دور الشباب في المرحلة الانتقالية – سوريا

فريق التحرير6 يوليو 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات

تجمع ثوار سوريا
* عهد زرزور
ورقة عمل مقدمة لندوة: مازق الثورات العربية ومآلاتها من منظور الشباب وخبرته

مقدمة:

امتدت الحالة الثورية في سوريا خمسة أعوام حتى تاريخ اليوم مترافقة مع قمع دموي إثر المطالب بإسقاط نظام حكم الأسد، كانت المرحلة خالية من اي اسقرار سياسي مع محاولات متكررة لبناء جسم سياسي من المفترض أن يمثل المعارضة أو حكومة بديلة.
تبقى المرحلة الثورية مع امتدادها لا تخلو من مراحل انتقالية تتخللها، غيرت من مسار ومفاهيم وآليات واستراتيجيات شبابها على الصعيد الثوري والتنظيمي والفكري، من المجحف المساواة بين السنوات ودمجها بمرحلة توصيفية واحدة، الثورة السورية إحدى ثورات الربيع العربي التي حقّبت نفسها من خلال المراحل المتمايزة التي كونتها.
الشباب السوري كفاعل رئيسي كان له دور في تسيير خط الحراك وأدواته كما اقتضت المرحلة وتقتضي أو كما أوجبت توجهاته الفكرية والثورية.

1- مرحلة تنسيق الحراك

بدأت الاحتجاجات بشكل عفوي غير منظم خروجاً من الجامعات والمساجد وشملت جميع مناطق سوريا مشاركاً بها جميع فئات المجتمع ( شباباً وأطفالاً وشيوخاً).

تمثّل الجانب التنظيمي للمظاهرات في تنسيقيات شبابية غلب فيها جيل التسعينات كمجموعات عمل متمردة سرية غير مأدلجة نظّمت نفسها ميدانياً في محيط ضيق وآمن، تسعى بشكل رئيسي لكسر حاجز الخوف وتنسيق ادوات التظاهر وتغطيته إعلامياً وتوثيقه، حين وُضع شباب التنسيقيات في مأزق المكان تجمع في “السوشال ميديا”على شكل مجموعات افتراضية تخطط وتلتقي وتنفّذ الحدث واقعياً، وحُلّ مأزق الزمان في قدرة التنسيقيات على خلق ورشات سريعة وآنية تستطيع أن تنجز مهمتها وتختفي.

تطورت مساحة التظاهرات ليتسع المكان وتتشكل تنسيقيات على تجذّر عالي وارتباط بالجغرافية سواء في الأنحاء الريفية والقرى أو في احياء المدن تشكلت في ذروتها أكثر من 80 تنسيقية، جمع الكثير منها ضمن مبادرة تسمى باتحاد تنسيقيات والتي تهتم بتمثيل العمل الثوري إعلامياً وسياسياً، وأخرى تسمى لجان التنسيق المحلية التي زاد عدد أعضائها من التنسيقيات على 41 تنسيقية. هذه التجمعات المتفرقة والمتوحدة في تيارها الفكري تشكّل العمود الفقري للثورة السورية في بداياتها والاطار الناظم للحراك المدني الذي ما زال مستمراً حتى الآن.

في نقطة فارقة وبعد إعلان تشكيل الجيش السوري الحر في 29 تموز 2011 تغيرت المعادلة بالنسبة لكثير من الشباب، نسبة كبيرة ممنن حملت المظاهرات تحولت إلى الحل العسكري فخلق هذا تبايناً بين اتجاهين شبابين، منهم المحافظ على قيم نظرية وعملية تبشر باللاعنف وجدوى الحل السلمي واتجاه آخر آمن بضرورة إيجاد حل عسكري قاسي يتبنى مفاهيم الثورة بالسلاح والدفاع عن النفس وينادي بحرب تحرير كسبيل أول للخلاص، ظل التيارين على تماس سائرين بنفس الاتجاه.
حتى وقت تحرير المناطق في نهاية 2012 أصبح هناك حاضنة آمنة من بطش تنظيم الأسد ومن التضييق الامني على العمل المدني الثوري وخلقت بيئة خصبة لعمل بعيد عن التخفي، حيث ضاقت المدن الرئيسية بالشباب القادر على الحراك والتأثير.

2- مأسسة العمل الثوري

تطورت التنسيقيات لتكون أكثر تخصصاً وجدلاً ودخلت في تجمعات سياسية ككتل ثورية شبابية، أصبح هناك مأسسة للعمل الثوري ليتحول إلى كيانات مدنية ومنظمات بسبب الحاجة إلى توسيع المبادرات والورشات الثورية من خلال التواصل مع مؤسسات المجتمع الدولي وتطوير مشاريع، توفّر الدعم من قبل منظمات ودول كحصص مساعدة من دول أصدقاء سوريا.

بلغ عدد المبادرات المدنية الحالية ما يقارب 1012مبادرة سورية مستقلة توزعت في الداخل السوري والخارج، تعتبر دول الجوار (لبنان، الأردن، تركيا) من المناطق الحاضنة والغنية بجهات العمل المدني السوري مع تفاوت التسهيلات في كل منها للعمل، حيث بلغ عدد الجهات المدنية ما يقارب 109 منظمة 61 % منها في تركيا و 17 % في لبنان توزعت اختصاصاتهم في قطاعات أهمها الإغاثة والمجموعات المدنية.

أسباب عديدة جعلت من دول الجوار حاضن رئيسي لشباب الثورة، سواء العنف الممارس عليهم من قبل النظام، وظهور داعش الذي يستهدف رموز العمل المدني والعسكري كما في المنطقة الشرقية والجزيرة وشمال حلب، ومجموعات اسلامية أخرى متشددة في مناطق إدلب تعمل على اغتيال الناشطين وخطف الإعلاميين وإغلاق المؤسسات المستقلة فشكلت هذه المنظمات بيئة يستطيع شباب الثورة الهروب إليها مع بعض الكمائن التي واجهوها من اعتقال وتهديد وتتبع.

لم تكن الحالة التنظيمية حرة بالمطلق، شروط الممولين المعروفة على الجهات العاملة ابتداء من السيطرة على السياق الثوري الذي تتناوله المنظمة إلى احتكار مصطلحات الثورة والتضييق عليها، أدت أحياناً إلى ردات فعل من قبل النشطاء حيث أطلقوا حملات لانتقاد الممول وشروطه وسلوك الكثير من النشطاء خطاً يخضع لهذه الشروط، كما في حملات مدنية مستهزئة من تأثير الممول وكلمته الأعلى.

لا يمكن لنا ايضاً أن نغيّب المنظمات التابعة لرجال الأعمال ممن يحملون وجه آخر للنظام، استطاعت أن تستقطب الكثير من الشباب الحيادي المتواجد في مناطق النظام والذين خسرتهم الثورة بالضرورة لعدم تواجد استراتيجية تتيح لهم المشاركة في عمل مدني وإنساني دخول خطوط النظام الحمراء، على الرغم من وجود محاولات حثيثة سابقة من بعض التجمعات كتجمع أيام الحرية على صياغة صلة وصل دقيقة وخفية داخل مناطق النظام .

في الراهن، وبالرغم من قدرة الشباب على خلق حامل مدني للثورة من خلال منظمات سورية، لا يوجد غطاء سياسي موحد أو جسم يتيح فرصة للشباب بعدم التوجه إلى التمويل الخارجي أو التبعية الضمنية، عدا عن مشاركة الشباب الضعيفة في المحاولات التي تعنى بخلق كتل سياسية موحدة وغالبا ما يترك الدور لسياسيين السابقين وللولاءات الدولية المسبقة والمعروفة.

يختلف الأمر بالنسبة للمجالس المحلية فقد وفرت حالة التحرر من سيطرة النظام لبعض المناطق بيئة مواتية للمجتمعات المحلية لتنظيم شؤونها بعيداً عن تدخل السلطة المركزية انعكست بعلنية بتشكل المجالس المحلية والتي تعد تجربة ناجحة في الإدارة المدنية كبديل للسلطة، في مراكز صنع القرار الداخلي يغلب على تشكيلة المجالس المحلية مكون وجهاء البلد والشريحة العمرية بين (30-40)، وغياب تمثيل المرأة بحيث لا تتعدى نسبة مشاركتها 4% بين أعضاء المجالس.

3- النخب الشبابية

بالبداية تشكلت ملامح رفض لسلطة من الأعلى اياً كان شكلها، بالمقام الأول سلطة الاستبداد السياسي والمتعاقد مع التجاري والديني والثقافي بالضرورة.

تتعالى الثورة على أي تيار أيديوبوجي أو فكري وتستقطب أفكارها من العمل الدائب والمتواصل منذ اندلاعها في فلسفة خاصة شكلت قيمها الرئيسية والتي لا يمكن لثائر أن ينكرها، الكرامة والحرية والعدل.

في عام 2012 بدأت تظهر ملامح لتيارين رئيسيين بين الشباب وبعد ان كانت الصيغة الرئيسية الرافضة للنظام والمركزية توحد الحراك الشبابي الثوري؛ بدأ يظهر التباين في كل نقاش بين “إسلامي وعلماني” بالمعنى الواسع غير المحدد وغير المعرّف، انطوى تحت مصطلح “إسلامي” كل سلفي جهادي إخواني صوفي وغيره من التعريفات الواسعة والمتمايزة، وتحت مصطلح “علماني” كل يساري قومي اشتراكي وغيره من الايديولوجيات اللادينة بالضرورة، التوصيف نسبة إلى تدين الشخص من عدمه أو انتمائه العسكري للثورة أو أفكاره الللاعنفية نحوها.

في منعطف آخر كان لبعض الحوادث البسيطة أثر جذري على الاختلاف الايديولوجي بين الشباب في حين تبنى بعض الشباب هتاف ” يالله بدنا غيرك يالله” يحاكي هتاف “يالله مالنا غيرك يالله” أدى إلى انقسام العديد من الشباب في تأييد حرية الإلحاد أو الوقوف ضد الاستهزاء بالأديان، في داخل التنسيقيات كان هناك الكثير من الخلافات التي عملت على انفصال طرفين بشكل حاد بداية، ظل التمايز حتى هذه الإيام بشكله المجرد غير الدقيق إطلاقاً مع ذوبان أغلب الأيديولوجيات في الأحزاب القديمة والتيارات السياسية.

خاتمة

لا يزال العمل المدني مستمراً بالتوازي مع العمل العسكري والمفاوضات السياسية ولا يمكن للثورة أن تستمر بدون هذه الحوامل الرئيسية، وسيبقى تشكيل كيان موحد يجمع المنظمات المدنية و كيان آخر يجمع الكتائب العسكرية و كيان مستقل يوحّد التجمعات السياسية تحت راية وطنية، مكسب للثورة السورية بجميع شرائح فاعليها، لضمان مستقبل متوازن للعمل الثوري مع استمراريته.

ولقد بات مطلوباً بشكل ملح إعادة النظر في الشكل الهوياتي للتيارات الفكرية الحديثة فيما بعد الثورة من خلال المجتمع وشرائحه التي تأثرت على جميع الأصعدة، إما بالعمل على تشكيل كيان يعيد تهيئة المصطلحات من داخل تجربة الثورة السورية، أو من خلال تفعيل النقد الذاتي وإعادة المراجعات من وجهة نظر الثورة السورية.

________________________________________________

مراجع:
1- اتحاد تنسيقيات الثورة السورية http://www.syrcu.org/

2- لجان التنسيق المحلية http://www.lccsyria.org/ar/

3- مواطنون لأجل سوريا، تقرير المرحلة الأولى من مسح الحراك المدني، https://citizensforsyria.org/ar/

4- في استطلاع رأي المجالس المحلية، مركز عمران للدراسات، https://www.omrandirasat.org/

* ورقة عمل مقدمة لندوة: مازق الثورات العربية ومآلاتها من منظور الشباب وخبرته

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: الدوحة\15-16 كانون الثاني يناير 2016

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة