عبقرية الشيخوخة

ثقافة
فريق التحرير3 نوفمبر 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
02qpt998

*إبراهيم نصر الله

تدهشكَ دائما تلك الحياة المتجددة في عدد من الفنانين الكبار الذي يواصلون تقديم الجديد الباهر رغم بلوغهم ما ندعوه نحن: أرذل العمر! يدهشك تجدّدهم، وقدرتهم على أن يفتنوا حتى الشباب، في زمن تغيرت فيه معايير الجمال، وتنوّعت، واتسعت الفجوة بين الصغار والكبار على نحو مريع.
يدهشك خوضهم على المستوى الفني في التجريب، فنيا، والتنوّع، على صعيد المواضيع، فكريّا، وخوض المنافسة الإنتاجية والتفوق على أكثر الشباب مغامرة.
يحضر من هؤلاء أول من يحضر المخرج الياباني الكبير أكيرا كوروساوا الذي ظل يقدم أعمالا فنيا تهز الواقع السينمائي في كل أنحاء العالم، ولعل فيلمه (أحلام كوروساوا) الذي أخرجه في نهايات حياته، والذي استند فيه إلى عدد من أحلامه الشخصية، نموذج فريد في سينما مختلفة، ساحرة، أخّاذة، ولعل كل من شاهد الفيلم لن ينسى حلمه، المنفّذ سينمائيا بإبداع منقطع النظير، عن الرسام فان كوخ وهو يتجول داخل لوحاته. وخلف هذا الفيلم أفلام عبقرية، لم تترك أثرها على السينما اليابانية وحدها، بل على السينما العالمية، وربما ليس هناك فيلم ترك أثرا واسعا، مثل فيلمه (الساموراي السبعة) الذي أخرجه في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وتم اقتباسه في سينمات العالم بصور مختلفة، وقلّدته هوليوود عشرات المرات، كان آخرها (العظماء السبعة) هذا العام، من بطولة النجم العالمي دينزل واشنطن.
على الجهة الأخرى يبرز اسم المخرج العالمي مارتن سكورسيزي الذي يواصل عمله كواحد من أبرز مخضرمي السينما، منذ أن قدم فيلمه (سائق التاكسي) من بطولة النجم العالمي روبرت دي نيرو، واستمرا معا كأشهر ثنائي في تاريخ السينما، ربما، قبل أن يبدأ عمله مع النجم ليوناردو دي كابريو، حيث استطاع أن ينتزعه من الصورة النمطية التي ترسخت في فيلم (تايتنك) بالانعطاف به نحو الأدوار المركبة، والتي كان أولها فيلم (عصابات نيويورك) لتتبعه أفلام باتت اليوم من علامات السينما مثل: الجريزة المغلقة، الملاح، الراحلون، ذئب وول ستريت.
وإلى جانب سكورسيزي يقف على المستوى نفسه، الممثل العالمي كلينت إيستوود، الذي عمل في الإخراج مبكرا، فقدم عددا من أهم أفلام الويسترن، كان أبرزها (عديم الرحمة) الذي أهّله للفوز بجائزة الأوسكار، وقبله فيلم (بيرد) من بطولة فوريست ويتكر، الذي حصد جائزة كان، وأفلام كبيرة مثل (النهر الغامض) و (فتاة المليون دولار) و (رايات آبائنا) و (رسائل من إيوو جيما) ولعل الفيلمين الأخيرين من أبدع ما قدمته السينما على مستوى النظر إلى الجانب الآخر للأحداث، ففي وقت كان فيها الفيلم الأول مكرّسا للأبطال الأمريكان، وفاضحا لهم، في حربهم فوق تلك الجزيرة اليابانية، استدار إيستوود بالكاميرا إلى الجهة الأخرى وصور حياة اليابانيين المدافعين عن تلك الجزيرة في الفيلم الثاني، وبذلك قدم المعادلة العادلة، للمهاجمين والمدافعين، أو قدم وجهَي الحرب في المعركة الواحدة التي خاضها الطرفان، وصولا إلى فيلمه الأخير Sully من بطولة النجم الأبرز توم هانكس.
لم يتردد إيستوود في خوض غمار مواضيع اجتماعية وحربية وتشويقية، كما لو أنه لم يزل في ثلاثينيات عمره، ولعل ما قاله وهو يتسلم جائزة الأوسكار، مداعبا الجمهور، يوضح تلك الطاقة الكبرى التي تسكنه: أظن أنني لن أموت قريبا، فأمي قد بلغت المئة وهي تتمتع بصحة جيدة، ولذا فإنني سأكون مضطرا للظهور في مثل هذه الاحتفالات إلى زمن طويل!
يمكن للمرء أن يمضي في الحديث عن مخرجين من هذا النوع، مثل جون بورمان، وديفيد لين وإيليا كازان، وكين لوش الذي اختطف جائزة مهرجان كان الأخيرة، وأليخاندرو جدوروسكي صاحب التحفة السينمائية (رقصة الواقع) التي أخرجها وأدى دورا فيها وهو في الثالثة والثمانين من عمره، ساردا سيرة ذاتية لا شبيه لطريقة سردها. ويبدو أن سبيلبيرغ سيكون واحدا من هؤلاء الذين يواصلون العمل بتفوق، وتَعِدُ تجربتهم المشاهد بأعمال كبيرة مقبلة.
في المقابل، وعلى الطرف الآخر من عبقرية الشيخوخة، يُفاجأ المرء بطاقات إبداعية كبرى غيرت السينما، وقدمت تحفًا، تحوّلت إلى كلاسيكيات كبرى، لكنها لم تستطع مواصلة تقدّمها بالوتيرة ذاتها، وأول اسم يحضر في هذا المجال: فرانسيس فورد كوبولا، مخرج التحفة السينمائية: العراب، الذي قدّم جزءا ثانيا جيدا للفيلم، ثم اختتم الثلاثية بفيلم أقل شأنا، وعاد وفاجأ العالم بتحفة أخرى هي (القيامة الآن) مستندا إلى رواية جوزيف كونراد الشهيرة (قلب الليل)، قبل أن يبدأ تراجعه الذي استمر بلا انقطاع حتى الآن!
ذات يوم سألت الراحل الكبير الدكتور إحسان عباس عن سرّ تراجع كثير من الأدباء العرب، بعد وصولهم لسن الشيخوخة، من شعراء وقصاصين وروائيين، مع أن تجربتهم الحياتية تصبح أغنى، وثقافتهم تتسع، وخبراتهم تزداد، إلا أن بعض أعمالهم في سنوات شبابهم، ظلت هي أفضل ما أنتجوا من أعمال، فردّ مستعينا بقول أحد الكتاب: إن الخبرة تزداد والثقافة تتسع، ولكن، أين هي تلك الجمرة التي كانت تتقد في القلب؟!
هل هو الشغف إذن، يخبو عند البعض ويتواصل متّقدا في أرواح وقلوب الآخرين، بحيث يواصلون العيش، لكنهم لا يواصلون الحياة؟! وليس هذا في مجال العاملين في الفن، بل في قلوب كل البشر؟!
وبعد:
تركَ الروحَ لجبهاتِ الخيولْ
قدميه.. لرقصٍ يبعثُ الرغبةَ في الأرضِ لكي تَخْضَرْ
عينيه.. لآخرِ المدى
صوتَهُ.. لديوكِ الفجر
ألعابه الصغيرةَ المفخخة.. للشيوخ
يديه.. للعبثِ الطفوليِّ بمهابةِ الحِكمةِ الباردة
قلبَهُ، لامرأة أوقفتهُ عند حدِّه حين أحبته
وقالت: لا تكن منـزليًّا كالأواني .. ورحلتْ
… وهكذا، حين سِرْنا في الجنازة
كانَ تابوتُه فارغًا!!

المصدر: القدس العربي

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة