
في العشرين من يوليو/تموز عام 1985، أَعدَمتْ الجماهير الغاضبة السيدة “ماكي سكوسانا”. حدث ذلك إثر اتهامها بأنها عميلة لقوات أمن نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. تم تصوير عملية القتل كاملة وبثها على التلفزيون الوطني كوثيقة تثبت مقدار الوحشية التي يتصرف بها “الهمج” السود مناهضو العنصرية.
بين عامي 1985 و1996 عاشت عائلة السيدة الشابة (24 عاماً) وخصوصاً ابنها الذي كان في سنته الخامسة حين فقد أمه، وصمة العار بأن ابنتهم كانت عميلة للأمن، ونتيجة لعمالتها فقد ثمانية من الشبان السود حياتهم إثر انفجار قنابل يدوية (مفخخة) في وجوههم. كان عميلٌ للشرطة يُدعى “جو ماماسيلا” ينتحل صفةً ثورية قد سلمهم القنابل، ليرموها على أهداف حكومية خططوا لاستهدافها. مات الثمانية وانتشر اعتقاد في بلدة “دودوزا” أن ماكي هي من عرّفت الشبان أصدقاءها على ذاك العميل المتخفي كعضو في المؤتمر الإفريقي.
بعد انتشار الشائعة، طلبت منها والدتها وأختها مغادرة البلدة خوفاً من ردة فعل قد تودي بحياتها. رفضت ماكي التي كانت تدفع ببراءتها من هذا الاتهام، معتقدة أن سيرتها كناشطة سياسيةٍ مناهضةٍ للفصل العنصري، لن تصل بأهل البلدة للإقدام على فعل كهذا. من جانب آخر أخبرت أختها بأنها لو هربت فسيُقدم ثوار البلدة على حرق بيت عائلتها، وهذا ما لن تقبل به على الإطلاق، وكانت متأكدة فيما لو بقيت أن الأصدقاء سيدركون خطأهم قريباً. وأكثر من ذلك قررت ماكي بشجاعة المشاركة بجنازة أقيمت لأربعة من الشبان القتلى.
للأسف لم تجرِ الأمور على النحو الذي فكرت به، فخلال الجنازة انقلب عليها حشدٌ من المعزّين وبدؤوا بمطاردتها. ضربوها ورجموها بالحجارة ومزقوا ملابسها، وأضرموا النار في جسدها بعد أن وضعوا إطاراً مطاطياً حول رقبتها وكتفيها، وصخرة ضخمة فوق صدرها حتى لا تتمكن من النهوض، وأمام الجمهور طعنوها بزجاجة مكسورة في أماكن خاصة من جسدها. تم تصوير وفاتها بكاميرات التلفزيون، وبُثّت اللقطات المروعة مطولاً على القناة الوطنية SABC TV، الأمر الذي اعتبرته السلطات آنذاك انتصاراً دعائياً، واستعراضاً لوحشية سكان الأحياء الفقيرة. وأُعيد بث اللقطات على محطات تلفزيونية حول العالم، مما ألحق ضرراً بالغاً بقضية التحرر من العنصرية.
بعد مقتلها بأيام، كتب الصحفي المحلي، ريتش مخوندو “بدأت الشائعات تنتشر في دودوزا بأن رجل المؤتمر الوطني الأفريقي الغامض كان على علاقة بفتاة تُدعى ماكي، عرّفته على قادة مؤتمر طلاب جنوب إفريقيا (كوساس). ستقول والدتها، ديان سكوسانا، لاحقاً إن الأمر كان خطأً في تحديد الهوية، وأنها ماكي أخرى. ومهما كانت الحقيقة، فقد انتشرت الشائعة. سمعت سكوسانا بالأمر بالطبع، حتى إنها ذهبت إلى كاهن محلي وأخبرته بها. لكنها أصرّت أنها لن تثبت على نفسها الذنب عبر الهروب. كانت امرأة بسيطة، تبلغ من العمر 24 عاماً. أمٌّ وتعمل في مصنع قفازات قريب. عاشت مع والدتها في واحد من تلك البيوت الصغيرة المتواضعة، بأرضياتها الخرسانية وأسقفها الحديدية المكشوفة، في دودوزا”.
