اختطاف الشيعة

آراء
فريق التحرير14 أكتوبر 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
اختطاف الشيعة

نصري حجاج* نصري حجاج

كانت أمي شيعيةً من جنوب لبنان، وكان أبي سنياً من شمال فلسطين. ولدت في مخيم عين الحلوة، وكان الشيعة في المخيم قلة، منهم نساء جنوبيات متزوجات بفلسطينيين، ومنهم بضع عائلاتٍ ينتمون إلى القرى الشيعية في شمال فلسطين التي اصطلح على تسميتها القرى السبع، وتقع في منطقة إصبع الجليل تابعة إلى عام 1921 لسلطة الانتداب الفرنسي على لبنان، ثم تحولت كلها إلى سلطة الإنتداب البريطاني، بعد اتفاقية نيو كامب – بوليه. كانت الهوية الفلسطينية تحمينا من كل النزاعات بين الطائفتين. كنا فلسطينيين لاجئين، جمعتنا في المخيم مأساة خسارة المكان والزمان. لم تظهر في ذلك الزمن من الطفولة نزعة التماهي مع أي انتماءٍ دينيّ، أو مذهبي، إلّا أنني، في طفولتي، كنت عرضةً في الصراعات الصبيانية مع أولاد الحارة إلى شتيمةٍ، لم أكن أفهم سرّ اعتبارها شتيمةً، عندما كان يصرخ بي طفلٌ: يا ابن المتوالية.
كان الشيعة آنذاك يسموًن متاولة. لم أكن أحس بوقع الشتيمة السلبي، لأنني لم ألحظ يوماً أن أمي مختلفةٌ عن بقية النساء في حارتنا. كانت في بيتنا صورة ملونة، تمثل الإمام عليّ بن أبي طالب جالساً، وعلى فخذيه سيفه ذو الفقار. على يمينه كان يقف وقفةً تشي بالكبرياء والقوة والفتوة ولداه الحسن والحسين. لم تكن هذه الصورة في بيتنا فقط، فقد كانت موجودةً في بيوت كثيرين من جيراننا. كثيراً ما كنا نسمع في أمسيات المخيم الهادئة ولداً أو بنتاً ينادون، وهم يجوبون حارات المخيم، نداء السؤال عن شيء ضائع، مالاً أو قطعة ذهب. كان النداء يقول: يا سامعين الصوت، صلوا عالنبي، أولكم محمد وثانيكم علي، وثالثكم فاطمة بنت النبي، يا مين شاف ويا مين لقي… واللي لقيها إلو حلاوة كذا وكذا. .. كان النداء قريباً إلى قلوب الناس، ولم يكن أحد يعتقد أنه نداء شيعيّا يحصر المناشدة بالنبي وعلي وفاطمة.
كنت أنظر إلى صورة الإمام عليّ وسيفه وولديه الحسنين، ولم أسأل عن اختلاف السمات بينهم وبين أخوالي الشيعة، على الرغم من وسامتهم ذات السمات العربية التي تميل إلى السمرة الحمراء، من أثر التراب المشبع بخصوبة أرض الجنوب. لكنني، في وقتٍ لاحقٍ، عرفت أن صورة علي وولديه صمّمت في طهران، وانتشرت في العالم منذ عقود طويلة، فتقبلها الشيعة العرب وغيرهم على أنّها الصورة التي تمثل الأئمة من آل البيت، وصار الإمام علي والحسين بن علي لا يشبهان أحداً من الشيعة، سوى السمات الفارسية والمناطق المتاخمة لإيران. واستمرت إعادة إنتاج الصورة بتلك الصفات. ومع التدخل الإيراني في العراق وسورية واليمن والبحرين ولبنان والسعودية، زاد انتشار صورة الأئمة، على الرغم مما جاء في كتب المؤرخين العرب وغيرهم عن السمات الشخصية للإمام عليّ وولديه التي لا تشبه الصورة المقدمة من إيران لتكريس الهيمنة الفارسية على شيعة العالم، ليس بالدعم المالي والعسكري والفقهي فقط، بل من خلال مصادرة الخيالين الشعبي والفردي واختطافهما، ومصادرة التاريخ العربي للشيعة، وتفريس خيالهم ووجدانهم. لم يجرؤ فنان عربي، شيعياً أو غير شيعي، على تقديم صورةٍ مناقضةٍ للأئمة الشيعة، مغايرة لما قدمه الخيال الفارسي، وكأن الصدام مع ذلك الخيال أصبح من المحرّمات، كما تفتي الشرائع الإسلامية بعدم جواز تصوير أو رسم الأنبياء أو آل البيت.
استطاعت إيران، تحت هيمنة آيات الله، لا أن تفسّخ المنطقة مذهبياً وحسب، بل فسّخت طاقة الخيال والجموح في صناعة الفن المؤسس لانطلاقة حرية الخيال، وصنعت صورة علي والحسين لتشبه صورتهم. ما أصاب صورة الإمام علي وابنه الحسين على أيدي آلة التفريس هو ما أصاب المسيح على أيدي آلة التغريب في دول الاستعمار في الغرب التي صنعت مسيحاً بسماتٍ غربيةٍ، لا تمت إلى مكانه الأصلي في فلسطين بصلة.

* نقلاً عن: “العربي الجديد”

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة