الأيدي القذرة على صحرائنا.. المثقف وتشويش الحرب

علي سفر20 مارس 2026آخر تحديث :
علي سفر
الإعلامي والكاتب السوري علي سفر

في ألبوم “The Final Cut” لفرقة “بينك فلويد” الشهيرة، الصادر العام 1983، يردُ مقطع غنائي قصير لكنه بالغ الدلالة، بعنوان: Get Your Filthy Hands Off My Desert، “إرفعوا أيديكم القذرة عن صحرائي”، تقول كلماته:

“بريجنيف استولى على أفغانستان

وبيغن استولى على بيروت

وغالتيري استولى على “يونيون جاك” (العلم البريطاني)

وماغي (مارغريت تاتشر)، ذات يوم أثناء الغداء،

أغرقت طرّاداً بكل طاقمه، على ما يبدو، لترغمه على إعادة العلم”.

آنذاك، وفي الأفق اليساري، حين كنا صغاراً على زراعة مستقبلنا، لم يكن من الممكن تصور أن يكون الاتحاد السوفياتي “الصديق” إمبريالياً، كما هي الدول الإمبريالية، التي كانت أدبياته السياسية تتحدث عنها ليل نهار! كنا مقتنعين تمام الاقتناع بأن السلام العالمي هو ابن للعقيدة الشيوعية الرسمية، التي كانت ترى أن الحروب إنما هي صنعة الدول الرأسمالية في تطورها نحو الإمبريالية. ولهذا كان كلام الأغنية غريباً ويأخذنا إلى الشك بعد الاطمئنان.

وبعد مراجعة لتاريخ الحروب في القرن العشرين، صار من المؤكد أن كثيراً من الدول التي كانت تقدم نفسها كراعية لاستقلال الشعوب، أو مدافعة عن حقوق الأمم الضعيفة في وجه غطرسة الكبار، كانت بشكل أو بآخر تخوض حروباً من أجل مصالح الفئات التي تحكمها، حتى وإن كان شعارها هو “السلام العالمي”.

الآن، وبعد مرور كل هذا الوقت، وقد صارت الحروب في منطقتنا “الملعونة” مواسم، فقد بات علينا ترقب ثمارها وترصّد محاصيلها. وبالتأكيد صار لكل فرد في المنظومة الفاعلة اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، ما يجنيه. فمَن زرع موقفاً، حصد ما أفضى إليه من “قمح” أو “زؤام”، ومَن استنبت أملاً فله منه الثمر أو الهباء.

يشعر المرء وهو يرى الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وغالبية أذرعها (سوى الحوثي) من جهة أخرى، أن عليه تجنب إطلاق مواقف قد تُفهم على أنها دعم أو انحياز لأحدهما، وقد يجد البعض السلوى في التعبير الشعبي الذي يصف المشهد بأنه “ناب كلب في جلد خنزير”. لكن بالتأكيد لا يمكن النظر إلى توصيف الجهتين كعدوّين دائمَين للحقوق العربية على أنه “تطرف” في الموقف السياسي. فنحن، ورغم ما نالنا من الأذى تاريخياً بسبب مشروعيهما في المنطقة، وما تنطوي عليه من رغبات توسعية وخطط هيمنة، يبقى لنا دائماً حقنا في رفض الحروب واعتبارها مشاريع إبادة مركزة، لا يهتم صنّاعها سوى لإحداث أكبر قدر من الأذى بما يخدم استراتيجية التمكن وإقصاء أي قوة مخالفة.

وهنا نبرز كطرف ثالث في الموقف من الحرب، ويتعزز الأمر حين نكون فعلياً طرفاً ثالثاً تحدث الحرب على أرضه، أو تُستخدم سماؤه كممر للطيران والصواريخ، وما علينا سوى أن نبحث عن حماية أنفسنا مما قد يقع علينا من شظايا وبقايا صواريخ متحطمة!

منذ بداية الحرب، ورغم رفض الدول العربية لها وسعي بعضها، وفي مقدمتها دول الخليج، إلى منع وقوعها، رأى البعض أن الموقف الأهم الذي يجب إطلاقه هو الرفض لما يجري، طالما أن الصراع القائم يتركز حول بقاء المشروع الإيراني أو هزيمته أمام المشروع الإسرائيلي. غير أن قيام إيران باستهداف الدول العربية المجاورة لها، بحجة وجود قواعد ومصالح أميركية فيها، وتركيز ضرباتها على المصالح الوطنية والبنى التحتية المحلية، يدفعنا كمراقبين إلى إدانة هذه الجريمة، فوق إدانتنا للحرب. أي أننا نتراص خلف استقلالية الموقف وعدم الانحياز، لكننا لا نصمت مطلقاً أمام هذا السلوك العدواني تجاه دول الخليج وشعوبه. وهذا الموقف يجب أن يكون صريحاً واضحاً لا مواربة فيه ولا ممالأة.

المثقف العربي في هذا المشهد لا يحتاج إلى تحري طبيعة الحرب كي يكون ضدها، وهو في أصل مواقفه يدرك خطر مشاريع الهيمنة السياسية والاقتصادية والفكرية.. إلخ، لكنه يقع في حفرة كبيرة حين يتردد في إدانة السلوك الإيراني، بحجة أن إيران ضد إسرائيل، أو أنها “ممانعة” وداعمة للمحور وما إلى ذلك من حجج. فقد أثبت الواقع أن إعلان دولة قمعية كإيران موقفاً سياسياً يدعي دعم القضية الفلسطينية، لا يعني أن طهران ستخوض من أجلها حروبها، بل إن ما جرى، لا سيما ترك الأذرع تخوض حروبها منفردة، أكد أن مصالح إيران فوق كل الاعتبار، بما فيها دماء الفلسطينيين واللبنانيين، والسوريين، واليمنيين، والعراقيين.

الحاصل الآن، وبعد مرور كل هذا الوقت من الهجمات المتبادلة، أن تياراً كبيراً من المثقفين العرب يتبع “الهوى الممانع” وفق أجندته التي تتضمن ولاءً للشركاء وليس للقضية. فصمَت أفراده عن دعم دول الخليج وشعوبها، في مشهد متكرر لما حدث حين غزا صدام حسين دولة الكويت العام 1990، فأيدوا الغزو في ذلك الوقت، بناءً على اعتبارات “قومجية” بعدما تمثلت لهم صورة الزعيم العراقي كمحاكاة لـ”بسمارك عربي” يسعى للوحدة العربية، لكن ما حدث فعلياً هو دمار أصاب الأمة كلها، ولم تصحُ منه حتى الآن.

إن تفكيك المشهد الراهن، وعلى فداحة ما فيه، لا يجعلنا نفسره بوصفه خللاً أخلاقياً أو انحيازاً أعمى فقط، وإنما من جهة ارتباطه بمسار طويل تشكلت فيه رؤية كاملة مضللة للعالم. إذ ترسخ لدى فئة واسعة من المثقفين العرب، عبر عقود، إطار ذهني يرى الصراع الأساسي مع إسرائيل فقط، ويضع إيران ضمن خانة “المقاومة” وامتداداتها؛ الأمر الذي جعل كثيرين أقل ميلاً لانتقاد السياسات الإيرانية، أو أكثر تساهلاً معها، حتى حين بدت آثارها مدمرة في أكثر من ساحة عربية. ومع الوقت، أنتج هذا الميل آلية حكم انتقائية تتماهى مع الاطمئنان إلى وجود “الدولة المقاومة”، فلا ترى في كل ما جرى في سوريا سوى مؤامرة، طالما أن الشعار الممانع حاضر، ومحمول على رايات الميليشيات التي تدخلت بحجج لا يتبناها المثقفون أصلاً. 

انحيازات المثقف هنا تشبه الفضيحة؛ فسلوك التدخل والقتل والإرهاب الذي يُدان حين يصدر عن طرف، يجري التخفيف من حدته حين يصدر عن طرف آخر تحت ذرائع “الضرورات الجيوسياسية”. وتردد كثيرون في اتخاذ موقف حاسم من نظام الأسد، مفضلين إبقاءه ضمن سياق أوسع، بدلاً من النظر إلى سلوكه المباشر، كما سيبقى “عار المثقفين” الذين أنكروا وجود معتقلات الإبادة.

مراجعة هذه المواقف ليست أمراً سهلاً؛ فالمثقف الذي بنى خطابه لسنوات على سردية معينة، يجد نفسه أمام كلفة عالية لأي تغيير: اعتراف ضمني بالخطأ، وخسارة محتملة لجمهور أو موقع. لذلك يستمر كثيرون في اللغة ذاتها حتى حين تتبدل الوقائع، وكأن الثبات في السردية أهون من مراجعتها. يزيد الأمر تعقيداً أن الثقافة نفسها لم تعد فضاءً حراً بالكامل؛ فهي اليوم متداخلة مع الإعلام والتمويل وشبكات النفوذ، مما يجعل الموقف أقل استقلالاً. وفي ظل هذا التشابك، يصبح الصمت أحياناً خياراً مريحاً، أو أقل كلفة من قول واضح قد يضع صاحبه في مواجهة غير مرغوبة.

وفوق ذلك كله، لا اتفاق على توصيف ما يجري؛ فما يراه البعض توسعاً إيرانياً صريحاً، يراه آخرون صراع نفوذ متبادل. هذا الاختلاف لا يبرر الغياب، لكنه يفسر لماذا يبدو المشهد الثقافي منقسماً إلى هذا الحد. غير أن هذا لا يعفي الفاعلين فيه من ضرورة أن مغالبة هواهم ليصلوا إلى ما هو أفضل من مجرد الصمت.

الموقف الثالث ليس حياداً بارداً، هو انحيازٌ للذات الحضارية في وجه مشاريع الإبادة والتوسع. وربما يتوجب على المثقف اليوم أن يكسر قيد السردياتِ المعلبة؛ فالحرية لا تُجزّأ، والدم العربي لا يمكن القبول بجعله قرباناً في صراعات الآخرين. 

المصدر المدن

اترك رد

عاجل