أزمة ميليشيات السويداء.. انكشاف يستدعي دور الدولة

عمر إدلبي8 سبتمبر 2026آخر تحديث :
أزمة ميليشيات السويداء.. انكشاف يستدعي دور الدولة

لا يكاد يمر يوم في السويداء من دون أن تحدث واقعة تؤكد تناقضات الكيانات الميليشياوية التي ترفع شعارات الحريات والحقوق، وتمارس جرائم خنقها تحت سطوة السلاح، ما يكشف زيف الخطاب الذي يُسوّق تحت عباءة “المظلومية الأخلاقية” في جبل العرب، المنكوب مرتين، مرة بما قاساه أهله من مجازر، وأخرى من قوى أمر واقع متسلطة، اختطفت إرادة أحراره.

وإذا كانت جريمة اختطاف ونفي الوجيه الاجتماعي عاطف هنيدي في بلدة المجدل في السويداء قبل أيام، هي أقرب الأحداث المؤسفة التي تؤكد كارثية النهج المتبع من تيار الهجري وميليشياته ضد معارضيه، فإن كثيرا من الوقائع المماثلة السابقة لم تكن مجرد عقاب على خروج صوت واضح يعارض توجهات هذا التيار الانعزالي، ولا صراع على النفوذ، أو تصفية حسابات ضيقة فحسب، على غرار ما سبقها من ممارسات ترهيب وإقصاء من قبل تيار الشيخ الهجري ضد نظيريه الشيخين حمود الحناوي، ويوسف جربوع، فحادثة هنيدي تبدو كمحطة فارقة فضحت الوجه الحقيقي لتيار حكمت الهجري، وكشفت عن تناقض جوهري بين شعارات حماية المجتمع الدرزي من “الإرهاب والإقصاء”، وممارسة هذا التيار أبشع أنماط الترهيب والإقصاء، كأداة للهيمنة المطلقة، بما يخشى معه مزيداً من تمزيق النسيج الاجتماعي وخلخلة استقرار محافظة كانت دوماً عصية على الرضوخ لمشاريع التجزئة.

على مدى سنوات، روّج تيار الهجري لنفسه كحارس لأبناء الطائفة الدرزية، متخذاً من هواجس المرحلة الانتقالية ذريعة لتشكيل ميليشياته وتكديس السلاح تحت مسمى “الحرس الوطني” وواجهات أخرى شبيهة سابقة، بيد أن المشهد الذي دار في منزل هنيدي — الذي لم يفعل شيئاً خطراً سوى التعبير العلني عن موقف وطني يرفض الربط العضوي للدروز بأجندات الكيان الصهيوني — فضح هذا الادعاء بأبلغ صورة، فمحاصرة المنزل بمن فيه من أطفال ونساء، وإطلاق النار والقنابل اليدوية، واعتداء عناصر الميليشيا على الجيران الذين هرعوا للنجدة، ثم اختطاف الرجل وسوقه تحت تهديد السلاح ونفيه لاحقاً إلى العاصمة، كلها أفعال تنتمي إلى قاموس التنظيمات الإرهابية، لا إلى خطاب من يدعي الدفاع عن الحريات وحماية المدنيين.

مشروع “دولة باشان”، هذا المصطلح، المنتزع من سياقه الديني القديم والمُسقط على جغرافيا جبل العرب، ليس مجرد شعار عابر، بل هو غطاء لتطبيع التمدد الاستيطاني الإسرائيلي وتغليف الاحتلال بأوهام تاريخية ملفقة

هذا المنطق الترهيبي، الذي يقتل ويروع وينفي معارضيه، ويجبرهم على الإذعان لمواقف لا يؤمنون بها، يضع التيار في مواجهة مباشرة مع قيم الجبل الأصيلة التي قامت على كرامة الرأي واحترام المخالف، بما يثبت أن مشروع الهجري لا يخاف من خصومه بقدر ما يخاف من الأصوات الوطنية التي تهز عرش سلطته، ويسعى لقطع الطريق على أي نخبة تجرؤ على القول إن تاريخ “الدرزية” في السويداء سوري خالص، وإن انتماءها الوطني لا يقبل التشكيك ولا يُباع بوعود وهْم “باشان” التوراتية وانتحار الهوية.

إن انحرافات هذا التيار لم تقف عند حدود الترهيب الداخلي، بل امتدت إلى تبني طروحات انفصالية تستند إلى مرجعيات توراتية غريبة عن تاريخ المنطقة، وفي مقدمتها مشروع “دولة باشان”، هذا المصطلح، المنتزع من سياقه الديني القديم والمُسقط على جغرافيا جبل العرب، ليس مجرد شعار عابر، بل هو غطاء لتطبيع التمدد الاستيطاني الإسرائيلي وتغليف الاحتلال بأوهام تاريخية ملفقة، وحين يعلن الهجري أن الدروز “جزء لا يتجزأ من كيان الاحتلال”، فهو لا يمارس انفصالاً سياسياً فحسب، بل يرتكب تجديفاً تاريخياً مثيراً للسخرية بفعل ضحالة وتهافت أسانيده، ويمحو إرث سلطان باشا الأطرش، وبطولات الدروز في الثورة السورية الكبرى، ويجعل منهم أداة في مشروع استعماري بات معزولاً ومداناً من قبل العالم بأسره، بما في ذلك رعاته التاريخيين.

الهجري أصبح رهينة لأوهام لا سند لها، يخاطب جمهوراً وهمياً، وقلة شعبوية بلا وزن، لن يجدوا في وعوده سوى تكرار لسيناريوهات فشلت في كل رقعة حلّت فيها.

وإذا كان بعضهم يظن أن طروحات الهجري قادرة على اكتساب شرعية عاطفية داخلية، فإن الموقف الرافض لشيوخ وقادة رأي من دروز الجولان المحتل، الذين أكدوا مراراً أن “الدروز سوريون وجذر تاريخهم في سوريا”، يكشف عن وهنها وعزلتها حتى في أحضان الكيان الذي تسعى لتحالفه، كما أن التردد الإسرائيلي في تبني هذا المشروع بشكل رسمي، واكتفاء الاحتلال باستغلال السويداء كورقة ضغط متقلبة، يؤكد أن الهجري أصبح رهينة لأوهام لا سند لها، يخاطب جمهوراً وهمياً، وقلة شعبوية بلا وزن، لن يجدوا في وعوده سوى تكرار لسيناريوهات فشلت في كل رقعة حلّت فيها.

وفي هذا السياق، تُقرأ تصريحات المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك، حول الأوضاع في السويداء، كاعتراف ضمني بفشل سياسات احتواء الميليشيات التي سكتت عنها الإدارة الأميركية سابقاً، كما سكتت عن الدعم الإسرائيلي المكشوف لها، إذ يفضح قوله بـ”عصابات مسلحة تملأ الفراغ” حقيقة أن ما يجري في السويداء انفلات أمني ممنهج ترعاه مجموعات خارجة عن القانون استغلت غياب الدولة لتكريس نفوذها، ورغم أن إشارته إلى أن احتجاز هنيدي جزء من “العنف داخل المجتمع المحلي” تنطوي على تبسيط مريب لقضية اختطاف ونفي قسري برعاية مليشيا مسلحة، وكأنها مشكلة داخلية لا علاقة لها بتمويل خارجي وتسليح منظم، فإن الأهم هو تأكيد باراك أن “خارطة الطريق الثلاثية” تبقى المسار الوحيد لتجنب المأساة، وهو ما يكشف عن إدراك أميركي متأخر بأن استمرار الفوضى يخدم مشاريع التقسيم التي كانت سياسة الإدارة الأميركية المعلنة تعارضها، في حين تستغلها أطراف أميركية أخرى كورقة ضغط على الدولة السورية، ما يخشى معه ألا يعكس موقف باراك تحولاً جذرياً، بل محاولة لضبط تداعيات أخطاء سابقة، في وقت تبقى فيه الدولة السورية وحدها القادرة على ردع هذه المليشيات واستعادة الاستقرار، بشرط أن تترافق الإجراءات الأمنية مع مشاريع تنموية وسياسية تعيد ثقة أبناء المحافظة بالدولة وتوجهاتها.

إن الحالة الشاذة التي تهدد الاستقرار في محافظة عريقة كالسويداء، تبرز دور الدولة السورية كضامن وحيد لحماية أبناء الجبل واستعادتهم وحفظ تماسكهم، عبر خيارات متكاملة لا تكتفي بالردع الأمني، بل تمتد إلى أبعاد سياسية واقتصادية ونفسية تعيد الثقة وتجبر الضرر.

فإذا كانت الدولة مطالبة بأن تتعامل بالردع الحازم مع ميليشيات خارجة عن القانون، تختطف الوجهاء وتروّع العزل وتحرم الطلاب من متابعة تحصيلهم العلمي، وتصنيفها كخطر جسيم لا بد من مواجهته، وملاحقة المتورطين في الجرائم، وتحريك الادعاءات أمام القضاء بحقهم، مع التمييز الدقيق بين عناصر المليشيات وأبناء المحافظة الذين يُستغلون تحت التهديد، أو حملوا السلاح في ظروف محددة دفاعاً عن أنفسهم ومجتمعهم، وهذا النهج يُرسل إشارة بأن الدولة لا تحارب أبناءها، بل تحارب سلوكاً إجرامياً يستهدفهم، ونهجاً انعزالياً يقصيهم عن وطنهم، وأنها قادرة على توفير الحماية للجميع من دون تمييز طائفي أو سياسي.

