
بعد ثلاثة عشر عاماً على ليلة 21 آب/أغسطس 2013، لم يعد كيماوي الغوطة مجرد ملف يُستعاد في ذكرى سنوية. ففي سوريا اليوم، تعيش ملفات جرائم عهد النظام السابق حالة غير مسبوقة من الحراك؛ محاكمات وأحكام واعتقالات، ومطالبات شعبية لا تقف عند منفذي الجرائم المباشرين، بل تمتد إلى المحرضين والمبررين وكل من شارك، بدرجات مختلفة، في آلة القمع والدعاية. لكن خارج الحدود السورية تبدو الصورة مختلفة: تحقيقات عمرها سنوات، ومذكرات توقيف دولية، وآلاف الصفحات من الأدلة، بينما لم يقف حتى الآن كبار المتهمين في ملف كيماوي الغوطة أمام محكمة تصدر حكماً نهائياً بحقهم.
من الذكرى إلى المعتقلات
داخل سوريا، تغير المشهد بصورة كبيرة بعد سقوط النظام السابق. وفي ملف الأسلحة الكيميائية تحديداً، أعلنت السلطات توقيف اللواء عدنان عبود حلوة للاشتباه بمسؤوليته عن هجوم السارين على الغوطة، فيما كشف مندوب سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية محمد كتوب في أيار/مايو الماضي أن السلطات تحتجز 18 شخصاً يُشتبه بضلوعهم في البرنامج الكيميائي، بينهم مسؤولون عسكريون وسياسيون وتقنيون رفيعو المستوى، مع إبقاء أسمائهم غير معلنة بسبب استمرار التحقيقات.
وبالتوازي، عثرت فرق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية هذا العام على عشرات الذخائر الكيميائية التي لم يسبق الإعلان عنها، ومواد ومعدات وآلاف الصفحات من الوثائق المرتبطة بالبرنامج الكيميائي. وكان بين المكتشفات صواريخ من النوع نفسه الذي استخدم في هجوم الغوطة عام 2013، في تأكيد جديد على أن إعلان النظام السابق عن ترسانته الكيميائية لم يكشف الحجم الحقيقي للبرنامج.
ولا يجري ذلك بمعزل عن تحرك قضائي أوسع داخل البلاد. ففي آب/أغسطس الجاري صدرت أول أحكام سورية في قضايا تتعلق بجرائم عهد الأسد، وطالت شخصيات بارزة، بينما تستمر محاكمات أخرى. وترى «هيومن رايتس ووتش» أن هذه المحاكمات تمثل فرصة مهمة لتحقيق العدالة التي انتظرها السوريون لسنوات، رغم ما تثيره من أسئلة حول ضمانات المحاكمة العادلة والإطار القانوني الذي ستجري ضمنه بقية الملفات.
لكن ماذا حدث خارج سوريا؟
المفارقة تبدأ عند الحدود. ففي فرنسا فُتح تحقيق قضائي رسمي عام 2021 حول الهجمات الكيميائية التي استهدفت الغوطة ودوما عام 2013، اعتماداً على شهادات ناجين وشهود ووثائق وتقارير استخباراتية وصور ومقاطع مصورة وأدلة مفتوحة المصدر. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2023 أصدر قضاة فرنسيون مذكرات توقيف بحق بشار الأسد وماهر الأسد والعميد غسان عباس والعميد بسام الحسن، للاشتباه بمسؤوليتهم عن التخطيط للهجمات وتنفيذها.
دخلت مذكرة بشار الأسد لاحقاً في معركة قانونية حول حصانة رئيس الدولة. وفي 25 تموز/يوليو 2025 أبطلت محكمة النقض الفرنسية المذكرة لأنها كانت قد صدرت أثناء وجوده في منصبه، لكنها أكدت أن زوال صفته كرئيس يتيح إصدار مذكرة جديدة بحقه. وبعد أربعة أيام فقط، في 29 تموز، أصدر القضاء الفرنسي مذكرة توقيف جديدة مرتبطة بالهجمات الكيميائية في الغوطة ودوما. أما مذكرات ماهر الأسد وغسان عباس وبسام الحسن فلم تكن موضع الطعن نفسه.
ورغم القيمة القانونية والسياسية لهذه التطورات، بقيت النتيجة التي تهم الضحايا ناقصة: لم يمثل أصحاب المستويات العليا المشمولون بهذه المذكرات أمام القضاء الفرنسي في ملف كيماوي الغوطة حتى الآن.
وفرنسا ليست المسار الوحيد. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2020 قُدمت شكوى جنائية أمام الادعاء الاتحادي الألماني بشأن هجومي الغوطة وخان شيخون، وتبعتها في نيسان/أبريل 2021 شكوى في السويد. اعتمدت هذه الملفات على شهادات ناجين ومواد توثيقية جُمعت خلال سنوات، لكن لم تُعلن حتى الآن محاكمات نهائية في ألمانيا أو السويد تخص المسؤولين عن هجوم الغوطة نفسه.
90 شاهداً.. وأكثر من 20 ناجياً أمام القضاء الفرنسي
القول إن ضحايا الكيماوي أصبحوا «منسيين» لا تعكس الصورة كاملة. فالملف الفرنسي بُني بمشاركة الضحايا أنفسهم؛ إذ أجرى العاملون على القضية مقابلات مع أكثر من 90 شاهداً، بينهم أشخاص كانوا داخل مؤسسات النظام السابق، ويمثل الفريق القانوني أكثر من عشرين ناجياً من الهجمات الكيميائية يرغبون في تقديم أدلتهم للسلطات القضائية الفرنسية.
وفي الذكرى الثالثة عشرة للمجزرة، قالت رابطة الناجين من الأسلحة الكيميائية إن لديها توثيقاً لأسماء 1466 شخصاً قضوا بغاز السارين في الغوطة، إضافة إلى نحو عشرة آلاف مصاب جرى إنقاذهم، وإن هذه المعلومات سُلّمت إلى لجنة التحقيق الدولية بعد أيام من الهجوم.
كما أصدرت سوريا وفرنسا في 21 آب الجاري بياناً مشتركاً جددتا فيه الالتزام بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات الكيميائية، وأعلنت دمشق تقدمها بطلب للانضمام إلى «الشراكة الدولية لمكافحة الإفلات من العقاب عن استخدام الأسلحة الكيميائية».
إذاً، الضحايا لم يختفوا من الملفات، لكن وجود أسمائهم داخل ملفات التحقيق شيء، ورؤية المتهمين في قفص المحكمة شيء آخر تماماً.
وماذا عن الإعلاميين والمحرّضين والشامتين؟
هذه واحدة من أكثر النقاط حساسية اليوم. فمع اتساع موجة المطالبة بالمحاسبة داخل سوريا، لم تعد الأسئلة الشعبية محصورة بالضباط الذين أصدروا الأوامر أو نفذوا العمليات؛ بل طالت كذلك شخصيات إعلامية وسياسية وأمنية اتهمها سوريون بالتحريض أو بتبرير الجرائم أو السخرية من الضحايا والتشكيك بهم.
لكن القانون خارج سوريا لا يعاقب الشخص لمجرد أن موقفه كان صادماً أو لا أخلاقياً. فالشماتة أو الدفاع السياسي عن النظام، مهما أثارا من غضب، لا يتحولان تلقائياً إلى جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية. وللوصول إلى مسؤولية جنائية يجب إثبات أن الخطاب شكّل، وفق القانون المطبق، تحريضاً مجرّماً أو مساهمة أو مساعدة فعلية في ارتكاب الجرائم.
ولهذا لا تظهر، وفق الملفات القضائية العلنية التي راجعتها «حرية برس»، قضية أوروبية بارزة حتى الآن مخصصة لمحاكمة إعلاميين لمجرد شماتتهم بضحايا كيماوي الغوطة أو تبرير الهجوم. وقد تكون هذه الفجوة واحدة من أسباب الإحساس لدى كثير من السوريين بأن دائرة العدالة في الخارج أضيق بكثير من دائرة المسؤولية الأخلاقية التي يرونها.
أدلة تتزايد.. والمتهمون بعيدون
المفارقة الأكثر قسوة أن الأدلة اليوم ليست أقل مما كانت عليه قبل سنوات، بل أصبحت أكثر. سقوط النظام السابق أتاح لمفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية دخول مواقع لم تكن متاحة سابقاً، والحصول على وثائق وذخائر ومواد جديدة. وقالت المنظمة إن ما عثرت عليه يؤكد تقييمها المتكرر منذ عام 2014 بأن النظام السابق حجب معلومات وحاول تضليل المنظمة حول الحجم الحقيقي لبرنامجه الكيميائي.
ومع ذلك، يبقى عدد من أبرز المطلوبين خارج متناول القضاء، ويتقدمهم بشار الأسد الموجود في روسيا، بينما لم تتحول مذكرات التوقيف في ملف الغوطة إلى محاكمات فعلية بحق القيادات المستهدفة بها.
وهنا تحديداً تظهر المسافة بين التوثيق والعدالة. خلال ثلاثة عشر عاماً عُرفت أسماء الضحايا، وجُمعت شهادات الناجين، وحُللت الصور ومقاطع الفيديو، وكُشفت أجزاء من سلسلة القيادة والبرنامج الكيميائي، وصدرت مذكرات توقيف، ثم جاءت اكتشافات جديدة من داخل المنشآت السورية نفسها. لكن كل ذلك لم يمنح عائلات الضحايا حتى الآن نهاية قضائية مكتملة.
خيبة أمل أم عدالة تأخرت؟
ربما يكون وصف ما حدث بأنه «نسيان» ظالماً للضحايا وللسوريين والمنظمات الذين أمضوا سنوات في جمع الأدلة وملاحقة الملف من دولة إلى أخرى. لكن اعتبار ما تحقق «عدالة مكتملة» سيكون بعيداً بالقدر نفسه عن الواقع.
الضحايا ليسوا منسيين؛ العدالة هي التي تأخرت.
والفرق بين الجملتين كبير. فالملف لا يزال مفتوحاً في فرنسا، وتوجد شكاوى ومسارات قضائية في دول أوروبية أخرى، وتواصل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية كشف ما أخفاه النظام السابق، وفي الداخل السوري بدأت الاعتقالات والتحقيقات والمحاكمات.
لكن بعد ثلاثة عشر عاماً، يبقى السؤال الذي يهم أهالي الغوطة أبسط من كل البيانات واللجان: متى يرون الأشخاص الذين خططوا وأمروا ونفذوا أمام محكمة، لا في مذكرة توقيف أو تقرير دولي فقط؟
حتى ذلك الحين، سيبقى كيماوي الغوطة مثالاً مؤلماً على مفارقة العدالة السورية: جريمة موثقة إلى حد يصعب إنكارها، وضحايا حاضرون في الذاكرة والملفات، لكن المسافة بين معرفة المسؤول وبين محاسبته ما تزال أطول مما احتمله أهل الضحايا طوال ثلاثة عشر عاماً.








