

ثمة من يعتبر التسريبات السورية التي نشرتها، في الآونة الأخيرة، كل من قناتي العربية والجزيرة بلا قيمة. وهناك من يرى أن اهتمام الرأي العام بها مبالغ فيه. يقلل أصحاب هذا الرأي من أهمية ما تم الكشف عنه من محادثات بين بشار الأسد، ومستشارته الاعلامية لونا الشبل. وكذلك الأمر بخصوص فضيحة، المسؤول العسكري سهيل الحسين، صاحب براءة اختراع البراميل المتفجرة، ورامي مخلوف الوصي على الاقتصاد السوري لعدة عقود، ومدير ثروة عائلة بيت الأسد، قبل أن يختلف مع أسماء الأسد على تقاسم المكاسب.
تنوعت التسريبات بين أشرطة مسجّلة، ووثائق مكتوبة، واختراقات للهواتف، وانتحال أدوار وشخصيات من أجل الاستدراج وانتزاع اعترافات مثيرة. ما هو خاص بالأسد، باعه على الأرجح مقربون منه، وما تبقى قام به متخصصون، كما حصل مع الحسن وزميله الضابط السابق غياث دلا. والمثير للاهتمام هو اعترف هذين الضابطين الكبيرين في جيش الأسد المنحل بأنهما يحضران عملية تمرّد في الساحل السوري، ومعهم آلاف من المسلحين، وهم يرغبون بالتعاون مع اسرائيل لإنجاز المهمة.
تضع التسريبات أمام الرأي العام تفاصيل كثيرة خافية عن السوريين حول أساليب وطرق تفكير شخصيات الصف الأول لنظام الأسد، وتكشف في الوقت ذاته عن بعض المخططات المستقبلية التي يجري تحضيرها من قبل عدة أطراف داخلية وخارجية، بهدف هز الاستقرار وتفجير مواجهات، وتسهم من ناحية أخرى بإسقاط آخر الأوهام من حول هؤلاء الذين لا يزال البعض يراهن عليهم، ويعتقد أنهم يمكن أن يلعبوا أدواراً في سوريا المستقبل.
الصورة التي تقدمها التسريبات أن هؤلاء لا يهمهم سوى حكم سوريا، مهما كلف ذلك من ثمن. هم على استعداد للتضحية بالأبرياء من أجل العودة للحكم، حتى لوكان ذلك تحت مظلة اسرائيل، بالأمس القريب كانوا تحت وصاية إيران وروسيا، واليوم يضعون أنفسهم تحت تصرف دولة الاحتلال. يقول سهيل الحسن الملقب بالنمر في المكالمة مع منتحل شخصية الضابط الاسرائيلي: “أنا بخدمتكم”. ومن أجل كسب ودّ إسرائيل يطلب منها بصوت عال أن تبيد الفلسطينيين في غزة، ويلعن الطوائف، بمن فيهم الشيعة، ناسيا فضل هذه الطائفة تجاه نظام الأسد، سواء ايران او المليشيات الشيعية التابعة لها من لبنانية وعراقية وافغانية، شاركت في ارتكاب مجازر بحق الشعب السوري.
هناك أسئلة مهمة تطرح نفسها. ما هو سبب تبخيس قيمة هذه التسريبات، طالما أنها تفضح جوهر نظام عائلة الأسد، الذي قام على اجهزة قمعية فاسدة، ركزت جهدها على التنكيل بالسوريين، ونهب ثروات البلد. لماذا يسخر البعض منها، ومن مروجيها، ويعتبرها تافهة، طالما أنها تقدم الأسد بصورته الحقيقية كمجرم وحرامي ظل ينهب السوريين حتى آخر يوم في حكمه. هل هناك خطأ في البحث عن براهين على أن الأسد نهب احتياطي البنك المركزي من العملة الصعبة والذهب، ونقله معه إلى روسيا. لماذا يتضايق البعض من الدعوات التي تتبنى متابعة وتقصي الحقائق حول ما يخطط له فلول نظام الأسد، من بلدان عربية وأجنبية صارت مستقرا لمسؤولين من عائلته وحاشيته واركان نظامه، الذين باتت لديهم استثمارات مالية ضخمة في الخارج، منها في الخليج العربي، وروسيا وأوروبا. ألا يفيد ذلك ملفات العدالة الانتقالية، ويسهم في إنصاف الضحايا، وبناء ملفات قانونية من اجل المطالبة باستعادة المجرمين بحق الشعب السوري، واسترداد ثرواته المنهوبة. هل الكشف عن دور اسرائيل في ضرب وحدة سوريا مسألة لا تستحق التوقف أمامها والتنبيه منها واستنكارها على الأقل. إذا كانت هذه التسريبات تصب في الصالح العام، لماذا يبدي البعض استخفافه بها.
لا يخفى أن هدف من يقللون من أهمية الوثائق والتسريبات التي تجرم النظام السابق ورموزه، في أحسن الأحوال، تبخيس جهد الدولة السورية وأجهزتها المكلفة بمتابعة ملفات النظام السابق. يبررون لأنفسهم هذا الموقف من موقع المعارضة. وهذا أمر ملحوظ في ملفات أخرى، هم لا يرون في التحول الجديد أي مظهر إيجابي. يعلنون فرحهم بسقوط نظام الأسد، لكنهم لا يعترفون للسلطات الجديدة بأي إنجاز. ما يجعل قطاع واسع أن يلتزم هذا الموقف هو كراهية للسلطة الجديدة بسبب الماضي الجهادي للشخصيات القيادية فيها، ولا يعترف بالجهد الكبير الذي بذلته في سبيل إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
تسهم التسريبات في تنوير الرأي العام، وتساعد على بناء ملفات قانونية لرفع دعاوى قضائية ضد هذه العصابات بكافة افرادها، وعلى رأسها الأسد وزوجته وشقيقه ماهر، تتضمن سجل الجرائم التي ارتكبوها والسرقات التي قاموا بها، وتقديمها للدول التي تستضيفهم أو تمولهم والجهات الدولية المتخصصة مثل الإنتربول الدولي، ومنظمة الجنايات الدولية، من أجل استرداد هؤلاء لمحاكمتهم، واستعادة الأموال التي هربوها ووضع اليد على استثماراتهم، وتحويلها إلى الموازنة العامة، وعلى الدولة السورية أن تشكل فريق عمل قانوني لتتبع هؤلاء من أجل استردادهم سواء كانوا في روسيا أو لبنان أو العراق أو ايران أو في الخليج، وهذا يضمن امرين تحصيل حقوق السوريين، ووقف المؤامرات التي تتم بدعم من إسرائيل من أجل تقسيم سوريا.





