

قراءة في تطور أداء الوحدات المسلحة السورية من السويداء والساحل إلى حلب وما بعدها..
لم تكن أحداث السويداء والساحل مجرد حوادث أمنية عابرة، بل شكّلت لحظة كاشفة لمسار أوسع يمر به المشهد السوري، فقد وضعت تلك الأحداث المكوّن الثوري أمام اختبار صعب: هل يستطيع الانتقال من منطق الثورة، القائم على الغضب وردّ الفعل، إلى منطق الدولة، القائم على ضبط القوة وحماية المجتمع بكل تنوّعه؟
في تلك المرحلة، ظهر بوضوح أن الغضب، (رغم كل مبرراته) الذي جاء نتيجة لسنوات طويلة من القمع والعنف، لا يصلح أن يكون أداة لإدارة مجتمع. فالوحدات المسلحة التي نشأت في ظروف استثنائية، وتحت ضغط الدم و الخسارات والحصار، لم تتح لها الفرصة لبناء عقيدة وطنية واضحة، بقدر ما تشكّل وعيها على منطق المواجهة والشك والاندفاع هذا المنطق قد يكون مبرراً في ساحات القتال، لكنه يصبح خطيراً حين يُنقل إلى إدارة مدن ومجتمعات يفترض أنها جزء من دولة قيد التشكّل.
في السويداء والساحل، وقع الخلل الأساسي في طريقة قراءة المشهد. فقد جرى التعامل مع حالة اجتماعية تتضمن احتجاجات مدنية، وتحريض سياسي، واختراقات أمنية، كأنها كتلة واحدة معادية، وهو ما أدى إلى توسيع دائرة التوتر بدل احتوائها. ومع ضعف الانضباط، وغياب السيطرة الصارمة على السلاح، وترك مساحة واسعة للتصرفات الفردية، تحوّلت الأخطاء الميدانية إلى خسائر سياسية ومعنوية، استثمرها خصوم الدولة الجديدة سريعاً لتشويه صورتها والطعن بشرعيتها.
غير أن الأخطر من الخطأ كان الاستمرار فيه. هنا بدأت ملامح مراجعة داخلية تفرض نفسها، فقد بات واضحاً أن بناء دولة لا يمكن أن يتم بعقلية الثأر، وأن السلاح غير المنضبط لا يحمي الشرعية بل يقوّضها؛ هذه المراجعة لم تكن نتيجة خطاب أخلاقي، بل ثمرة حسابات واقعية تقول إن استمرار النهج السابق يعني خسارة ثقة الداخل، وتعميق العزلة الخارجية، وتقديم الذرائع مجاناً لكل من يعارض أي بديل عن الفوضى أو عن النظام السابق.
وفي أحداث حلب الأخيرة ظهر تحول ملحوظ في الأداء حيث أصبح المدني خطاً أحمر، لا يُقاس بموقفه السياسي ولا بهويته، بل بكونه مواطناً يجب حمايته، وترافق ذلك مع ضبط أكبر للسلاح، وتقليص المبادرات الفردية، وفهم أدق بأن أي تصرف ميداني هو في جوهره رسالة سياسية، لها أثرها داخل سوريا وخارجها.
ففي حيي الشيخ مقصود و الأشرفية، لم يكن الإنجاز عسكرياً فقط، بل سياسياً وأخلاقياً في المقام الأول، فقد بدأ يتشكّل نمط جديد من العلاقة بين القوة العسكرية والمجتمع، يقوم على تقليل الخوف ومحاولة بناء حد أدنى من الثقة، وهذه نقطة مفصلية، لأن الدول لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالقدرة على طمأنة مواطنيها، حتى في أكثر الظروف تعقيداً.
سياسيّاً، كان لهذا التحول أثر واضح. فقد سحب من يد خصوم الدولة السورية الجديدة واحدة من أهم أوراق الضغط، والمتمثلة في الادعاء بأن أي تمدد للدولة سيعني تكرار الانتهاكات السابقة؛ هذا الخطاب استخدمته قوى انفصالية، وزعامات محلية، وفلول النظام السابق، لتبرير مشاريعها أو لاستدعاء التدخل الخارجي، لكن حين يُثبت عملياً أن المدني السوري محمي بغض النظر عن انتمائه، يضعف هذا الخطاب، ويتحوّل من سردية مؤثرة إلى ادعاء قابل للتشكيك.
خارجياً، عزّز هذا الأداء موقع الدولة في أي نقاش دولي قادم، لأن المجتمع الدولي مهما بدا متناقضاً ولديه انحياز ضمني لأحد الأطراف إلا أنه يتعامل في النهاية مع الوقائع على الأرض. كما أن التمييز الواضح بين قوة منضبطة تسعى لاحتكار السلاح ضمن إطار قانوني، وبين فوضى مسلحة، يضيّق هامش استخدام ملف “الانتهاكات” كسلاح سياسي دائم.
ما جرى في السويداء والساحل كان إخفاقاً في الأداء، والاعتراف به ضرورة لا ضعف، وما حدث حلب يبدو أنه ليس نهاية المسار بل بدايته، فالانتقال من الغضب إلى الحكمة ليس ترفاً أخلاقياً، بل شرطاً أساسياً لأي مشروع دولة يريد أن يصمد، ويكسب ثقة مواطنيه، ويثبت نفسه في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد.
اليوم تبدو الفرصة سانحة لتكريس نموذج جديد لقوة عسكرية سورية، لا تحمي أيديولوجية معينة ولا طائفة محددة ولا…، بل تحمي المواطن السوري… لأنه سوري فقط.





