماً كيف تنتصر على خصومها، أخذت تسأل اليوم كيف تمنع تحوّل الاختلافات داخل بيئتها الاجتماعية نفسها إلى خصومة جديدة؟.
بدأت ملامح الإجابة تظهر تدريجياً في إعادة بناء المؤسسة الدينية الرسمية، وفي الدور الذي اضطلعت به وزارة الأوقاف ومجلس الإفتاء الأعلى، وصولاً إلى محاولة وضع قواعد تضبط المجال الدعوي من دون إلغاء تعدده. فأصدرت وزارة الأوقاف تعميماً دعت فيه إلى تعزيز الخطاب الديني الوسطي وترسيخ التعايش والسلم الأهلي ومنع خطاب الكراهية والتفرقة في المؤسسات الدينية. لم يكن ذلك منفصلاً عما يدور في البلاد؛ فقد جاءت الدولة الجديدة من حرب طويلة، وعبرت خلال عامها الأول اختبارات الساحل والسويداء والتوترات القومية والطائفية، وصار واضحاً أن ضبط السلاح وحده لن يكون كافياً إذا بقيت المنابرُ قادرةً على إعادة إنتاج الانقسام.
ثم انتقلت المحاولة من التعاميم الإدارية إلى بناء مظلة أوسع. ففي 15 شباط/فبراير الماضي، افتتحت وزارة الأوقاف في قصر المؤتمرات بدمشق مؤتمراً تحت عنوان “وحدة الخطاب الإسلامي”، برعاية الشرع ومجلس الإفتاء الأعلى، وبمشاركة علماء ودعاة من مدارس واتجاهات مختلفة. وفي اليوم التالي، حضر الشرع بنفسه، وأُعلن “ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي” بحضور مفتي الجمهورية الشيخ أسامة الرفاعي، ووزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، ومستشار الرئاسة للشؤون الدينية عبد الرحيم عطون، وأكثر من 1500 من أهل العلم والدعوة من أنحاء سوريا.
كان عنوان المؤتمر قابلاً لسوء الفهم؛ إذ يمكن أن تبدو “وحدة الخطاب”، محاولة لفرض خطاب ديني واحد. لكن نصّ الميثاق ذهب في اتجاه مختلف، فقد اعترف بتعدّد المذاهب والاجتهادات، واعتبر هذا التنوع مصدر غنى وثراء، ودعا إلى الاحترام المتبادل ومنع التحريض والإقصاء، وإلى تعميق الصلة بين المدارس بما يبني الثقة و”يرشد الاختلاف”.
لم يكن المطلوب، إذاً، إزالة الاختلاف، وإنما تنظيمه. وهذه نقلة تستحق التوقف عندها في تجربة الشرع. فالجماعة الأيديولوجية تستطيع أن تبحث عن وحدة الاعتقاد، أما الدولة فلا تملك ذلك من دون أن تتحوّل إلى جهاز إكراهٍ عقائدي. والدولة التي تضم السلفي والصوفي، والأشعري وأصحاب الاتجاهات الحديثية، وأتباع المذاهب الفقهية المختلفة، لا تستطيع أن تنهي خلافاتهم بقرار. أقصى ما تستطيع فعله هو تحديد المساحة التي يجوز لذلك الخلاف أن يتحرّك فيها، ومنع انتقاله من المناظرة إلى التحريض، ومن المسجد إلى الاقتتال. هنا لا يعود النقاش متعلقاً بالمسجد وحده. ما يقال عن اختلاف السلفي والصوفي، سيُختبر أيضاً أمام مسرح، أو فيلم، أو أغنية، أو صوت امرأة تقف على خشبة في دمشق.
كان الشرع نفسه حاضراً في قلب تلك الصيغة. وفي الجلسة الحوارية التي عقدها خلال المؤتمر نفسه، تحدث عن مسؤولية تتكامل فيها المنابر والمؤسسات التربوية ووسائل الإعلام. وهي إشارة إلى تحوّل في تصوّر وظيفة الخطاب الديني نفسه. فلم يعد المنبر المصدر الوحيد لصناعة المجتمع، ورجل الدين صار جزءاً من شبكة مؤسسات يفترض بالدولة أن تنظم علاقاتها بعضها ببعض. لقد حوّل الشرع المؤتمرَ بذلك، إلى ما هو أبعد من مجرّد ندوة لوزارة الأوقاف، وجعله محاولةً لإعادة تعريف علاقة السلطة الجديدة بالإسلام الذي جاء هو نفسه من إحدى بيئاته.
والشرع لم يكن رئيساً علمانياً يقف خارج المدارس الإسلامية ليحكم بينها، ولم يكن شيخ طريقة يستطيع أن يطلب من الآخرين الانضمام إليها، كما لم يعد أمير جماعة يملك أن يجعل اجتهاد جماعته معياراً للطاعة. وبات عليه الانتقال من كونه ابناً لتيار، إلى موقع رئيس دولةٍ يضمن حق التيارات الأخرى في البقاء.
