
لم تعد حملة «هاتوا الفلوس اللي عليكم»، التي أطلقها الناشط والمخرج السوري حسان عقاد لملاحقة التعهدات المالية غير المسددة، مجرد سلسلة مقاطع ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي. خلال الأيام الأخيرة دخلت الحملة مرحلة مختلفة، بعدما أعلنت في 8 آب بدء «المقاطعة والعقوبات الشعبية» ضد رجل الأعمال محمد حمشو، قبل أن يقول عقاد في منشور لاحق إن التحرك ضد حمشو خرج عملياً من يد القائمين عليه، وإن أشخاصاً في مناطق سورية مختلفة بدأوا يتحركون بصورة مستقلة.
التطور الجديد لا يتعلق بزيادة عدد المنشورات فحسب. ففي دمشق ظهرت ملصقات تطالب بمحاسبة حمشو، فيما انتشرت عبر مواقع التواصل مواد تدعو إلى مقاطعة شركات ومنتجات تقول الحملة إنها مرتبطة به وبعائلته، وبرز اسم مشروب «سينالكو» بصورة خاصة في حملة المقاطعة. وتظهر مواد منشورة من داخل دمشق وحمص انتقال الاعتراض من شاشة الهاتف إلى الشارع، سواء عبر الملصقات أو المواد الدعائية المضادة أو الدعوات العلنية للمقاطعة. لكن من الناحية الصحفية لا توجد حتى الآن جهة مستقلة أحصت انتشار هذه الملصقات في «جميع المدن السورية»، ولذلك الأدق القول إنها ظهرت في دمشق ومناطق أخرى وتداول ناشطون صوراً من محافظات مختلفة، بدلاً من الجزم بأنها غطت كل المدن.
مليون دولار أعادت حمشو إلى واجهة الحملة
بدأ الاشتباك الأخير مع اسم حمشو من ملف يمكن التحقق منه بعيداً عن السجال السياسي. فقد كان أحمد وعمر حمشو ضمن المتعهدين بمبلغ مليون دولار لصندوق التنمية السوري، وهو تعهد أعاد عقاد طرحه ضمن حملته. والأهم أن تقريراً رسمياً لصندوق التنمية، نشرته وكالة «سانا» في أيار، أدرج بالفعل مليون دولار باسم أحمد وعمر حمشو ضمن الالتزامات المالية غير المسددة حتى نهاية الربع الأول من عام 2026. أي إن أصل السؤال عن التعهد ليس مجرد اتهام متداول على مواقع التواصل، بل له ما يسنده في تقرير رسمي صادر عن الصندوق نفسه.
ومن هنا تغيّرت طبيعة الحملة. السؤال الأول كان بسيطاً: من تعهد بالمال، هل دفعه أم لا؟ لكن مع وصولها إلى عائلة حمشو تحولت القضية إلى سؤال أكبر: ماذا يعني أن يعود أحد أبرز رجال الأعمال المرتبطين باقتصاد النظام السابق إلى النشاط في سوريا الجديدة؟ وهل تكفي تسوية مالية لإنهاء ملف رجل ارتبط اسمه طوال سنوات بعلاقة وثيقة بمراكز القوة في عهد بشار الأسد؟
حمشو.. هل «سامحته» الدولة؟
القول إن الحكومة السورية «سامحت محمد حمشو لأنه يملك المال» سيكون استنتاجاً لا توجد وثيقة رسمية تثبته بهذه الصيغة. ما تقوله الدولة شيء محدد: في 7 كانون الثاني 2026 أعلنت اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع إنجاز تسوية رسمية مع حمشو في إطار برنامج «الإفصاح الطوعي عن الكسب غير المشروع». وقال رئيس اللجنة باسل السويدان إن التسويات تقوم على تسليم رجال الأعمال جزءاً كبيراً من أموالهم وأصولهم للدولة مقابل إنهاء الذمم المالية المرتبطة بالكسب غير المشروع وإعادة إدماج النشاط الاقتصادي في الدورة النظامية.
لكن الإعلان الرسمي يفتح بدوره أسئلة لم تُجب عنها التفاصيل المنشورة حتى الآن: كم بلغت قيمة أصول حمشو التي انتقلت فعلياً إلى الدولة؟ ما الشركات والأصول التي شملتها التسوية؟ كيف قُيّمت؟ وأين ستذهب عائداتها بالتحديد؟ وهل التسوية المالية تغلق فقط ملف «الكسب غير المشروع»، أم أنها تمنح صاحبها حصانة من أي ملفات جنائية أخرى قد تظهر مستقبلاً؟
«سانا» قالت إن الأموال والأصول المستردة يفترض أن تتحول إلى الدولة وتوجّه إلى الاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار والتنمية، لكنها لم تنشر في الإعلان نفسه كشفاً تفصيلياً بقيمة ما دفعه حمشو أو قائمة بالأصول التي انتقلت إلى الدولة. وهنا تصبح المطالبة بالشفافية حقاً عاماً، لأن العدالة الاقتصادية لا تكتمل بإعلان أن «جزءاً كبيراً» من الأموال استُرد؛ بل تحتاج أيضاً إلى رقم وآلية ومصير واضح للمال.
علاقة بالنظام السابق ليست مجرد اتهام على السوشيال ميديا
ارتباط محمد حمشو بالنظام السابق ليس وصفاً اخترعته حملة عقاد. وزارة الخزانة الأميركية فرضت عليه عقوبات منذ عام 2011، وقالت حينها إنه قدم خدمات ودعماً لبشار الأسد وعمل لمصلحة بشار وشقيقه ماهر الأسد. وحتى بعد إنهاء الولايات المتحدة برنامج العقوبات السوري الواسع في حزيران 2025، بقي اسم حمشو ومجموعته ضمن العقوبات المخصصة للأشخاص المرتبطين بانتهاكات أو أنشطة محددة.
وهذا ما يجعل قضية حمشو مختلفة في الوعي العام عن رجل أعمال ارتكب مخالفة ضريبية أو أخفى أرباحاً. بالنسبة إلى شريحة من السوريين، السؤال ليس فقط: كم دفع؟ بل: كيف تكوّنت الثروة أساساً، وما علاقة النفوذ السياسي والأمني بها، وهل استرداد جزء منها يعادل المحاسبة؟
من وجهة نظر الدولة، هناك حجة عملية مفهومة: اقتصاد محطم لا يحتمل إغلاق كل منشأة ومصادرة كل شركة وإخراج رأس المال والخبرة من السوق، ويمكن لاسترداد الأصول والتسويات أن يعيدا مليارات محتملة إلى الدولة بصورة أسرع من محاكمات مالية تمتد سنوات. لكن الوجه الآخر لهذه السياسة هو خطر أن يشعر الضحايا بأن الثروة نفسها أصبحت طريقاً إلى تسوية الماضي؛ أي أن من يمتلك أصولاً ضخمة يستطيع شراء نهاية اقتصادية لملفه بينما لا يمتلك الضحايا سوى الذاكرة والأسئلة.
هل نشهد إعادة تدوير شخصيات النظام السابق؟
هذه النقطة تتجاوز حمشو نفسه. التسويات الاقتصادية التي تتبعها الحكومة السورية هي، بحسب تصريحاتها الرسمية، سياسة تشمل عشرات رجال الأعمال وليست استثناءً خاصاً به. والهدف المعلن هو استرداد المال ومنع انهيار الشركات وإدخال رأس المال مجدداً في الاقتصاد الرسمي.
لكن نجاح هذه السياسة سيقاس بمعيار أصعب من مقدار الأموال المستردة: هل فصلت الدولة بين المال والنفوذ؟
يمكن لرجل أعمال أن يخضع لتسوية مالية ويواصل نشاطاً اقتصادياً مشروعاً، لكن إعادة النشاط الاقتصادي شيء وإعادة إنتاج المكانة السياسية والاجتماعية شيء آخر. فإذا غابت المعلومات عن حجم التسوية، واستمر أصحاب النفوذ السابق في الظهور باعتبارهم جزءاً طبيعياً من الطبقة الاقتصادية الجديدة، فإن السوريين قد يرون في ذلك إعادة تدوير للنخبة القديمة تحت مسميات جديدة.
ولهذا فإن أفضل حماية للدولة نفسها ليست منع هذه الأسئلة، بل نشر تفاصيل التسويات وفق ما تسمح به التحقيقات: الأصول التي استعيدت، القيمة المقدّرة، الأساس القانوني، وما إذا كانت التسوية المالية تمنع أو لا تمنع الملاحقة عن جرائم أخرى. الشفافية هنا لا تخدم حملة عقاد وحدها، بل تحمي الحكومة من اتهامها بأنها تستبدل عدالة المحاكم بعدالة الصفقات.
أين الإعلام السوري الرسمي؟
المفارقة أن الإعلام الرسمي السوري تناول جانبين أساسيين من القضية: «سانا» نشرت إعلان تسوية محمد حمشو وأسبابها، كما نشرت تقرير صندوق التنمية الذي أظهر بقاء تعهد المليون دولار المسجل باسم أحمد وعمر حمشو غير مسدد حتى نهاية آذار. لكن، وحتى إعداد هذا التحقيق، لا تظهر في نتائج البحث المنشورة على «سانا» و«الإخبارية السورية» تغطية موازية بحجم حملة المقاطعة الأخيرة التي يقودها عقاد أو للجدل الشعبي الذي أثارته.
وهذه فجوة تستحق النقاش. ليس مطلوباً من الإعلام الرسمي أن يتبنى رواية حسان عقاد أو يدعو إلى مقاطعة شركة خاصة، لكنه يستطيع أن يفعل ما يفترض بالإعلام العام فعله: يسأل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع عن رقم التسوية، ويسأل صندوق التنمية عن مصير التعهد، ويطلب رد حمشو، ويتحقق من ملكية الشركات المستهدفة بالمقاطعة، ويشرح للناس الحدود القانونية بين النقد والتشهير.
غياب التغطية لا يلغي الحملة؛ بل يترك الساحة كاملة لمواقع التواصل، حيث يمتزج الخبر بالرأي والاتهام بالسخرية والمعلومة بالشائعة.
هل أصبح حسان عقاد في خطر؟
نعم، هناك خطر قانوني حقيقي على أي ناشط يقود حملة بهذا الحجم، لكن لا يجوز القفز من ذلك إلى الجزم بوجود خطر أمني أو جسدي محدد من دون دليل.
عقاد سبق أن أوقف في دمشق في حزيران على خلفية دعوى تتعلق بالقدح والذم والتشهير الإلكتروني. وأوضح المحامي العام في دمشق وقتها أن القضية بدأت بادعاء شخصي وأن إجراءاتها تمت ضمن مسار الجرائم الإلكترونية. وبعد الجدل الذي أثارته قضايا مشابهة، أصدرت وزارة العدل في 30 حزيران تعميماً جديداً يؤكد أن الحرية الشخصية هي الأصل، وأن التوقيف في قضايا الجرائم المعلوماتية يجب أن يبقى إجراءً استثنائياً، مع توجيه القضايا التي يكون المدعى عليه فيها معروفاً، مثل القدح والذم الإلكتروني، نحو الادعاء المباشر أمام القضاء في حالات واسعة بدلاً من اللجوء تلقائياً إلى الضابطة العدلية.
إذن الخيط القانوني واضح نسبياً: المقاطعة والنقد والسؤال عن المال ليست في ذاتها إذناً بنشر أي اتهام كحقيقة. كلما اعتمدت الحملة وثائق رسمية، وميّزت بين السؤال والاتهام، وأتاحت حق الرد، أصبحت أقوى صحفياً وقانونياً. وكلما تحولت إلى شتائم أو اتهامات جنائية غير مثبتة أو تحريض شخصي، أصبحت أكثر عرضة للدعاوى وأقل قدرة على الدفاع عن هدفها الأصلي.
أما إذا تلقى عقاد أو أي مشارك في الحملة تهديدات فعلية، فالمسار السليم هو توثيقها والتقدم بها إلى القضاء؛ لأن حماية حق الناشط في النقد لا تعني إعفاءه من القانون، كما أن وجود القانون لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لإسكاته.
المقاطعة.. رقابة شعبية أم محكمة في الشارع؟
للحملة إيجابيات يصعب تجاهلها. أولها أنها حولت أرقام التبرعات من وعود عابرة أمام الكاميرات إلى التزامات يتابعها الجمهور، وأجبرت النقاش العام على طرح أسئلة عن الشفافية لا تحظى عادة بهذا القدر من الاهتمام. كما أظهرت أن المواطن قادر على استخدام قوته كمستهلك، لا فقط كناخب أو متظاهر، وأن المجتمع يستطيع الضغط باتجاه كشف المعلومات من دون انتظار مبادرة رسمية.
لكن للحملة جانباً خطيراً أيضاً. عندما تنتقل المقاطعة من قرار فردي بعدم شراء منتج إلى وصم كل شركة أو عامل أو موزع مرتبط باسم معين، قد يدفع الثمن موظفون لا علاقة لهم بصاحب رأس المال. وعندما تتحول الحسابات الشعبية إلى مصدر وحيد لتحديد من هو «مجرم» ومن هو «بريء»، يصبح الرأي العام بديلاً من القضاء، وهي مشكلة لا تقل خطورة عن غياب المحاسبة نفسها.
المقاطعة تستطيع أن تقول: «لن أشتري منك لأنني أعترض على تاريخك أو ممارساتك». لكنها لا تستطيع أن تصدر حكماً قضائياً. والقضاء يستطيع أن يدين أو يبرئ وفق الأدلة، لكنه لا يستطيع أن يجبر المجتمع على منح الثقة الأخلاقية لمن فقدها.
وهذه التفرقة هي أساس أي مجتمع يريد الانتقال من حكم الأشخاص إلى حكم المؤسسات.
من العالم إلى سوريا.. الاعتراض ليس خروجاً على الدولة
المقاطعة والعصيان المدني والاحتجاج السلمي ليست أدوات سورية جديدة. في التجارب السياسية الحديثة أصبحت المقاطعة الاقتصادية والإضرابات والتجمعات من وسائل الضغط التي تستخدمها المجتمعات عندما ترى أن القانون أو القرار السياسي لا يعبر عن العدالة التي تطالب بها.
وفي المعايير الدولية لحقوق الإنسان، يُنظر إلى الاحتجاج والتجمع السلمي بوصفهما وسيلة للمشاركة في تشكيل المجتمع، كما أكدت آليات الأمم المتحدة أن الحملات السلمية للمقاطعة وأشكال العصيان المدني غير العنيف يمكن أن تكون أشكالاً مشروعة من التعبير السياسي. لكنها تبقى خاضعة لحدود حماية حقوق الآخرين ومنع العنف والتهديد والتحريض.
وسوريا نفسها أعلنت في إعلانها الدستوري ضمان حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة، فيما أكد مؤتمر الحوار الوطني أن الحرية قيمة عليا وأن العدالة الانتقالية يجب أن تشمل المحاسبة واستعادة الحقوق.
من يحدد العدالة؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأصعب الذي تضعه حملة حسان عقاد أمام السوريين.
الدولة لا تملك وحدها تعريف الحقيقة الأخلاقية، والشارع لا يملك وحده إصدار الحكم القضائي.
القضاء هو من يقرر المسؤولية الجنائية وفق الأدلة. ولجان الرقابة والتدقيق هي من يفترض أن تحدد الأموال العامة والأصول غير المشروعة. والإعلام دوره أن يكشف ويسأل ويتحقق، لا أن يصدر الأحكام. أما المجتمع فمن حقه أن يراقب ويحتج ويقاطع ويطالب بتغيير القانون نفسه إذا رآه ناقصاً أو غير عادل، ما دام ذلك سلمياً ويحترم حقوق الآخرين.
والأهم أن العدالة الانتقالية لا يمكن اختزالها في خيارين: إما السجن وإما التسوية. قد تكون هناك مسؤولية مالية، وأخرى جنائية، وثالثة سياسية أو أخلاقية. دفع المال قد يسوي ذمة مالية، لكنه لا يمحو التاريخ، وفي المقابل فإن التاريخ السيئ لا يغني المحكمة عن الإثبات.
لهذا لا ينبغي أن ينتهي ملف محمد حمشو بسؤال: هل انتصرت حملة حسان؟ ولا بسؤال: هل استطاعت الحكومة عقد صفقة جيدة؟
السؤال الأهم هو: هل تستطيع سوريا بناء نظام يجعل هذه المواجهة غير مرتبطة باسم ناشط واحد أصلاً؟
نظام ينشر الأرقام قبل أن يطالب بها حسان عقاد، ويكشف مصير المال قبل أن تنتشر الملصقات، ويضع معايير معلنة للتسويات، ويمنح المتهم حق الدفاع، والضحية حق المعرفة، والصحفي حق السؤال، والمواطن حق الاعتراض.
عندها فقط لا تصبح المقاطعة بديلاً عن العدالة، ولا يصبح القانون وسيلة لإسكات الناس، ولا يصبح المال طريقاً مختصراً للعودة إلى الواجهة.








