
تنويه تحريري: نُشر هذا المقال أولاً باللغة الإنكليزية على مدونة «مبادرة قانون اللاجئين»، وتعيد «حرية برس» نشره مترجماً ومحرراً بموافقة الكاتب.

في 22 و23 حزيران/يونيو 2026، اجتمع أكاديميون وخبراء وممارسون في مجال قانون اللاجئين في العاصمة النرويجية أوسلو، لإحياء الذكرى الخامسة والسبعين لاتفاقية اللاجئين لعام 1951.
كنت قد دُعيت إلى جلسة الحوار الرئيسية لتقديم رؤيتي بشأن مكانة الاتفاقية ومدى أهميتها في عالم اليوم.
أمضيت 12 عاماً بصفتي لاجئاً، وخبرت خلال تلك السنوات واقع أنظمة اللجوء في بلدين مختلفين تماماً: لبنان، بوصفه دولة لم تنضم إلى اتفاقية اللاجئين، والنرويج، باعتبارها إحدى الدول الموقعة عليها.
أما مهنياً، فأتناول هذه القضية بصفتي ناشطاً وممارساً في مجال قانون اللاجئين، وحاصلاً على درجة الماجستير في القانون الدولي العام من جامعة أوسلو. وركزت في أطروحة الماجستير على كيفية استخدام الدول للمصطلحات القانونية الدولية أداةً لتوجيه سياساتها المتعلقة بالهجرة، متخذاً من لبنان دراسة حالة.
يحاول هذا المقال الجمع بين التجربة الشخصية والخبرة القانونية، من خلال تقديم قراءة مقارنة لكيفية استخدام اللغة القانونية في لبنان والنرويج، بما يساعد على فهم الطريقة التي تصوغ بها الدول سياساتها المتعلقة باللجوء واللاجئين لتحقيق أهدافها السياسية.
كما يسعى المقال إلى المساهمة في الإجابة عن السؤال الأساسي الذي طرحه المؤتمر: هل ما تزال اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ضرورية وذات صلة بعالم اليوم؟
خلفية المشهد
لفهم الكيفية التي تستخدم بها الدول اللغة القانونية كسلاح أو درع، لا بد أولاً من النظر إلى الأرقام والسياق التاريخي.
تُعد قضية النزوح واللجوء السوري واحدة من أكبر قضايا اللجوء والنزوح في العصر الحديث، إذ أدت الحرب في سوريا إلى نزوح ولجوء أكثر من 13 مليون شخص. ووصل عدد النازحين داخل البلاد إلى نحو سبعة ملايين، فيما غادر قرابة 6.5 ملايين شخص عبر الحدود، في موجة أصبحت تُعرف عالمياً بأزمة اللاجئين السوريين.
تاريخياً، تتحمل الدول المجاورة العبء الأكبر عند حدوث موجات نزوح جماعية. وفي الحالة السورية، توضح الأرقام ذلك بجلاء؛ ففي ذروة الأزمة استضافت تركيا نحو 3.5 ملايين لاجئ سوري، ولبنان قرابة 1.5 مليون، والأردن نحو 730 ألفاً، والعراق قرابة 340 ألفاً، بحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وفي المقابل، استضافت الدول الأوروبية مجتمعة نحو 1.5 مليون لاجئ سوري، كان نصيب ألمانيا منهم الأكبر بنحو 973 ألفاً، تلتها السويد بنحو 198 ألفاً، فيما استضافت النرويج نحو 40 ألفاً.
ولفهم طريقة تعامل الحكومة اللبنانية مع هذا التدفق الكبير، ينبغي النظر إلى المسألة من زاويتين أساسيتين: الواقع الاقتصادي والتاريخ الديموغرافي للبنان.
أولاً: وضع البقاء
يُعد لبنان من أكثر دول العالم استضافة للاجئين قياساً إلى عدد سكانه. وفي ذروة الأزمة، كان هناك لاجئ سوري واحد تقريباً مقابل كل أربعة مواطنين لبنانيين.
ولتوضيح حجم هذا العبء، يمكن تخيّل أن النرويج، التي يبلغ عدد سكانها نحو 5.5 ملايين نسمة، استضافت بصورة مفاجئة 1.5 مليون لاجئ، وهو رقم يقارب إجمالي عدد اللاجئين السوريين الذين استضافتهم الدول الأوروبية مجتمعة.
وقعت هذه الضغوط الديموغرافية على بلد كان يقف أصلاً على حافة انهيار اقتصادي شامل. فمنذ عام 2019، فقدت العملة اللبنانية الجزء الأكبر من قيمتها، وسط تضخم شديد وانهيار في النظام المصرفي حُرم بسببه كثير من المواطنين من الوصول إلى مدخراتهم.
كما تدهورت البنية التحتية الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه، وارتفعت معدلات الفقر بصورة كبيرة.
وفي ظل هذه الظروف القاسية، دخلت الحكومة اللبنانية منذ عام 2014 فيما أسميه «وضع النجاة أو البقاء»، وهو ما جعل الاستجابة لملف اللاجئين شديدة التسييس وغير ملائمة من الناحية البنيوية، في ظل محدودية الموارد والإمكانات.
ثانياً: التوازن الطائفي
ترتبط الزاوية الثانية بالتاريخ الديموغرافي اللبناني وتداعياته.
فلبنان بلد يتميز بالتنوع، لكنه هش في الوقت نفسه، وقد لعب الانقسام الطائفي دوراً مركزياً خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990.
ويضم لبنان 18 طائفة دينية معترفاً بها رسمياً، أبرزها المسيحيون الموارنة والمسلمون السنة والشيعة والدروز.
وتقوم البنية السياسية للدولة اللبنانية على نظام توافقي، أو ما يُعرف اصطلاحاً بـ«التوافقية السياسية» Consociationalism، وهي صيغة حكم دقيقة تعتمد على تقاسم السلطة بين المكونات والطوائف المختلفة.
لذلك، ينظر كثير من اللاعبين السياسيين اللبنانيين إلى أي خطوة باتجاه الدمج القانوني الدائم لغير اللبنانيين باعتبارها تهديداً محتملاً للتوازن الديموغرافي والسياسي في البلاد.
ويمثل ذلك، برأيي، أحد أبرز الأسباب التي دفعت لبنان إلى عدم الانضمام إلى اتفاقية اللاجئين لعام 1951.
ويصنف لبنان نفسه رسمياً على أنه «ليس بلد لجوء»، وإنما بلد عبور، رغم المفارقة التاريخية المتمثلة في مشاركة لبنان الفاعلة في المرحلة التي شهدت تأسيس الأنظمة الدولية الخاصة باللاجئين وحقوق الإنسان.
لبنان: تجنب صريح وغياب التسمية
لأن لبنان ليس طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، فهو لا يخضع للالتزامات نفسها التي تفرضها الاتفاقية على الدول الموقعة، ويتمتع بهامش واسع في اختيار المصطلحات القانونية المستخدمة رسمياً.
فعلى سبيل المثال، تتجنب الدولة استخدام كلمة «لاجئ» في كثير من النصوص والبيانات الإدارية الرسمية، وتستبدل بها تسميات مثل «نازح» أو «ضيف».
لكن إذا كان لبنان غير منضم إلى الاتفاقية، فلماذا يُعد تجنب كلمة «لاجئ» مهماً؟
عند توقيع مذكرة التفاهم بين لبنان والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 2003، كان الهدف تنظيم عمل المفوضية داخل البلاد، ووضع الجزء الأكبر من إدارة ملف اللجوء في عهدتها.
كما أكدت المذكرة مفهوم أن لبنان بلد عبور، وهو ما أثار انتقادات دولية آنذاك. ونصت أيضاً على أن المفوضية تتحمل مسؤولية العمل على إعادة توطين الأشخاص الذين تعترف بهم وتسجلهم كلاجئين في بلدان أخرى.
