

تُدرس التنظيمات الراديكالية العنيفة أو المتطرفة بين حقول متعددة في السياسة والأمن، من منظورات مختلفة، بصفتها فاعلاً ما دون الدولة في العلوم السياسية، أو بصفتها تهديداً إرهابياً في الدراسات الأمنية، أو بصفتها منظومة عنف يهدد الاجتماع السياسي، أو غير ذلك، وحتى الدراسات النفسية صار لديها ما يطلق عليه علم نفس الراديكالية والتطرف.
بمعنى آخر، سلوك هذه التنظيمات الذي كان أحد مشاغل الفروع العلمية المختلفة لعقود أمر معروف؛ إلى درجة يمكن التنبؤ في سلوكها بناء على عدد من المؤشرات.
ثمة تصور مغلوط أن التنظيمات الراديكالية التي تعتنق أيديولوجيا ذات خلفية دينية أكثر عنفاً من التنظيمات القومية، على أساس أن تلك التنظيمات تضع العنف الذي تمارسه في سياق أكبر للحياة والموت، وسياق من معارك الماضي الملحمية الممتدة بين الخير والشر، في حين عنف التنظيمات الراديكالية العلمانية القومية محصور في نهاية المطاف بـ”الأرض”.
لكن هذا التصور يغفل حقيقة أن العقائد القومية يمكن أن تكون إطلاقية، ويمكن للعنف المتولد منها أن يكون بلا حدود، لأنه مبني على عقائد عنصرية ماورائية تمنح عرقاً ما تفوقاً خاصاً على البشر وتنسب الشرور المطلقة لقوميات أخرى.
وبطبيعة الحال، يشكل خطاب التضحية جزءاً رئيساً من خطاب أي حركة تتبنى العنف، لأن العنف يعني حضور الموت ، هذا يدفع الحركات لتبني خطاب عقائدي يجعل للتضحية بالنفس معنى، لكن يكون اسم التضحية “عملية فدائية” غالباً. مع ذلك، فهذه الظاهرة الحديثة، التي رافقت ظهور التنظيمات الراديكالية عموماً، كانت إلى حد كبير غير مقبولة لديها حتى وقت متأخر، في حين بدأتها أساساً الحركات القومية، ابتداءً من الكاميكاز الياباني سنة 1944، مروراً بالجيش الأحمر الياباني، وصولاً إلى نمور التاميل في منتصف الثمانينيات، والحزب القومي السوري سنة 1985.
وخلافاً للأفكار السائدة، فإن التنظيمات ذات المرجعية الدينية هي التي قلدت التنظيمات العلمانية الراديكالية في العمليات الانتحارية، والتي افتتحتها التنظيمات الشيعية ثم انتقلت إلى السنية. فقد كان حزب الله أول تنظيم استخدمها حين قام بعمليتين انتحاريتين عام 1983، ولم تظهر هذه العمليات في التنظيمات السنية إلا بعد أكثر من عشر سنوات عام 1994.
والعمليات الانتحارية هي في النهاية بوصفها خيارات أشخاص راشدين، لكن ماذا لو استُخدم الأطفالُ في هذه العمليات؟ الواقع أن هذا لم يحدث على الإطلاق في أي من التنظيمات العنيفة السابقة، لا الدينية ولا اليسارية ولا الشيوعية، لم يفعلها إلا حزب العمال الكردستاني PKK، الواقعة الأخيرة الصادمة كانت في العمليات الانتحارية التي قام بها أربعة أطفال في حي الشيخ مقصود يوم 10 كانون الأول/يناير الجاري تحت مسمى “عمليات فدائية”، واحتفى بها التنظيم!
على كل حال، حين تفشل التنظيمات القومية الراديكالية في معارك تعتبرها مصيرية، تقع في هوة من خيبة الأمل وتدخل في لحظات انكسار، ثم تشتغل آليات الدفاع النفسي: فتندفع إلى إعادة تعريف ذاتها عبر إكساب الصراع هالة الصراع المقدس ونقله إلى مستوى الصراع الكوني والأزلي، ولكن من الناحية العملية بقدر ما يسهم هذا الخطاب في التعبئة والتجنيد ويعيد تشكيل وعي أعضائها، بقدر ما يفصلها عن الواقع ويحول دون القدرة على ممارسة السياسة بعيدة المدى.
وتتناقص كفاءتها بشكل حاد في التكتيكات والمناورات السياسية القصيرة المدى والجزئية، إذ ترتفع المواقف السياسية إلى مرتبة العقائد، ويؤدي ذلك إلى مزيد من التمترس خلف مواقفها السياسية والذهاب نحو معارك صفرية، بحيث يصبح “الكل أو لا شيء” هو قاعدة التفاوض، وتصبح متصلبة إلى درجة أنها يمكن أن تفوت الكثير من المكاسب المتاحة في لحظة تعنت تفضي إلى خسارتها كل شيء.