السويداء التي وقف أبناؤها ضد الاستعمار والتجزئة منذ تأسست سوريا، تقف اليوم أمام مفترق طرق، إما الانزلاق وراء سراب مشاريع الوهم والتدخلات الخارجية، أو العودة إلى جذورها الوطنية السورية الراسخة التي صاغها تاريخ نضالي لا يُمحى

وإلى جانب الردع، تحتاج السويداء إلى سياسة احتواء سياسي تعيد الوجهاء والشخصيات الوطنية المستهدفة إلى صدارة المشهد، وتجعل منهم شركاء في إدارة المحافظة، من خلال تقديم الدولة نفسها كملجأ آمن لهذه النخب، وفتح حوار جاد مع الفعاليات المدنية والدينية بعيداً عن الميليشيات، يقطع الطريق على مشروع الإقصاء، ويؤكد أن تمثيل السويداء الحقيقي لا يقوم على مهادنة حملة السلاح، بل على دعم إرادة أبنائها التاريخية المتمسكة بانتمائها السوري.

كما أن استعادة الثقة لا تستقيم من دون الاعتراف بجسامة الأضرار التي لحقت بالمحافظة، سواء في الانتهاكات التي وقعت على المدنيين، أو في الأضرار المادية المتمثلة في تخريب المؤسسات وتعطيل الحياة العامة، أو المعنوية المتمثلة في بث الخوف والتشرذم بين أبناء السويداء من مختلف تشكيلاتها الاجتماعية، وهنا يبرز دور برنامج طموح لرد الاعتبار والتعويض وإعادة الإعمار، بما يشمل تأهيل المرافق الحيوية، وتعويض المتضررين من الاعتداءات، وإطلاق مبادرات مصالحة وطنية تعيد التماسك الاجتماعي وتؤكد أن السويداء كانت وستبقى نموذجاً للتعايش، لا للتقاتل.

وإضافة إلى كل ما سبق، فإنه لا يمكن فصل الأزمة في السويداء عن السياسات العدائية الإسرائيلية التي تسعى إلى إبقاء سوريا ضعيفة، وتمزيق نسيجها الاجتماعي، ومن ذلك العمل على كشف شبكات التمويل والتسليح الخارجية والإعلان عنها، وتجريم أي تنسيق مع الكيان الصهيوني تحت أي ذريعة، كما ينبغي للدولة استثمار رفض نخب وقادة دروز سوريا وخاصة في الجولان لهذه المشاريع، وتقديم نفسها كضامن وحيد لحماية السوريين جميعاً ومنهم الأقليات، ما يجفف منابع الدعم الذي يغذي سردية الميليشيات.

ولا يمكن تصور الاستقرار الأمني من دون معيشة كريمة، فالدولة مطالبة بخطة معلن عنها، واقعية ومنظمة، لمشاريع تنموية طموحة في السويداء، تشمل دعم الزراعة، وتحسين البنى التحتية، وتوفير فرص العمل، وإعادة تأهيل قطاع السياحة، كرسالة تطمينات بأن مستقبل أبناء الجبل مضمون في ظل الوطن الموحد، لا في أوهام الانفصال التي لا تقدم سوى الفقر والعزلة والتبعية.

إن السويداء التي وقف أبناؤها ضد الاستعمار والتجزئة منذ تأسست سوريا، تقف اليوم أمام مفترق طرق، إما الانزلاق وراء سراب مشاريع الوهم والتدخلات الخارجية، أو العودة إلى جذورها الوطنية السورية الراسخة التي صاغها تاريخ نضالي لا يُمحى، وما حادثة هنيدي إلا مؤشر خطر جديد على صعوبة الاستحقاق، رغم أنها مشهد إضافي في واقع يكشف القناع عن وجه الميليشيات التي ظنت أن السلاح يشتري الولاء، وأن التهديد يمحو الذاكرة، والدولة السورية بحزمها وحكمتها، قادرة على احتواء هذه الحالة الشاذة، وإعادة الجبل إلى حاضنته الوطنية الطبيعية، حيث لا مكان لأوهام الانفصال التي ستتآكل كلما تقدمت سوريا في طريق استعادة حضورها ووحدتها وسيادة القانون فيها، وضمان حريات وحقوق جميع أبنائها.

المصدر تلفزيون سوريا

اترك رد

عاجل