وبناءً على ذلك، فإن الشخص الذي يصل إلى لبنان ولا يتمكن من التسجيل لدى المفوضية لا يُعامل بوصفه «لاجئاً معترفاً به من المفوضية»، وإنما يجري التعامل معه ضمن تسميات أخرى، أبرزها «نازح».
ويأتي ذلك في سياق مطالبة الحكومة اللبنانية للمفوضية بتعليق تسجيل اللاجئين السوريين الجدد منذ أيار/مايو 2015.
ومن خلال تجنب استخدام التصنيف القانوني الدولي «لاجئ»، تستطيع الدولة الابتعاد عن مجموعة من الالتزامات والسياسات طويلة الأمد المرتبطة بالاندماج المحلي أو الإقامة الدائمة، في ظل محدودية موارد لبنان وحساسية تركيبته السياسية.
من «العودة الطوعية» إلى «العودة الآمنة والكريمة»
يظهر مثال آخر على أهمية اللغة القانونية في استخدام عبارة «العودة الآمنة والكريمة» بدلاً من «العودة الطوعية».
يكمن الفرق الأساسي بين العبارتين في تحديد الجهة التي تمتلك قرار العودة إلى الوطن: هل القرار بيد اللاجئ نفسه، أم بيد الدولة والسلطات المعنية؟
نظرياً، تعني العودة «الآمنة» ألا يتعرض العائدون لأضرار جسدية أو نفسية وأن تتوفر لهم أساسيات الأمان المادي، بينما تعني العودة «الكريمة» معاملتهم باحترام، وعدم إجبارهم أو الضغط عليهم، إضافة إلى عدم فصل أفراد الأسرة الواحدة.
لكن في سياق دولة غير منضمة إلى اتفاقية اللاجئين، يمكن استخدام عبارة «العودة الآمنة والكريمة» سياسياً في الوقت الذي تُفرض فيه ضغوط اقتصادية وإدارية وبنيوية شديدة تجعل حياة اللاجئين أكثر صعوبة وتدفعهم فعلياً إلى المغادرة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين العودة التي يتخذ الشخص قرارها بحرية، وبين العودة التي تحدث نتيجة ظروف وضغوط لا تترك له خياراً حقيقياً للاستمرار.
النرويج: التفاصيل الدقيقة في الثوب البيروقراطي
على الطرف المقابل تأتي النرويج، وهي دولة انضمت إلى نظام اتفاقية اللاجئين منذ تأسيسه، وأصبحت الاتفاقية أحد المصادر الأساسية للتشريعات المحلية المتعلقة باللجوء.
وتستخدم النرويج رسمياً وصف «لاجئ»، أو Flyktning باللغة النرويجية، وتمنح التشريعات اللاجئ أهم شيء يحتاج إليه، وهو الوضع القانوني المعترف به.
ولا تقتصر أهمية هذا الاعتراف على الفرد، بل تفيد الدولة أيضاً، لأنه يوفر إطاراً منظماً ومتوقعاً ويحدد أسس التعامل معه، ولا سيما خلال السنوات الأولى من إقامته.
وفيما يتعلق بعودة اللاجئين، يعتمد الإطار القانوني في النرويج مفهوم «العودة الطوعية».
ويشكل ذلك فرقاً قانونياً مهماً، لأن قرار العودة يبقى هنا بيد الشخص نفسه؛ إذ يعود اللاجئون عندما يقررون أنهم يستطيعون الرجوع بعد تقييم التغيرات في أوضاع بلدانهم الأصلية.
وحتى إذا اتخذ اللاجئ قرار العودة، تبقى هناك آليات قانونية لتقييم المخاطر التي قد يواجهها في بلده الأصلي.
لكن الانتقال إلى دولة غنية تمتلك موارد كبيرة ومنضمة إلى اتفاقية اللاجئين لا يعني اختفاء السياسة من منظومة الهجرة أو انتهاء محاولات تسييس قضية اللاجئين.
