التقاعد الثقافي

فريق التحرير13 يوليو 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات

saeed* سعيد يقطين
في سنة 2005 أصدرت الحكومة المغربية قانونا يقضي بحصول الموظفين على تقاعد سابق لأوانه، مقابل امتيازات مالية مجزية، تحت عنوان «المغادرة الطوعية».
غادر الكثير من الأطر والكفاءات والأكاديميين في مختلف التخصصات مناصبهم مقابل الحصول على المال. ومن شعبة اللغة العربية وآدابها في الرباط، غادرنا أحد عشر أستاذا، كانت غالبيتهم من خيرة الأساتذة. وحين سألني أحد أصدقائي القدامى في الهاتف، وكان ممن غادروا: هل غادرت؟ أجبته ولماذا أغادر؟ قال للحصول على المال. فلم يكن جوابي غير: وماذا سأفعل به؟ فما كان منه سوى تغيير مجرى الحديث. أتذكر ما حدث منذ أحد عشر عاما، وأنا أتابع، الآن، ما يجري على المستوى الأكاديمي والثقافي العربي؛ وما كان عليه الحال في الثمانينيات وحتى التسعينيات، فأرى أن العديد من المغادرين توقفوا عن الإنتاج والعطاء، باستثناء محمد مفتاح الذي حصل بعد تقاعده على جائزتين عربيتين عن كتاب جليل حول النظرية الشعرية والموسيقى، وعن مجمل أعماله في تحليل الخطاب الشعري.
كان جوابي لصديقي القديم يتضمن جوابا آخر لم أصرح به لتحول مسار الحديث، وهو: ما العمل الجديد الذي يمكنني القيام به بديلا عن عملي الذي أحببته، وحلمت به منذ السنة الثانية إعدادي، وهو أن أكون أستاذا للغة العربية وكاتبا؟ من يحب عملا يتفانى في أدائه وخدمته. ومن جاء إليه بالصدفة أو لأنه لم يجد عنه بديلا لا يمكنه سوى أن يكون عاملا متذمرا ونافرا منه، ولا يخلص فيه أبدا. وأرى أن هذا سبب العطل الذي تعرفه الأعمال في الوطن العربي. إن أي مشتغل في أي مجال حين تسأله عنه، يرد بأنه لا يحب عمله.
أحد المغادرين، وجد نفسه بعد المغادرة مفتقدا عاداته القديمة، فصار يتردد على الشعبة يوميا، متدخلا في شؤونها كما كان يفعل. غضب أحد الحضور وخاطبه: أخذت الفلوس، لا مكان لك هنا؟ فما كان منه سوى أن غادر نهائيا، وانقطعت الخيوط التي كانت تربطه بالشعبة وعوالمها. بعض المغادرين كان لهم الحق في ذلك. فهم لم يعودوا قادرين على العطاء، لكن آخرين أغواهم المال فتقاعدوا، ليس إداريا فقط، ولكن ثقافيا أيضا. ولعل هذا ما كنت أقصده بالجواب الضمني لصديقي القديم: أجد حياتي في قاعة الدرس، وفي الانخراط في الكتاب، وفي الانشغال بالكتابة.
وأسعد لحظات حياتي حين أخرج من الدرس، وأنا أرى السرور في أعين طلبتي مما قدمته لهم، أو عندما تصلني كلمة محبـــة من قارئ لا أعرفه من خارج الوطن، فهل قارون يحمل مثل هذا الشغف؟
ليست المغادرة الطوعية المغربية وحدها التي أدت ببعض النبهاء والنجباء إلى التقاعد الثقافي، فالإعارة والهجرة خارج الوطن أدت بالكثيرين إلى الانغماس في تحصيل المال، وكان ذلك على حساب مواصلتهم المشاركة الفعالة في الثقافة العربية، وفي البحث الأكاديمي. سألت أحد الأصدقاء، وكان ممن أعير في بداية التسعينيات: لا شك أن إمكانيات البحث، والتجهيزات المتطورة المتوفرة هناك، التي نفتقدها في المغرب، جعلتك تنخرط في أبحاث متميزة وجادة وجديدة. فما كان منه سوى أن قال لي جوابا لن أنساه: إذا امتلأ الجيب، فرغ الرأس؟ لكن الرأس لا يفرغ فقط بسبب المال، ولكن أيضا بسبب عدم حب العمل، من جهة، وبغياب مشروع علمي يشتغل به المثقف أو الأكاديمي، من جهة ثانية.
لا مكان للمغادرة الطوعية، في بعض الجامعات العربية، وإنما هناك تعاقد سنوي مع المتقاعد يتم بمقتضاه العمل المتواصل حتى الممات؟ لا مشاحة في أن هذا التعاقد إيجابي، وفيه اعتراف بالباحث. لكن إذا كان هذا الأستاذ بلا مشروع مستقبلي، ويكتفي بتقديم محاضراته ومعلوماته التي مرت عليها عقود كثيرة ولم تتجدد، يصبح التعاقد هنا سلبيا، لأنه يحول دون تجديد دماء الجامعة بالشباب الذي يتوفر على مؤهلات مغايرة وجديدة. لذلك يمكننا الذهاب إلى أن بعض الأساتذة يتقاعدون ثقافيا، قبل أن يتقاعدوا إداريا. وهؤلاء يمسون بلا فائدة، لأنهم يصبحون موظفين يؤدون واجبا وظيفيا لا يتلاءم مع وظيفتهم التي تستدعي المواكبة والمتابعة لما يجري في الساحة الثقافية والأكاديمية.
حين أقرأ الآن بعض المقالات أو الكتب العربية لأقلام كانت لها مساهمتها الإيجابية في الحقلين الثقافي والأكاديمي العربيين في وقت سابق، أجدها توقفت عن التطور، وأنها ما تزال تستعمل رأسمالا معرفيا متجاوزا.
فأجدني أقول: هذا هو التقاعد الثقافي. وكما أن التقاعد الإداري يعفي المتقاعد من الاستمرار في الوظيفة، أتساءل: من يمكن أن يقول للمتقاعد الثقافي: كفى. أخذت التقاعد الثقافي، ولا مكان لك هنا: أي في الساحة الثقافية؟ وفي الوقت نفسه، يمكن القول للمتقاعد الإداري، غير المواكب والمجدد لنفسه ولثقافته، أخذت التقاعد الإداري الآن، وأنت متقاعد ثقافيا منذ أزمان، سنعطيك التقاعدين معا، ولا مجال للتعاقد نهائيا.
محمد مفتاح، عبد الله العروي، عبد الله الغذامي.. وآخرون تقاعدوا إداريا، ولكنهم لم يتقاعدوا ثقافيا. إنهم حملة مشاريع، وانخرطوا في العمل حبا، وواجبا وطنيا وإنسانيا، ولذلك هم يواصلون العطاء، ويجددون أنفسهم باستمرار.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة