“المْقَصِّرْ والمْقَنْبِرْ” وسترات فرنسا الصفراء

2018-12-25T19:29:36+02:00
2018-12-26T20:17:09+02:00
آراء
نزار غالب فليحان25 ديسمبر 2018آخر تحديث : منذ سنتين
“المْقَصِّرْ والمْقَنْبِرْ” وسترات فرنسا الصفراء
48957882 2059567060793776 4736275993117851648 n e1545759194286 - حرية برس Horrya press

“مْقَصِّرْ ومْقَنْبِرْ” مثل يطلق في بلادنا على من لا يعمل وبالتالي لا ينتج ولا يضيف، لكنه في ذات الوقت وبعنجهية سافرة لا يكف عن التذمر وإبداء اللوم والملاحظات بحق من يعملون.

هكذا بدا حال الشامتين بفرنسا هذه الأيام، يلومون الرئاسة الفرنسية على تقصيرها في تحقيق رغبات المواطنين، ويلومونها على التعامل “القمعي الأمني” مع المتظاهرين، ويَدَّعون أن “الكارما” تنفذ مشيئتها بمن تدخل في شؤونهم، إلى الحد الذي جعل البعض يخرج على شاشات التلفاز بلفحة صفراء زاعماً التضامن مع تطلعات ومطالب الشعب الفرنسي المحقة.

في هذا الإطار لا بد من التأكيد على أن فرنسا كدولة عظمى لا تخفي ولا تنفي أنها تتدخل في شؤون الدول التي تسعى أن يكون لها نفوذ فيها، كما لا بد من التأكيد على أن ما يجري في فرنسا من حراك شعبي إنما هو تحصيل حاصل للصراع بين رأس المال والطبقة العاملة في انعكاس مثالي و منطقي –بل بديهي- لمعايير إقتصادية لا يمكن أن تتفاعل وتفضي إلى نتائج لا مفر منها –بل ومحرجة وقاسية- إلا في دولة صناعية تعتمد في نموها وتطورها على اقتصاد تشغيلي حقيقي لا ريعي وفوضوي، دولة تعتمد في إدارتها لشؤونها على دراسات وبحوث وإحصائيات لا دولة تعتمد العشوائية والارتجال والمحسوبيات والنفوذ، في دولة تطبق نظاماً ضريبياً بالغ الدقة والحساسية يعي من خلاله المواطن مسؤولياته والتزاماته وحقوقه من جهة، ومن جهة ثانية تعكسه الدولة المديرة خدماتٍ وحمايةً ورعايةً وحفاظاً على كرامة مواطنيها، في تناغم سرعان ما يختل حال اختلال أحد معايير إدارة البلاد.

لكن هذا الحراك الضرورة في فرنسا وشبيهاتها من الدول الفائقة إقتصادياً يتم نهاية الأمر تداركه في نطاق دستور مكين لا يُمسُّ ولا يُخدشُ، ومن خلال قوانين تعالج مطالب الطبقة العاملة من جهة وتحفظ لرأس المال حرية حركته ومرونة نموه من جهة أخرى، كل ذلك يجري في توافق تحكمه مصلحة الدولة وإرادة الشعب، مع ميل جلي للحفاظ على النمط الرأسمالي.

لذلك كان ينبغي على من تندر وشمت وانبرى في التحليل والتذاكي أن لا ينسى كيف أتى ماكرون إلى رأس هرم السلطة في فرنسا، وأن يعي الآلية السياسية التي تُحكم بها فرنسا، وكم هو كبير هامش الحرية في التعبير عن الرأي في فرنسا، وأن يتذكر أن الشارع في فرنسا ومثيلاتها من الديمقراطيات العريقة هو ملك للشعب، وأن المناصب في فرنسا ومثيلاتها من الديمقراطيات العريقة هي وظائف وليست امتيازات، هي مسوؤليات تمارس سلطات لا تتعدى حدود القانون، لا قبضة تحتكر كل السلطات وتدوس على القانون دون أي شعور بالمسؤولية، هي تكليف وليست تشريفاً، هي مناصب ينالها الجديرون والأكفاء لا المحظيون والمطبلون.

كان ينبغي على من تندر وشمت وانبرى في التحليل والتذاكي أن يدرك أن الحرية عندما تكون ثقافة متأصلة إنما هي قيمة مصانة مقدسة لا يمكن المساس بها أو إقصاء من يطلبها، وأن الحرية هي النهج اليقيني الذي يجب أن يترسخ ويعلو فوق كل القيم.

كان ينبغي على من تندر وشمت وانبرى في التحليل والتذاكي أن يصاب بعدوى أصحاب السترات الصفراء لا أن يلوذ بالشماتة بحكومة ماكرون، وأن يعي أن الشارع ومالكه – الشعب – هما عُدَّة التغيير وسبيل إعادة إنتاج الوطن من جديد.

وكان ينبغي على من ظلَّ يعوِّلُ على ضرورة وجود أحزاب تؤطر مسيرة أي حراك شعبي أن يدرك أن حركة السترات الصفراء لم تملك من التنظيم سوى لون ستراتها والهم المشترك الذي يجمعها، ولم يتجرأ حزب واحد على ادعاء أنه منخرط فيها أو قائد لها، إنها حركة شعبية بامتياز كفرت بكل التنظيمات والأحزاب والتكتلات ، واكتفت بقوة حقها وسطوع حقيقتها وسارت عاريةً من كل أيديولوجيا لتكون جامعة ومانعة، جامعة لعديد الشغيلة والعمال وأفراد الطبقة الكادحة دافعي الضرائب ومانعة لكل زعم بانتمائها أو احتوائها.

لذلك كان على المُقَصِّرِ ألا يُقَنْبِرَ، وأن يترك غيره يعمل ما دام لا يريد العمل.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة