13 عاماً على مجزرة كيماوي الغوطة.. حقوق الضحايا تنتظر محاسبة الجناة

فريق التحرير21 أغسطس 2026آخر تحديث :
لقطة مقربة تظهر صاروخًا فارغًا أطلقته قوات الأسد على مدينة دوما في منطقة الغوطة الشرقية على مشارف العاصمة دمشق في 22 يناير 2018 – AFP

تمر اليوم، الذكرى الـ13 للمجزرة التي ارتكبها النظام البائد بقصفه الغوطة الشرقية في ‏دمشق بغاز السارين المحرّم دولياّ، والتي راح ضحيتها أكثر من 1400 شهيد بينهم ‌‏200 طفل وامرأة، وآلاف المصابين، في واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها النظام ‏البائد بحق الشعب السوري.‏

ومنذ تحرير سوريا في 8 كانون الأول 2024، لم تعد هذه الذكرى مناسبة للحزن ‏وحده، بل محطة في مسار مفتوح لمحاسبة المتورطين وإنصاف الضحايا والتخلص ‏نهائياً من الإرث ‏الكيميائي للنظام البائد.‏

حين تحول الهواء إلى سم قاتل
عند الساعة الثانية من فجر الـ21 آب 2013 قصف طيران النظام البائد بصواريخ ‏محملة بغاز السارين المحرم دولياً بلدات زملكا وعين ترما وحمورية وسقبا ودوما ‏والمليحة وكفر بطنا وجسرين في الغوطة الشرقية، إضافة إلى بلدة المعضمية في ‏الغوطة الغربية. ‏

لم يكن اختيار التوقيت عشوائياً فانخفاض درجة الحرارة بين الساعة الثانية والخامسة ‏فجراً يدفع الهواء إلى التحرك نحو الأسفل باتجاه الأرض، ما يرفع من درجة فتك ‏الغاز السام، ويضمن وقوع أكبر عدد ممكن من الضحايا الذين تم استهدافهم وهم نيام ‏في بيوتهم.‏

انتشر غاز السارين سريعاً بين البيوت المتلاصقة، فمحا عائلات بأكملها من الوجود، ‏فيما عجزت المشافي الميدانية، المنهكة أصلاً بفعل الحصار الخانق المضروب على ‏المنطقة منذ تشرين الأول 2012، عن استيعاب الأعداد الهائلة من المصابين لغياب ‏أبسط المعدات والأدوية. ‏

وأظهرت التقارير الطبية إصابات باضطرابات حادة في التنفس، وتوسع حدقة العين، ‏وتشنجات عضلية عنيفة، إلى جانب ظهور زبد على أفواه الضحايا، في مشهد وصفه ‏ناجون لاحقاً بأنه أقرب إلى نهاية العالم منه إلى ليلة قصف اعتيادية.‏

ولم يكتفِ النظام البائد بإطلاق الغاز القاتل، بل استهدف المشافي والنقاط الطبية ‏نفسها خلال محاولات إنقاذ المصابين، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الإنسانية ‏والقوانين الدولية. ‏

وللتغطية على جريمته التي لقيت رفضاً دولياً واسعاً عمد النظام إلى احتجاز عدد من ‏ذوي الضحايا وأجبرهم على الإدلاء بشهادات كاذبة أمام لجان التحقيق الأممية، في ‏مسعى يائس لطمس الحقيقة كان مصيره الفشل أمام حجم الأدلة العلمية التي كشفتها ‏التحقيقات لاحقاً.‏

تحقيق أممي: 85 بالمئة من عينات الدم إيجابية للسارين
كانت بعثة تفتيش تابعة للأمم المتحدة برئاسة الخبير السويدي آكي سيلستروم ‏موجودة حينها في سوريا للتحقيق في ادعاءات سابقة حول استخدام الأسلحة ‏الكيميائية، بعد موافقة النظام البائد في 14 آب 2013 على ترتيبات عملها، وبمجرد ‏وصول أنباء مجزرة الغوطة، طالب الأمين العام آنذاك بان كي مون بتحقيق عاجل، ‏وأوفد نائبته لشؤون نزع السلاح أنجيلا كين إلى دمشق للتفاوض على وصول ‏المفتشين.‏
‏ ‏
غير أن النظام البائد ماطل في الرد أسبوعاً كاملاً، فلم يُسمح للبعثة بزيارة المعضمية ‏إلا في 26 آب، ثم عين ترما وزملكا في 28 و29 آب، في محاولة محسوبة لطمس ‏معالم الجريمة قبل وصول الخبراء.‏

ورغم ذلك، تمكنت البعثة من إجراء مقابلات مع أكثر من 50 ناجياً وعاملاً طبياً ‏ومسعفاً، وجمع عينات دم وبول وشعر من 34 مريضاً ظهرت عليهم علامات التسمم، ‏إلى جانب فحص الذخائر وأجزاء الصواريخ وأخذ عينات بيئية من التربة، وسط ‏ظروف أمنية بالغة الخطورة تعرضت خلالها لإطلاق نار من قناصة جيش النظام. ‏

وجاءت نتائج تقرير اللجنة حاسمة وأكدت أن 85 بالمئة من عينات الدم المفحوصة ‏كانت إيجابية لغاز السارين، وكذلك العينات البيئية والذخائر المفحوصة، فيما شملت ‏الأعراض الموثقة فقدان الوعي وضيق التنفس وتشوش الرؤية والتشنجات وتضيّق ‏حدقة العين.‏

وفي 16 أيلول 2013، عرض بان كي مون التقرير أمام مجلس الأمن مؤكداً أن ‏الأسلحة الكيميائية استُخدمت في سوريا “بما في ذلك ضد المدنيين والأطفال على ‏نطاق واسع نسبياً”، وأن النتائج قاطعة ولا تقبل الجدل، واصفاً الجريمة بأنها انتهاك ‏خطير للقانون الدولي يستوجب تقديم المسؤولين عنها للعدالة في أقرب وقت ممكن، ‏حيث اقتصرت ولاية البعثة الفنية حينها على إثبات استخدام السلاح الكيميائي دون ‏تحديد الجهة المطلقة للصواريخ صراحة.‏

كما خلصت منظمة هيومن رايتس ووتش في تحقيقات حول المجزرة إلى أدلة واضحة ‏تربط قوات النظام البائد مباشرة بالجريمة، حيث فندت رواية النظام البديلة القائلة ‏بانفجار عرضي، موضحة استحالة تطابقها مع حجم الدمار وتوزع الضحايا في ‏موقعين تفصل بينهما 16 كيلومتراً.‏

حصيلة دامية.. أكثر من 1400 شهيد أغلبهم نساء وأطفال
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بالأسماء مقتل 1144 شخصاً اختناقاً، بينهم ‌‏194 امرأة و99 طفلاً، إضافة إلى إصابة نحو 5935 شخصاً بأعراض تنفسية ‏واختناقات، معتبرة أن استهداف ثلث الضحايا من النساء والأطفال دليل على نية ‏مبيّتة لدى النظام البائد لإلحاق أكبر ضرر ممكن بالمدنيين الأكثر ضعفاً. ‏

كما قدر تقرير للحكومة الأمريكية صدر بعد المجزرة بتسعة أيام عدد القتلى بـ1429 ‏شخصاً بينهم 426 طفلاً، لتكون هذه المجزرة الأضخم من نوعها في تاريخ سوريا ‏الحديث.‏

من إدانة دولية إلى إفلات من العقاب
دفعت فداحة الجريمة النظام البائد إلى الانضمام قسراً إلى اتفاقية حظر الأسلحة ‏الكيميائية في 14 أيلول 2013، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 14 تشرين الأول ‏من العام ذاته، لتصبح سوريا الدولة رقم 190 طرفاً فيها. ‏

وفي 27 أيلول 2013، تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار رقم 2118 الذي ‏أقر إطار إزالة الترسانة الكيميائية السورية بالكامل تحت إشراف منظمة حظر ‏الأسلحة الكيميائية، فأُزيلت ودُمرت خارج الأراضي السورية جميع الأسلحة التي أعلن ‏عنها بين تشرين الأول 2013 وأيلول 2014.‏

غير أن هذا الإطار الدولي لم يمنع النظام البائد من الاستمرار في جرائمه، إذ ‏تكررت الهجمات الكيميائية في مناطق عدة، ما كشف أن الإعلان الذي قدمه النظام ‏عن مخزونه لم يكن كاملاً ولا دقيقاً.‏

في 21 نيسان 2021، قررت الدول الأطراف في المنظمة تعليق بعض حقوق ‏عضوية سوريا، بعد أن أثبتت استخدام النظام البائد الأسلحة الكيميائية في هجمات ‏وقعت في بلدة اللطامنة بمحافظة حماة في آذار 2017، وفي مدينة سراقب بمحافظة ‏إدلب في شباط 2018.‏

‏ ‏8 كانون الأول 2024.. الباب الذي أعاد فتح الملف
رغم كل الإدانات الدولية والتوثيق الحقوقي لمجزرة الغوطة، إلا أنها ظلّت جريمة بلا ‏محاسبة حقيقية طوال حقبة النظام البائد.‏

ومع تحرير سوريا في 8 كانون الأول 2024 انقلبت معادلة الإفلات من العقاب رأساً ‏على عقب، فبعد يوم واحد فقط من سقوط النظام البائد، أعلنت منظمة حظر الأسلحة ‏الكيميائية تواصلها الفوري مع القيادة السورية الجديدة، مؤكدة أنها أمضت أحد عشر ‏عاماً كاملة في محاولة سد فجوات إعلان النظام البائد دون جدوى، وأن التحول ‏السياسي في دمشق يتيح أخيراً فرصة تاريخية للحصول على الحقيقة الكاملة حول ‏البرنامج الكيميائي.‏

وترجم هذا الانفتاح إلى خطوات عملية متسارعة تُوجت في 9 تموز 2026 باستعادة ‏سوريا كامل حقوقها وامتيازاتها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.‏

كما أعلنت بعثة سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في 26 أيار الماضي، ‏العثور على 25 قنبلة أرض-أرض مشابهة للذخائر التي استخدمت في الهجوم ‏الكيميائي على الغوطة الشرقية عام 2013، إلى جانب مواد تدخل في تصنيع ‏السارين ومعدات مرتبطة بالمزج والتخزين، إضافة إلى اعتقال 18 شخصاً بينهم ‏ضباط رفيعو المستوى وخبراء ذوو صلة بالبرنامج الكيماوي السابق من مركز البحوث ‏العلمية. ‏

اعتقال عدنان عبود حلوة.. حين تسقط قاعدة “لا عقاب”‏
لم يقتصر مسار المحاسبة على الجانب الدولي، بل امتد إلى الملاحقة الأمنية ‏المباشرة لمرتكبي الجريمة على الأرض، ففي 29 نيسان 2026، أعلن وزير الداخلية ‏أنس خطاب، إلقاء القبض على اللواء عدنان عبود حلوة، الذي وصفه بأنه أحد أبرز ‏الضباط المسؤولين عن مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية.‏

وفي أيار من العام نفسه قُبض على العميد خردل أحمد ديوب، الذي ثبت ضلوعه ‏في ‏الهجمات الكيميائية أثناء خدمته في فرع المنطقة بدمشق ‏ووجوده في منطقة ‏حرستا، ‏حيث أسهم في التنسيق ‏اللوجستي لقصف الغوطة الشرقية بالسلاح الكيميائي ‏المحرم ‏دولياً.‏

وفي تموز قبض على العقيد أحمد حبيب علي، المختص بالأسلحة الكيميائية ‏والمسؤول عن مستودعات ‏غاز السارين والتصنيع الكيميائي خلال عهد النظام البائد.‏

العدالة الانتقالية.. مسار مؤسسي لجبر ضرر الضحايا
وتجسدت إرادة الدولة السورية في بناء عدالة شاملة عبر إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة ‏الانتقالية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20 في 17 أيار 2025، التي تواصل العمل ‏عبر مسارات متكاملة تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والمصالحة ‏الوطنية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وحفظ الذاكرة الوطنية، تحقيقاً للعدالة ‏وإنصافاً للضحايا.‏

كما توسع التعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (‏IIIM‏) التابعة للأمم المتحدة ‏، حيث نفذت في 20 شباط الماضي أول عملية ميدانية لها لجمع الأدلة داخل سوريا ‏بالتنسيق المباشر مع الحكومة، ثم عقدت في 10 أيار 2026 اجتماعاً مع الهيئة ‏الوطنية للعدالة الانتقالية حول آليات إدارة المعلومات وجمع الأدلة وحفظها بصورة ‏آمنة، بما يمهد الطريق أمام ربط الأشخاص بالمواقع والأوامر والأرشيفات في أي ‏مسار قضائي مستقبلي.‏

“لن نسمح بالإنكار والنسيان”.. 2025 إحياء الذكرى لأول مرة ‏
شكل 21 آب 2025 محطة استثنائية في وجدان السوريين، إذ كانت المرة الأولى ‏التي يُحيون فيها ذكرى المجزرة بعد سقوط النظام البائد، وعند الساعة الثانية فجراً، ‏توقيت بدء الهجوم قبل اثني عشر عاماً بالتمام، تجمع عشرات السوريين في شوارع ‏الغوطة، وصدحت المساجد بالتكبيرات لأول مرة في هذه الذكرى، ووقف الأهالي ‏دقيقة صمت في أماكن تنفيذ الهجوم، فيما شهد نصب الجندي المجهول بدمشق وقفة ‏لنشطاء وأبناء الغوطتين وفاءً لأرواح الضحايا.‏

وامتدت الفعاليات، بالتعاون بين الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ورابطة ضحايا ‏الأسلحة الكيميائية، إلى دوما وزملكا، لتؤكد أن حفظ الذاكرة الوطنية بات مساراً ‏مؤسسياً راسخاً، تعزز لاحقاً في تموز 2026 بجلسة توثيق موسعة لشهادات ناجين ‏في بلدة عربين ضمن دراسة حملت عنوان “الجريمة المستمرة”، رصدت الآثار ‏الصحية والنفسية المستمرة على الناجين حتى اليوم.‏

الرئيس الشرع: محاسبة المتورطين حق لا يسقط بالتقادم
في 23 آب 2025، استقبل الرئيس أحمد الشرع عدداً من الناجين من مجازر ‏الكيماوي التي ارتكبها النظام البائد بريف دمشق، مؤكداً أن هذه الجرائم ستبقى شاهداً ‏على معاناة السوريين وإصرارهم على نيل الحرية والكرامة، وشدد على أن “محاسبة ‏المتورطين حق لا يسقط بالتقادم”. ‏

ويؤكد الرئيس الشرع باستمرار أن العدالة والمساءلة عن الجرائم الكبرى التي ارتكبها ‏النظام البائد بحق السوريين، وعلى رأسها مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية، حق ‏لا يسقط مهما طال الزمن.‏

واليوم بعد 13 عاماً على الجريمة، بات ملف مجزرة الغوطة جزءاً من مسارات ‏الملاحقة والتحقيق والعدالة الانتقالية في سوريا، بالتوازي مع التعاون مع الآليات ‏الدولية المختصة وحفظ ذاكرة الضحايا، لطي صفحة برنامج الكيميائي للنظام البائد ‏نهائياً وضمان عدم تكرار الجريمة.‏

المصدر سانا

اترك رد

عاجل