ما يحدث هنا هو انتقال السياسة من التجنب الصريح للالتزامات القانونية إلى وضع القيود وتنفيذها من خلال البيروقراطية.
ففي نظام مثل النظام النرويجي، تستطيع الدولة ممارسة سياساتها عبر التفاصيل الدقيقة للقانون الإداري. وعندما تتغير التوجهات السياسية الداخلية باتجاه تقييد الهجرة، ليس من الضروري إلغاء الاتفاقية، بل يمكن إدخال تعديلات إدارية وتشريعية أصغر لتحقيق أهداف سياسية في ملف الهجرة.
ومن أمثلة ذلك تشديد المعايير المطلوبة للحصول على بعض أشكال الحماية أو تحويلها لاحقاً إلى إقامة دائمة، واستخدام الحوافز الاقتصادية لتشجيع العودة، وفرض قيود قانونية تختبر الحدود الفاصلة بين العودة الطوعية الحقيقية والعودة التي تحدث تحت تأثير الضغوط أو الحوافز.
وما أريد التأكيد عليه هنا هو أن هشاشة وضع اللاجئ لا تختفي داخل الدولة الموقعة على الاتفاقية مثل النرويج، لكنها تصبح خاضعة لإدارة بيروقراطية وقانونية أكثر تطوراً، تمتلك موارد وإمكانات أكبر.
هل ما تزال اتفاقية اللاجئين ضرورية بعد 75 عاماً؟
عند تقييم النموذجين، قد يكون من السهل الوقوع في نوع من التشاؤم القانوني.
فسواء اعتمدت الدولة على حالة عدم التنظيم البنيوي كما في لبنان، أو على البيروقراطية شديدة التنظيم كما في النرويج، تظل الحكومات قادرة على ابتكار وتطويع اللغة القانونية المستخدمة في ملف الهجرة بما يتناسب مع واقعها وأولوياتها السياسية.
وفي ضوء ذلك، هل أصبحت اتفاقية اللاجئين لعام 1951 قديمة وغير ملائمة لعالم اليوم؟
كان جوابي خلال جلسة الحوار واضحاً وقاطعاً: نعم، ما تزال الاتفاقية ضرورية وذات صلة كاملة بواقعنا.
لا يمكن تقديم الاتفاقية على أنها درع مثالية تحمي اللاجئين بصورة مطلقة من سياسات الدول، لكن ينبغي الاعتراف بقيمتها باعتبارها مصدراً أساسياً للشرعية الدولية التي تستند إليها حماية اللاجئين.
تمنح الاتفاقية ملايين النازحين واللاجئين حول العالم وجوداً قانونياً معترفاً به على الأقل على المستوى الدولي، وفي عدد كبير من الدول الموقعة عليها.
ومن دون هذا الإطار، قد يجد ملايين الأشخاص أنفسهم يعيشون في الظل، من دون اعتراف قانوني أو آلية يستطيعون من خلالها المطالبة بأبسط حقوقهم في العيش بأمان.
وأرى أن مستقبل قانون اللاجئين مرتبط بالحفاظ على رؤية مزدوجة: أولاً، الدفاع عن اتفاقية عام 1951 باعتبارها بنية قانونية وإنسانية أساسية لا غنى عنها؛ وثانياً، الاستمرار في نقد وكشف الاستخدام الخاطئ للنصوص والمصطلحات القانونية ومحاولات الدول تطويعها لخدمة سياساتها المتعلقة بالهجرة واللجوء.
محمد خريطة: حاصل على درجة الماجستير في القانون الدولي العام من جامعة أوسلو في النرويج، وممارس في مجال قانون اللاجئين.
ملاحظة: المقال الأصلي باللغة الإنجليزية، وجميع المصادر المستخدمة في المقال متاحة في النسخة الإنجليزية.
رابط المقال الأصلي:
https://rli.blogs.sas.ac.uk/2026/07/20/beyond-the-dotted-line-navigating-the-fine-print-of-asylum-in-lebanon-and-norway/





