
تمر اليوم، الذكرى الـ13 للمجزرة التي ارتكبها النظام البائد بقصفه الغوطة الشرقية في دمشق بغاز السارين المحرّم دولياّ، والتي راح ضحيتها أكثر من 1400 شهيد بينهم 200 طفل وامرأة، وآلاف المصابين، في واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق الشعب السوري.
ومنذ تحرير سوريا في 8 كانون الأول 2024، لم تعد هذه الذكرى مناسبة للحزن وحده، بل محطة في مسار مفتوح لمحاسبة المتورطين وإنصاف الضحايا والتخلص نهائياً من الإرث الكيميائي للنظام البائد.
حين تحول الهواء إلى سم قاتل
عند الساعة الثانية من فجر الـ21 آب 2013 قصف طيران النظام البائد بصواريخ محملة بغاز السارين المحرم دولياً بلدات زملكا وعين ترما وحمورية وسقبا ودوما والمليحة وكفر بطنا وجسرين في الغوطة الشرقية، إضافة إلى بلدة المعضمية في الغوطة الغربية.
لم يكن اختيار التوقيت عشوائياً فانخفاض درجة الحرارة بين الساعة الثانية والخامسة فجراً يدفع الهواء إلى التحرك نحو الأسفل باتجاه الأرض، ما يرفع من درجة فتك الغاز السام، ويضمن وقوع أكبر عدد ممكن من الضحايا الذين تم استهدافهم وهم نيام في بيوتهم.
انتشر غاز السارين سريعاً بين البيوت المتلاصقة، فمحا عائلات بأكملها من الوجود، فيما عجزت المشافي الميدانية، المنهكة أصلاً بفعل الحصار الخانق المضروب على المنطقة منذ تشرين الأول 2012، عن استيعاب الأعداد الهائلة من المصابين لغياب أبسط المعدات والأدوية.
وأظهرت التقارير الطبية إصابات باضطرابات حادة في التنفس، وتوسع حدقة العين، وتشنجات عضلية عنيفة، إلى جانب ظهور زبد على أفواه الضحايا، في مشهد وصفه ناجون لاحقاً بأنه أقرب إلى نهاية العالم منه إلى ليلة قصف اعتيادية.
ولم يكتفِ النظام البائد بإطلاق الغاز القاتل، بل استهدف المشافي والنقاط الطبية نفسها خلال محاولات إنقاذ المصابين، في انتهاك صارخ لكل الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية.
وللتغطية على جريمته التي لقيت رفضاً دولياً واسعاً عمد النظام إلى احتجاز عدد من ذوي الضحايا وأجبرهم على الإدلاء بشهادات كاذبة أمام لجان التحقيق الأممية، في مسعى يائس لطمس الحقيقة كان مصيره الفشل أمام حجم الأدلة العلمية التي كشفتها التحقيقات لاحقاً.
تحقيق أممي: 85 بالمئة من عينات الدم إيجابية للسارين
كانت بعثة تفتيش تابعة للأمم المتحدة برئاسة الخبير السويدي آكي سيلستروم موجودة حينها في سوريا للتحقيق في ادعاءات سابقة حول استخدام الأسلحة الكيميائية، بعد موافقة النظام البائد في 14 آب 2013 على ترتيبات عملها، وبمجرد وصول أنباء مجزرة الغوطة، طالب الأمين العام آنذاك بان كي مون بتحقيق عاجل، وأوفد نائبته لشؤون نزع السلاح أنجيلا كين إلى دمشق للتفاوض على وصول المفتشين.
غير أن النظام البائد ماطل في الرد أسبوعاً كاملاً، فلم يُسمح للبعثة بزيارة المعضمية إلا في 26 آب، ثم عين ترما وزملكا في 28 و29 آب، في محاولة محسوبة لطمس معالم الجريمة قبل وصول الخبراء.
ورغم ذلك، تمكنت البعثة من إجراء مقابلات مع أكثر من 50 ناجياً وعاملاً طبياً ومسعفاً، وجمع عينات دم وبول وشعر من 34 مريضاً ظهرت عليهم علامات التسمم، إلى جانب فحص الذخائر وأجزاء الصواريخ وأخذ عينات بيئية من التربة، وسط ظروف أمنية بالغة الخطورة تعرضت خلالها لإطلاق نار من قناصة جيش النظام.
وجاءت نتائج تقرير اللجنة حاسمة وأكدت أن 85 بالمئة من عينات الدم المفحوصة كانت إيجابية لغاز السارين، وكذلك العينات البيئية والذخائر المفحوصة، فيما شملت الأعراض الموثقة فقدان الوعي وضيق التنفس وتشوش الرؤية والتشنجات وتضيّق حدقة العين.
وفي 16 أيلول 2013، عرض بان كي مون التقرير أمام مجلس الأمن مؤكداً أن الأسلحة الكيميائية استُخدمت في سوريا “بما في ذلك ضد المدنيين والأطفال على نطاق واسع نسبياً”، وأن النتائج قاطعة ولا تقبل الجدل، واصفاً الجريمة بأنها انتهاك خطير للقانون الدولي يستوجب تقديم المسؤولين عنها للعدالة في أقرب وقت ممكن، حيث اقتصرت ولاية البعثة الفنية حينها على إثبات استخدام السلاح الكيميائي دون تحديد الجهة المطلقة للصواريخ صراحة.
كما خلصت منظمة هيومن رايتس ووتش في تحقيقات حول المجزرة إلى أدلة واضحة تربط قوات النظام البائد مباشرة بالجريمة، حيث فندت رواية النظام البديلة القائلة بانفجار عرضي، موضحة استحالة تطابقها مع حجم الدمار وتوزع الضحايا في موقعين تفصل بينهما 16 كيلومتراً.
حصيلة دامية.. أكثر من 1400 شهيد أغلبهم نساء وأطفال
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بالأسماء مقتل 1144 شخصاً اختناقاً، بينهم 194 امرأة و99 طفلاً، إضافة إلى إصابة نحو 5935 شخصاً بأعراض تنفسية واختناقات، معتبرة أن استهداف ثلث الضحايا من النساء والأطفال دليل على نية مبيّتة لدى النظام البائد لإلحاق أكبر ضرر ممكن بالمدنيين الأكثر ضعفاً.
كما قدر تقرير للحكومة الأمريكية صدر بعد المجزرة بتسعة أيام عدد القتلى بـ1429 شخصاً بينهم 426 طفلاً، لتكون هذه المجزرة الأضخم من نوعها في تاريخ سوريا الحديث.
من إدانة دولية إلى إفلات من العقاب
دفعت فداحة الجريمة النظام البائد إلى الانضمام قسراً إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في 14 أيلول 2013، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 14 تشرين الأول من العام ذاته، لتصبح سوريا الدولة رقم 190 طرفاً فيها.
وفي 27 أيلول 2013، تبنى مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار رقم 2118 الذي أقر إطار إزالة الترسانة الكيميائية السورية بالكامل تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فأُزيلت ودُمرت خارج الأراضي السورية جميع الأسلحة التي أعلن عنها بين تشرين الأول 2013 وأيلول 2014.
غير أن هذا الإطار الدولي لم يمنع النظام البائد من الاستمرار في جرائمه، إذ تكررت الهجمات الكيميائية في مناطق عدة، ما كشف أن الإعلان الذي قدمه النظام عن مخزونه لم يكن كاملاً ولا دقيقاً.
في 21 نيسان 2021، قررت الدول الأطراف في المنظمة تعليق بعض حقوق عضوية سوريا، بعد أن أثبتت استخدام النظام البائد الأسلحة الكيميائية في هجمات وقعت في بلدة اللطامنة بمحافظة حماة في آذار 2017، وفي مدينة سراقب بمحافظة إدلب في شباط 2018.
8 كانون الأول 2024.. الباب الذي أعاد فتح الملف
رغم كل الإدانات الدولية والتوثيق الحقوقي لمجزرة الغوطة، إلا أنها ظلّت جريمة بلا محاسبة حقيقية طوال حقبة النظام البائد.
ومع تحرير سوريا في 8 كانون الأول 2024 انقلبت معادلة الإفلات من العقاب رأساً على عقب، فبعد يوم واحد فقط من سقوط النظام البائد، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تواصلها الفوري مع القيادة السورية الجديدة، مؤكدة أنها أمضت أحد عشر عاماً كاملة في محاولة سد فجوات إعلان النظام البائد دون جدوى، وأن التحول السياسي في دمشق يتيح أخيراً فرصة تاريخية للحصول على الحقيقة الكاملة حول البرنامج الكيميائي.
وترجم هذا الانفتاح إلى خطوات عملية متسارعة تُوجت في 9 تموز 2026 باستعادة سوريا كامل حقوقها وامتيازاتها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
كما أعلنت بعثة سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في 26 أيار الماضي، العثور على 25 قنبلة أرض-أرض مشابهة للذخائر التي استخدمت في الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية عام 2013، إلى جانب مواد تدخل في تصنيع السارين ومعدات مرتبطة بالمزج والتخزين، إضافة إلى اعتقال 18 شخصاً بينهم ضباط رفيعو المستوى وخبراء ذوو صلة بالبرنامج الكيماوي السابق من مركز البحوث العلمية.
اعتقال عدنان عبود حلوة.. حين تسقط قاعدة “لا عقاب”
لم يقتصر مسار المحاسبة على الجانب الدولي، بل امتد إلى الملاحقة الأمنية المباشرة لمرتكبي الجريمة على الأرض، ففي 29 نيسان 2026، أعلن وزير الداخلية أنس خطاب، إلقاء القبض على اللواء عدنان عبود حلوة، الذي وصفه بأنه أحد أبرز الضباط المسؤولين عن مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية.
وفي أيار من العام نفسه قُبض على العميد خردل أحمد ديوب، الذي ثبت ضلوعه في الهجمات الكيميائية أثناء خدمته في فرع المنطقة بدمشق ووجوده في منطقة حرستا، حيث أسهم في التنسيق اللوجستي لقصف الغوطة الشرقية بالسلاح الكيميائي المحرم دولياً.
وفي تموز قبض على العقيد أحمد حبيب علي، المختص بالأسلحة الكيميائية والمسؤول عن مستودعات غاز السارين والتصنيع الكيميائي خلال عهد النظام البائد.
العدالة الانتقالية.. مسار مؤسسي لجبر ضرر الضحايا
وتجسدت إرادة الدولة السورية في بناء عدالة شاملة عبر إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بموجب المرسوم الرئاسي رقم 20 في 17 أيار 2025، التي تواصل العمل عبر مسارات متكاملة تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والمصالحة الوطنية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وحفظ الذاكرة الوطنية، تحقيقاً للعدالة وإنصافاً للضحايا.
كما توسع التعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM) التابعة للأمم المتحدة ، حيث نفذت في 20 شباط الماضي أول عملية ميدانية لها لجمع الأدلة داخل سوريا بالتنسيق المباشر مع الحكومة، ثم عقدت في 10 أيار 2026 اجتماعاً مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية حول آليات إدارة المعلومات وجمع الأدلة وحفظها بصورة آمنة، بما يمهد الطريق أمام ربط الأشخاص بالمواقع والأوامر والأرشيفات في أي مسار قضائي مستقبلي.
“لن نسمح بالإنكار والنسيان”.. 2025 إحياء الذكرى لأول مرة
شكل 21 آب 2025 محطة استثنائية في وجدان السوريين، إذ كانت المرة الأولى التي يُحيون فيها ذكرى المجزرة بعد سقوط النظام البائد، وعند الساعة الثانية فجراً، توقيت بدء الهجوم قبل اثني عشر عاماً بالتمام، تجمع عشرات السوريين في شوارع الغوطة، وصدحت المساجد بالتكبيرات لأول مرة في هذه الذكرى، ووقف الأهالي دقيقة صمت في أماكن تنفيذ الهجوم، فيما شهد نصب الجندي المجهول بدمشق وقفة لنشطاء وأبناء الغوطتين وفاءً لأرواح الضحايا.
وامتدت الفعاليات، بالتعاون بين الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ورابطة ضحايا الأسلحة الكيميائية، إلى دوما وزملكا، لتؤكد أن حفظ الذاكرة الوطنية بات مساراً مؤسسياً راسخاً، تعزز لاحقاً في تموز 2026 بجلسة توثيق موسعة لشهادات ناجين في بلدة عربين ضمن دراسة حملت عنوان “الجريمة المستمرة”، رصدت الآثار الصحية والنفسية المستمرة على الناجين حتى اليوم.
الرئيس الشرع: محاسبة المتورطين حق لا يسقط بالتقادم
في 23 آب 2025، استقبل الرئيس أحمد الشرع عدداً من الناجين من مجازر الكيماوي التي ارتكبها النظام البائد بريف دمشق، مؤكداً أن هذه الجرائم ستبقى شاهداً على معاناة السوريين وإصرارهم على نيل الحرية والكرامة، وشدد على أن “محاسبة المتورطين حق لا يسقط بالتقادم”.
ويؤكد الرئيس الشرع باستمرار أن العدالة والمساءلة عن الجرائم الكبرى التي ارتكبها النظام البائد بحق السوريين، وعلى رأسها مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية، حق لا يسقط مهما طال الزمن.
واليوم بعد 13 عاماً على الجريمة، بات ملف مجزرة الغوطة جزءاً من مسارات الملاحقة والتحقيق والعدالة الانتقالية في سوريا، بالتوازي مع التعاون مع الآليات الدولية المختصة وحفظ ذاكرة الضحايا، لطي صفحة برنامج الكيميائي للنظام البائد نهائياً وضمان عدم تكرار الجريمة.