لكن المسألة الدينية في سوريا تبقى أشد تعقيداً؛ لأن الدولة الجديدة نفسها خرجت من تاريخ إسلامي مسلّح، ولأن الشرع لم يكن محايداً بالمعنى التاريخي تجاه النقاش الذي أصبح مُطالباً بإدارته. وكان نجاح تجربته يتوقف، جزئياً، على قدرته على تحويل المسافة التي اجتازها شخصياً، من الجهادية إلى السياسة، إلى مسافةٍ مؤسساتيةٍ تستطيع الدولة أن تجتازها أيضاً، من فرض الصواب إلى إدارة الاختلاف حوله. هذا التفكير أنتج مشروعاً جديداً من مشاريع الشرع في مسار التحوّلات، تجسَّد في إخراج التعدّد الإسلامي من صراع السيطرة على المساجد والمجتمع، إلى فضاءٍ تنظّمه الدولة، بحيث لا يحتاج الصوفي إلى إقصاء السلفي ليضمن وجوده، كما لا يحتاج السلفي إلى نفي شرعية الصوفي لكي يحمي دعوته.
لكنه خلق واقعاً جديداً أيضاَ. فالدولة التي تضمن التعدّد، تمتلك في الوقت ذاته، القوة التي ترسم حدوده. فمَن هو الذي يحدد “الاعتدال”؟ ومَن يضع الحد الفاصل بين الاختلاف المشروع والخطاب الذي ينبغي منعه؟
والفن، في الحقيقة، امتحانٌ أصعب من الخلاف بين المدارس الدينية. فالسلفي والصوفي، على اختلافهما، ينطلقان من مرجعية دينية مشتركة، أما الفنان فلا يحتاج أصلاً إلى تبرير عمله داخل تلك المرجعية. الأغنية والمسرح والسينما والرواية، تنتمي إلى المجال العام السوري، وحقها في الوجود لا ينبغي أن يتوقّف على الحصول على إجازة فقهية. وهنا تحديداً تظهر حدود فكرة “إدارة الاختلاف”: هل تشمل المختلفين داخل الدين فقط، أم من يختلفون معهم أيضاً؟
ويبدو أن الشرع يبحث عن معادلة مختلفة عمّا عرفه هو نفسه: دولة لا يبتلعها تنظيم ديني، ولا تعيد في الوقت نفسه تجربة الأسد في إخضاع الدين وتحويل علمائه إلى ملحقات بالسلطة. تبقى الجماعات والمدارس في فضائها، وتتدخل الدولة عندما يتحول الاختلاف إلى تحريضٍ أو تهديدٍ للسلم الأهلي. لا بدّ أنه يعرف الآن كم هي صيغة شديدة الحساسية، لأن نجاحها يتطلّب من الحاكم أن يقبل وجود خطاب ديني لا يشبه خطابه، ومن رجال الدين أن يقبلوا بدولةٍ لا تمثّل مذهبَ أحدٍ منهم وحدَه.
لا يريد الشرع أن تكون الوحدة المطلوبة وحدةَ الفتاوى والمذاهب، ولا أن يتحوّل الصوفي إلى سلفي أو السلفي إلى صوفي؛ بل محاولة للاتفاق على الحدود التي يبقى داخلها الاختلاف اختلافاً، فلا يتحوّل إلى صراعٍ على امتلاك الإسلام السوري.
الشرع هذه المرة هو من يختبر. يتفحّص موقع “الضامن” في ميدان مختلف. وليس المطلوب محو الاختلاف، بل إدخاله تحت سقف الدولة. وليس الفن في سوريا وافداً جديداً يحتاج إلى إثبات شرعيته. فقد عاشت المدينة السورية تاريخياً مع المسجد والمسرح، ومع الشيخ والموسيقي، ومع الموشّح والقدود والسينما والفنون التشكيلية. التديّن السوري نفسه لم يتشكّل دائماً في خصومة مع الجمال، ففي البيئة ذاتها التي أنجبت العلماء والمتصوفة، نشأت تقاليد الإنشاد والموسيقى والعمارة والزخرفة والشِّعر. ولهذا فإن تصوير المعركة اليوم كأنها بين “دين سوري أصيل” وفنون وافدة، يختزل تاريخاً أكثر تركيباً بكثير.
أما المُطالِبون بإلغاء حفل أصالة نصري في دمشق، ويعتقدون أن الأمر مجرّد قرارٍ اتّخذه وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، فهم لا يقرأون المشهد بتعمّق. وقد منح الوزير الحدث دلالةً وطنيةً وثقافية، حين صرّح قائلاً إن أصالة “ابنة الشام” دفعت ثمناً لموقفها المؤيد للثورة منذ بدايتها، مؤكداً أن الدولة السورية الجديدة ترحّب بمبدعيها وتعيد فتح فضائها الثقافي أمامهم، مشيراً إلى رعاية وزارته لألبوم أصالة الجديد بما يحمله من حضور للتراث واللهجات والألوان الموسيقية للعديد من المحافظات السورية.
وقبل قليل، في المسألة الكردية، وقف الشرع خارج الهوية القومية التي كان يضمن حقوقها. أما هنا، فإنه يقف داخل المجال الذي يريد تنظيمه. إنه ابن أحد المسارات التي يُطلب منها الآن التعايُش مع غيرها. وتعايُشها هذا سيمرّ باختباراتٍ أصعب من الخلافات الفقهية نفسها، وفي مقدمتها قبول الآخر غير المتديّن، وقبول الفن خارج سلطة الفتوى، السينما والمسرح والموسيقى والطرب. وحين تصعد أصالة إلى المسرح في دمشق، لن يكون الاختبار اختباراً لصوتها وجماهيريتها، بل اختبار الدولة التي تريد أن تتسع لمن يريد سماعها ولمن يرفضها في الوقت نفسه.