بعد أحد عشر عاماً، ستقف “مولولكو” أخت ماكي على المنصة أمام لجنة الحقيقة والمصالحة “Truth and Reconciliation Commission” في دولة جنوب إفريقيا الجديدة وتروي: “وصمونا بأننا عائلة من المخبرين. وكما يُقال، لا دخان بلا نار. نحن نشك أو نعلم أن شخصاً ما أشاع تلك المعلومات التي تفيد بأن ماكي كانت مُخبرة. أودّ أن أطلب من هذا الشخص تحديداً أن يتقدم ويُعلن للعالم أجمع أنه من تسبب في وفاة أختي، وأنه السبب بقتل ماكي. نريد فقط أن نعرف الحقيقة، نريد من هذا الشخص أن يتقدم ويُخبرنا كعائلة. لا نحمل ضغينةً تجاهه ولن نؤذيه. كل ما نريده هو أن نعرف”.
سيعلق الدكتور أليكس بورين رئيس الجلسة “شكراً سيدتي، اتضح من التحقيقات الكثير مما لم نكن نعرفه. نعلم أن الشبان استُدرجوا إلى حتفهم من قِبل أشخاصٍ انتحلوا صفة أعضاء في حركة “رمح الأمة” (MK)، وأن جو ماماسيلا قد اعترف، كقاتل مأجور للدولة، بتورطه ومسؤوليته، وكذلك العديد من أعضاء الشرطة الأمنية. أود أن أشير إلى أن وفاة ماكي كانت وصمة عار وطنية. جعلت العالم ينظر إلى جنوب إفريقيا، وخاصةً أولئك الذين كانوا يُناضلون ضد نظام الفصل العنصري، على أنهم وحوش. فقد أفسدت وفاة ماكي جميع الجهود النبيلة لنضالات التحرير. وأودّ أن أقول إنّ هذه الجلسة وهذه القاعة، تشهد على نبل ماكي، وسأطلب منكم، الوقوف دقيقة صمت لروحها. فلنقف جميعاً”.
وأنا أبحث في تجربة جنوب إفريقيا عن العدالة الانتقالية، واجهتني مصادفةً قصة ماكي سكوسانا، فتابعتُ مركّزا البحث في كل المصادر حول ملابسات موتها. وكان أن عثرت على المقطع المصور الذي ينقل لحظاتها الأخيرة في الحياة وهي تُركل بالأقدام من رجال ونساء، لا تعتريهم أية شفقة، وتُرجمُ بالحجارة إلى أن يهمد جسدها وتبدأ النار بالاشتعال. بدا المشهد وكأنه “إعدامٌ طقوسيّ” معتاد. كان الناس حولها يصرخون بأشياء لم أفهم معظمها، لكن لم يكن من بينها “التكبير” بالطبع. كان الهتاف الأكثر تردداً “الموت للخونة”. وتصادف أن الموقع الذي نشر المقطع عام 2010، قد أتاح لرواده التعليق. وهنا كانت مفاجأتي الكبرى كسوريّ يقوده فضوله للبحث عن المشتركات البشرية.
يعلق أحدهم “لن يكون السود الهمج في جنوب إفريقيا أكثر من حيوانات ولصوص وقتلة”. ويضيف آخر “يوضح هذا المقطع فقط لماذا كان يجب ألا تُسلَّم جنوب إفريقيا لهؤلاء الوحوش الهمج. يجب على قوات الدفاع الجنوب إفريقية أن تنهض من جديد وتستعيد بلادنا. تباً لعالم التسامح”. إضافة إلى عشرات التعليقات المشابهة، كان هناك من كتب بلغة مختلفة “أنا لا أبرر أفعالهم، لكن ما أقوله هو أننا جميعاً بحاجة إلى النظر في جذور المشكلة، ألا وهي الظلم الذي دفع هؤلاء الناس إلى الانخراط في هذا العنف الشديد، إن بلوغ هذا المستوى من العنف يدل على أن هؤلاء الناس مروا بأوقات عصيبة. لديهم من الكراهية ما يكفي لنشرها حتى فيما بينهم”.
كان أكثر ما لفت نظري من بين التعليقات هذا التعليق الهادئ بنبرته “قد يحدث هذا لأي شخص، بغض النظر عن لونه. إذا استطاع اليهود الانتقال من المحرقة (الهولوكوست) إلى ما يفعلونه اليوم في (فلسطين)، فهذا يعني أن البشر قادرون على فعل أي شيء. إن الموت البطيء والمؤلم الذي عاناه اليهود أشد وحشية مما رأيتموه في هذا الفيديو. لن يتصرف أي شخص يُعامَل معاملة حسنة بهذه الطريقة، ولهذا السبب نحتاج إلى فهم جديد. لم يكن الأمر يوماً بسبب غباء الناس أو همجيتهم. فالجميع قادرون على مثل هذا العنف إذا تعرضوا للاضطهاد لفترة كافية”.
إثر الحادثة نُقِل عن القس “هنري مابانغا”، راعي الكنيسة الإصلاحية في دودوزا قوله “ما بدأ كنضال ضد نظام الفصل العنصري أصبح الآن صراعاً داخلياً بيننا، وهو يمزق مجتمعنا. ففي حين كان ينبغي للسود أن يتحدوا لإجبار هذه الحكومة على إنهاء نظام الفصل العنصري، فإننا ننقلب على بعضنا البعض. لقد ملَأَنا نظام الفصل العنصري بالكراهية، وهذه الكراهية تلتهمنا اليوم”. بينما وجه كبير الأساقفة ديزموند توتو نداء للسود بعد دفن سكوسانا سِرّاً في سويتو، البلدة السوداء الكبيرة قرب جوهانسبورغ “إذا كررتم هذا، فسأجد صعوبة في الدفاع عن تحريرنا. إذا كررتم الأساليب التي رأيناها في دودوزا، فسأجمع عائلتي وأغادر بلدي الذي أحبه بشدة. الحرية ستكون لنا، ولكن يجب أن تأتي الحرية بالطريقة الصحيحة”.
ولكن لماذا أكتب وأنقل عن الآخرين كل هذا؟ من خلال معرفتي البسيطة، أعلم أن جنوب إفريقيا خاضت أجرأ تجربة للعدالة الانتقالية. حيث بلغ التسامح حدوداً غير مسبوقة في أية حالة أخرى. ومع ذلك وبعد انتهاء لجنة الحقيقة والمصالحة من عملها عام 1998، سيعترف رئيسها الأسقف ديزموند توتو، الحائز جائزة نوبل للسلام عام 1984، بأن العدالة لم تتحقق بالصورة التي كان يأملها، وأن بعض مرتكبي الجرائم الخطيرة أفلتوا من المحاسبة الجنائية رغم عِظَمِ ما اقترفوه، عندما استوفوا الشروط القانونية للعفو مقابل سرد الحقيقة الكاملة. نعم كتبت ما كتبت هنا لأجل قول هذا، ولكن أيضاً ليقرأ ملابسات هذه القصة السوريّ المنخرطُ في الشأن العام، كلٌّ من موقعه ومن الوجه الذي يعنيه، علّها تقدّم إضافة بسيطة، وهي أن التصنيفات والتعميمات المهينة التي ينحدر إليها السوريون في حالتنا المعقّدة اليوم، بمن فيهم النخب والمثقفون من كل الأطراف، سوف تكون نوعاً قاسياً من العار المخجل لأبنائهم بعد سنوات.








