يوميات مستشفى ميداني -2- تبرع بالدم

2016-05-27T11:58:08+03:00
2016-05-27T12:48:12+03:00
آراء
فريق التحرير27 مايو 2016آخر تحديث : منذ 5 سنوات
يوميات مستشفى ميداني -2- تبرع بالدم
feras.allawi

* فراس علاوي
أن تكون طبيباً أو ممرضاً فذلك يجعلك بمكانة مرتفعة، بمصاف الإنسانية، وتلامس شغاف قلوب الناس لتتحول إلى ملاك للرحمة.
أن تعمل على إنقاذ أرواح البشر مهنة تكاد تسمو على معنى البشرية لتنطلق لعنان السماء.
في زمن الحروب يزداد هذا التماهي مع الإنسانية رغم الألم والجراح، رغم الموت المنتشر في أزقة الخراب، رغم تناثر الأطراف، يبقى لهذا العمل خصوصيته.
الإنسانية كلٌّ لايتجزأ، وليس الطاقم الطبي وحده من تقتصر عليه هذه الصفة، هناك من هم إنسانيين أكثر، يحملونها جيناً في مورثاتهم.
كانت أكبر مصاعبنا في المشفى الميداني هي تأمين وحدات الدم للمصابين، والذي كان بعضهم يحتاج لأكثر من وحدة، يصل بعضها لعشرة أو أكثر حسب شدة النزف.
كان الناس بمجرد سماعهم نداء طلب التبرع – وكنا نستخدم مآذن المساجد وأجهزة الاتصال اللاسلكية (الهايتات) من أجل إبلاغ الناس – كانوا يتهافتون بل ويتسابقون للتبرع بدمائهم لأبنائهم المصابين، وأبنائهم هنا تعبير مجازي، فقد كان أي منهم يعتبر كل مقاتل هو ولده أو أخاه أو قريبه، هكذا كانت الروح.
لكن ماجرى ذلك اليوم كان استثنائياً، استثنائياً بمدلولاته الروحية والإنسانية، شيء يكاد يصل مستوى الاحلام.
كانت الإصابات كثيرة والأهالي يتبرعون بدمائهم حسب الزمر المطلوبة حين دخل أحمد بقامته الجميلة وابتسامته الرائعة، أحمد المقاتل والقائد الذي يحبه الجميع، صاحب الوجة الجميل والكلمة الظريفة، وصل برفقة عناصر من كتيبته والذين هم أبناء عمومته.
كانوا بلباسهم الميداني وآثار التعب بادية عليهم، فقد عادوا للتو من جبهات القتال، كانت معركة كبيرة استمرت النهار بأكمله دون أن يتناول المقاتلون شيئاً من الطعام.
جاء أحمد ورفاقه للتبرع بدمائهم لرفاقهم الذين أصيبوا وهم يقاتلون إلى جوارهم، لم تكن تربطهم أي رابطة سوى رابطة رفقة السلاح.
قالها أحد زملائنا في المستشفى للمقاتلين: أنتم لم تأكلوا والتعب واضح عليكم فلا تتبرعوا اليوم.
لكن الجميع أصر على التبرع.
أحمد صاحب الكلمات الجميلة قالها بما يشبه النكتة: “خلينا نتبرع بدمنا أحسن مابكرا يروح بالأرض بس نستشهد”!
ضحك الجميع وتبرعوا، حتى أحمد الذي أحس بشيء من الدوار بعد التبرع جلس مبتسماً.
وهو لا يعلم أن كلماته هي نبوءة تحققت بعد عدة أيام حين روى تراب بلدته بدمائه في حادثة استشهاد شبه أسطورية.
أحمد الجيجان شقيق وأبن عم لأحد عشر شهيد من عائلته.
قصة أخرى حدثت ذات ليلة، وقد طلب منا الاستنفار على عجل فهناك إصابات قادمة إلينا من الجبهة.
كان زملائي على أهبة الاستعداد لأي طارئ قد يحدث، الجميع يعرف مهمته، الشيء الوحيد الذي لم يكن بالحسبان أن المصابين اللذين وصلا إلينا هما من زمرة دم واحدة، وهما أقارب، كان براد المستشفى يحتوي على جميع الزمر وبكميات جيدة، وحدها الزمرة النادرة (O) سلبي كانت قليلة ولسوء حظنا كان المصابان من ذات الزمرة.
من خلال خبرتنا بسبب عملنا الطويل تمت المناشدة على الاجهزة للتبرع لكن من يحملون هذه الزمرة قلة، وإن كانت الأسرة التي زمرتها نفس هذه الزمرة قد جاءت إلى المشفى من قبل ووضعت عنوانها ورقم تلفونها من أجل التبرع عند الحاجة.
بالفعل تم الاتصال بالأسرة وقدم أفرادها ومعهم امرأة أخبرنا الشباب أنهم تبرعوا مرتين هذا الشهر مع العلم أن النظام الطبيعي للتبرع هو كل ثلاثة أشهر لكن في حالات الطوارئ كنا نستثني هذا الأمر.
المرأة كانت الوحيدة التي تبرعت منذ ثلاثة أشهر، عندها قرر الزملاء أخذ وحدة دم منها.
وبعد صعودها على الطاولة لاحظ الممرض المسؤول عن تبرعها أنها حامل، عندها قال لها: لايجوز أن تتبرعي لانك حامل.
لكنها أصرت، حاولنا معها وأخبرناها أنها قد تعرض جنينها للخطر، لكنها قالت: إنقاذ شاب أولى من جنين قد لايتأثر!
لكن أمام إصرارنا ورفضنا لتبرعها خرجت من المشفى وهي حزينة، وتستحلفنا أننا إن لم نجد متبرعين أن نتصل بها، مع الملاحظة أن ماجرى كان الساعة الثالثة فجراً والطيران يملأ السماء والمستشفى أولى النقاط المستهدفة.
جزء بسيط من حالات كثيرة تجعل الانسان عاجزاً أمام مثل هذه التضحيات التي فاقت تصور البشر!
ثورة هذه حاضنتها لن تتراجع .. ولن تسقط .. وستنتصر بإذن الله.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة