
لا تُقاس المسافة بين الإنسان ووطنه دائماً بالكيلومترات، فأحياناً تكون أقرب مما نعتقد وأبعد مما نحتمل في الوقت نفسه، إذ يمكن للمرء أن يعيش في مدينته، في الحي الذي كبر فيه وبين الوجوه التي يعرفها ومع ذلك يشعر باغتراب وكأن هناك حاجزاً غير مرئي يفصله عن كل شيء.
إن هذه المفارقة ليست شعرية فقط، بل تجربة يومية عاشها السوريون خلال السنوات الأخيرة، مثل أن تكون في مكان ما جسدياً لكنك في مكان آخر معنوياً، أو أن تضطر للهجرة والسفر لكنك تعجز عن المغادرة بروحك.
لم يكن مفهوم الوطن كما عرفته الشعوب أو كما عرفه السوريون على وجه التحديد مكاناً مجرداً، إنه تراكم من الذاكرة والإحساس بالأمان واللغة المشتركة، وهو مساحة مشتركة مع الآخر يتضمن تفاصيلاً قد لا ننتبه لها إلا حين نفقدها، وهذا ما يسمى الانتماء.
في سياق زمني معين اهتز شعور السوريون بذلك الانتماء حين ارتبطت البلاد باسم السفاح الذي حرم السوريين حياتهم الطبيعية وصارت البلاد لبعضهم سجناً في حين حُرم بعضهم الآخر من البقاء فيها، لكن المسافة المعنوية التي نعنيها لم تكن نتيجة للتهجير القسري فحسب، وإنما نتيجة للتحول العاطفي في علاقتنا مع البلاد، فقد تشكلت بيننا وبين بلادنا مسافة شوهت ملامح البلاد في ذاكرتنا وأصبحت لا تشبه ذاكرتنا عنها، بتنا نشاهد شوارع مدننا في نشرات الأخبار وعلى وسائل التواصل وكأننا لم نسكنها يوماً، وربما كان ذلك انعكاساً لتغيرنا إذ لم يعد أحد منا الشخص ذاته الذي عاش هنالك في يوم من الأيام.
تلك المسافة غير المرئية والفاصلة بين الحقيقة والذاكرة، منعتنا أيضاً وإلى حد كبير من الاندماج في مجتمعاتنا الجديدة ، لقد كان الأمر أشبه باقتلاع نبتة من تربتها وزرعها في تربة جديدة غير أن خصائص التربة الجديدة لم تناسب ذلك الجذر.
كل شيء يكون أكثر وضوحاً في مساحات الأمان تلك حيث الوجوه لا تتبدل والأماكن لا تُهدم، والقصص المكتملة التي تركت أثراً طيباً، لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الذاكرة كلما أصبحت أكثر حميمية ازدادت قسوتها..
لا يقتصر شعور الاغتراب ذلك على من غادروا البلاد بشكل فيزيائي، كثيرون على سبيل المثال لم يغادروا سوريا، لكنهم شعروا أنهم فقدوا علاقتهم بها، ليس لأنهم توقفوا عن حبها، بل لأنهم لم يعودوا قادرين على التعرف عليها كما كانت في داخلهم، ففي لحظات التحول الكبرى يتعرض الإنسان لصدع داخلي ليصبح ما كان راسخاً هشاً، وما كان بديهياً موضع شك، ويتحول الوطن الذي كان إطاراً واضحاً للهوية، إلى سؤال مفتوح يعيد تشكيل هويتنا وفقاً لمعطيات الجديدة.
تلعب الذاكرة هنا دوراً مزدوجاً أنها من جهة تحفظ صورة معينة للوطن في داخلنا ما يمنعنا من فقدانه بالكامل، ومن جهة أخرى تخلق الفجوة، لأنها تثبّت صورة قديمة لا تعود مطابقة للواقع، لنعيش بين صورتين: واحدة نحملها في داخلنا، وأخرى نراها أمامنا، وبينهما تتسع المسافة.
بالنسبة لنا وفي تجارب كثيرة توقف الزمن لدينا عند لحظة فارقة في تاريخ الحكاية السورية، وربما يتذكر كلٌّ منا لحظته تلك ويدرك أنه تحول إلى شخص آخر بعدها، في مثل تلك اللحظات يكتشف الإنسان أن ذاكرته لم تعد مجرد وسيلة تذكّر، بل أصبحت مكاناً بديلاً للعيش، وهنا لا يعود الماضي حدثاً انتهى، بل يتحول إلى مساحة آمنة يقيم فيها الفرد، يزورها يومياً ويعيد ترتيبها كما يشاء أو كما يستطيع احتماله.
كل شيء يكون أكثر وضوحاً في مساحات الأمان تلك حيث الوجوه لا تتبدل والأماكن لا تُهدم، والقصص المكتملة التي تركت أثراً طيباً، لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الذاكرة كلما أصبحت أكثر حميمية ازدادت قسوتها، لأنها تذكّرنا باستمرار بما لم يعد موجوداً، وهنا لا يعود الحنين شعوراً دافئاً فقط، بل يتحول إلى شكل من أشكال الفقد المتجدد، كأننا نخسر المكان نفسه مراراً وتكراراً.
من الصعب اختزال تجربة السوريين اليوم في ثنائية الداخل والخارج، فمسألة القرب والبعد لم تعد جغرافية بقدر ما أصبحت نفسية ووجودية، وهذا ما يجعل الحديث عن العودة أكثر تعقيداً، فالعودة ليست فقط إلى مكان، بل إلى شعور قديم وإلى علاقة تأسست بالفعل وفق شروط مختلفة عما هي عليه اليوم، وهو أمر يخشى كثير منا مواجهته.
ربما ظن بعضنا أن المغادرة تعني النجاة، وأن الابتعاد عن المكان كفيل بقطع العلاقة مع الألم، لكن ما حدث كان أكثر تعقيداً. فالذين غادروا، حملوا معهم خوفهم وذكرياتهم غير المكتملة، والأسئلة التي لم تجد جواباً، حاولوا بناء حياة طبيعية بقدر ما استطاعوا، ليصطدموا مراراً بواقع مختلف، فكيف يمكن للإنسان أن يبدأ من جديد، وهو لم يُنهِ ما سبق ولم يغلق صفحته الماضية تماماً؟ وكيف يمكنه أن يندمج في واقع لا يعرف قصته، ولا يفهم ثقل ما يحمله؟ لذا لم تكن الهجرة خروجاً كاملاً، بل تحوّلاً في شكل الحضور من وجود في المكان، إلى وجود مثقل به في أماكن أخرى.
في مرات كثيرة لم يعد الوطن مساحة أمان وأصبح عبئاً على أكتافنا وكان من واجبنا أن نحميه ونورثه لأبنائنا، في وقت اضطررنا فيه إلى مراجعة علاقتنا به، ومع أنه بالنسبة إلى كثير منا ما زال جرحاً مفتوحاً وكان لآخرين احتمالاً لم يكتمل بعد..
يبدو اليوم أن ما حدث لنا في العمق هو إعادة تشكيل للهوية، ليس كقرار واعٍ، بل كعملية بطيئة مؤلمة وحتمية، لقد تغير شكل رؤيتنا للأوطان وربما تغير الوطن أيضاً، وبين الفقد والتغير تغير لدينا مفهوم الانتماء وأصبحت احتياجاتنا أكثر وضوحاً.
بالنسبة لكثير منا ولظروف مختلفة أصبح الوطن شيئاً نحمله في قلوبنا لا شيئاً نعود إليه فقط، وأصبح علاقة قابلة لإعادة التعريف، لا حقيقة ثابتة، وهذا لا يعني التخلي، بل يعني الاعتراف بأن ما تغيّر لا يمكن إنكاره، وأن ما بقي يستحق أن يُعاد بناؤه بطريقة جديدة.
قد يكون أصعب ما في هذه التجربة هو الشعور بالانقسام الداخلي، أن تحب مكاناً وتشعر بالغضب منه في الوقت ذاته، أن تشتاق إليه وتخاف منه، أن تدافع عنه وتنتقده بلا رحمة، ليست هذه الثنائيات المتناقضة ضعفاً، بل هي دليل على علاقة حيّة لم تتحول إلى شعار فارغ.
قد يعتقد بعضنا أننا فقدنا نعمة الوطن لأسباب كثيرة، غير أن هذه الجزئية قابلة للنقاش ومتغيرة من شخص إلى آخر ومن تجربة إلى أخرى، ما أريد إيضاحه هنا أن أكثر ما يرهق الإنسان ليس ما فقده، بل محاولته المستمرة لتعويض ما فقده مرة بالتكيف والتأقلم ومرات بابتكار حيل مختلفة صغيرة للعيش وسط هذا النقص، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال القوة، حتى لو لم يُشبه الصورة التقليدية لها، ووسيلة ناجعة للنجاة وإن لم تبدُ كذلك، مع ضرورة ألّا تصبح الخسارة أمراً عادياً، وألّا يتحول التكيف إلى شكل من أشكال التنازل الصامت.
ربما لا نخسر الوطن دفعة واحدة، ربما نخسره تدريجياً كلما حاولنا أن ننجو منه أو نعود إليه، لكن ما يبقى في النهاية، ليس المكان كما كان، بل أثره فينا، وهذا الأثر—مهما تغيّر—هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن نفيه ولا الهروب منه ولا استعادته كاملاً.
باعتقادي أن الوطن الحقيقي ليس ذاك الذي نراه بلا عيوب، بل ذاك الذي نجرؤ على رؤيته كما هو، ونبقى متعلقين به على الرغم من ذلك، فالانتماء والوطن وغيرها من المفاهيم ليست مقدسة لذاتها مثلما كنا نعتقد في زمن ما، إنها علاقة تنشأ مع الوقت من دون ضوابط وقابلة لإعادة التعريف والقراءة وفقاً لظروف وسياقات مختلفة.
في مرات كثيرة لم يعد الوطن مساحة أمان وأصبح عبئاً على أكتافنا وكان من واجبنا أن نحميه ونورثه لأبنائنا، في وقت اضطررنا فيه إلى مراجعة علاقتنا به، ومع أنه بالنسبة إلى كثير منا ما زال جرحاً مفتوحاً وكان لآخرين احتمالاً لم يكتمل بعد، لكننا وبحكم التجربة أصبحنا قادرين على قراءة علاقتنا به وإعادة صياغتها بشكل مختلف حتى مع وجود الفجوة النفسية التي تفصل بيننا.
ربما لن تعود المسافة التي تفصلنا كما كانت ولن تختفي بالكامل، وربما لن نستعيد ذلك الشعور البسيط بالانتماء الذي لا يحتاج إلى تفسير، لكن ما يمكن أن يحدث—وربما يحدث بالفعل—هو أن نتعلم العيش داخل هذه المسافة لا كفراغ، بل كحيّز جديد للتعريف، أن نقبل بأننا تغيّرنا، وأن علاقتنا بالمكان تغيّرت، من دون أن يعني ذلك أننا فقدناه تماماً، لتكون البلاد وفقاً لهذا المفهوم ليست نسخة من الماضي، ولا صورة واضحة للمستقبل، بل مساحة متحركة، تتشكل معنا، وتتغير بنا، وتبقى مهما ابتعدنا أو اقتربنا.