فإذا كانت السياسة تعني في هذا السياق التفاوض والوصول إلى الحقوق بأقل قدر من الكلفة البشرية، فإن الحقيقة أن الحركات الراديكالية العنيفة لا تمارس السياسة عموماً، هي فقط تمارس العنف كأداة وحيدة للوصول للأهداف السياسية وفق تصور متخيل عن الواقع.
تنتج التنظيمات المتطرفة عبر سرديتها خطاباً ينزع الإنسانية عن الآخرين، يسمح باستخدام العنف ضدهم إلى حدود قصوى، وحين تتعرض لهزيمة، تبدأ أولاً بإنكارها وإعادة تأويلها أو تأطيرها أيديولوجياً ضمن السردية الرئيسية حفاظاً على اتساقها.
يتم إنكار الطابع البنيوي للهزيمة، ويتم توصيفها كهزيمة مرحلية، والتي سيكون بعدها الانتصار العظيم “الذي سيأتي يوماً ما، وقريباً ولا ريب”، وتوصف على أنها “مرحلة تكتيكية” مؤقتة، أو أنها حدثت بـ”خيانة داخلية” ولكنها بالتأكيد ليست فشلاً للتنظيم، الذي يمتلك “الحق” و”الحقيقة”، هذه آلية حماية لإبقاء أعضاء التنظيمات تحت السيطرة، وامتصاص الصدمات.
وبدل أن تدفع الإخفاقات والهزائم إلى نقد ذاتي معمق يقوم الحزب بالتخلص من الخونة (تتصاعد حملات التخوين)، بعد إلقاء اللائمة عليهم، والذهاب نحو مزيد من التشدد العقائدي والانغلاق التنظيمي، واستعادة القراءة الأكثر تشدداً للنصوص المؤسسة له، فالتنظيم الذي يتعرض هو ومشروعه إلى خطر وجودي، يضيّق هامش الاجتهاد والمناورة السياسية إلى الحدود القصوى، ويصبح أكثر تصلباً بدلاً من أن يصبح أكثر واقعية وعقلانية، فكل مرونة تشكل خطراً وجودياً. المرونة والواقعية لا توجد في قواميس تلك التنظيمات إلا نادراً، وفي معظم الحالات تنتهي مثل هذه المنعطفات إلى انقسام التنظيم نفسه أو انفجاره وتشظيه.
يقوم التنظيم أيضاً بإعادة تعريف العدو، في سياق ضمان تماسك النواة الصلبة، وتوسيع دائرة الصراع، فيُوسَّع قائمة الأعداء من عدو خارجي لتشمل “أعداء داخليين”، ومن صراع محدد إلى حرب وجودية مفتوحة، ويفيد هذا الانتقال تلك الأحزاب المتطرفة في تعزيز الصفوف الداخلية، وفي التعبئة، وحيث يُعاد رسم الصراع بوصفه مؤامرة “مؤامرة كونية” وحرباً على الهوية والقومية في التنظيمات القومية، أي يولد خطاب مطابقة بين “التنظيم” وبين الهوية القومية، بين معركة ضد التنظيم ومعركة ضد المكون الذي ينحدر منه. تستعمل هنا مصطلحات مثل “حرب إبادة”، وتطهير عرقي.
مع هذا الانتقال في الخطاب، يكون التنظيم قد نقل المسؤولية إلى البيئة المحيطة، ووسع من قاعدة دعمه الاجتماعي بما يتجاوز الخلاف السياسي مع التنظيم، ولأنها قد تكون مختلطة، يتبنى التنظيم خطاباً مزدوجاً، خطاب داخلي متطرف ونابذ واستئصالي، وخطاب آخر يحاول كسب ود الجماعات التي لا تنتمي لهويته ولا تهتم بقضيته، أو حتى تناصبه العداء، لكنه لا يستطيع أكثر من تخفيف الخطاب العلني دون تغيير أهدافه، لذلك غالباً ينظر الحزب إلى أنه خطاب تكتيكي لتصدير صورة “عقلانية” للمجتمع الدولي والمحيط ولو أنه لا يقدم أي فائدة عملية.
وإذا فشل في تحقيق سيطرة مستقرة على الأرض، فغالباً ما يتجه التنظيم إلى الانتقال إلى “حرب العصابات”، والعمل الشبكي في إدارة العمليات، واستخدام أسلوب “الذئاب المنفردة”. يصاحب ذلك عملية انكفاء اجتماعي، والذهاب نحو العمل السري وممارسة العنف الانتقامي والنكائي، ويبدو كما لو كان استمراراً للعمل من أجل القضية إلا أنه في الواقع يكون عبثياً وبلا أفق سياسي، فلم تنتج مثل هذه الممارسات إلا في حالات نادرة تحقيق مكاسب سياسية.
ويتم في مثل هذا الظرف الذي قد يمر به التنظيم إعادة إنتاج الذاكرة والانتظار، وإدماج السرديات البطولية في سرديات الجيل المؤسس، للحفاظ على ذاكرة حية وممتدة، بانتظار ظرف تاريخي جديد مناسب، وإذا وصل التنظيم إلى هذه النقطة يكون التنظيم قد تحول من فاعل سياسي إلى مشكلة أمنية مزمنة.





