
لا شكّ أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بقيادة «بنيامين نتنياهو» قد استغلّت وبشكل إجرامي احترافي الفراغَ الأمني (الطبيعي) الذي ترافق مع الأيام الأولى لسقوط نظام «الأسد» المجرم، وانتهاء حقبة حكمه البائد، وقامت بشنّ مئات الغارات الجوية القذرة التي دمّرت من خلالها وبنسبة 85% القدراتِ العسكرية البرية والبحرية والجوية الاستراتيجية للجيش السوري الجديد الموروثة عن جيش «الأسد»، ناهيك عن ضربها عرضَ الحائط باتفاقية «فضّ الاشتباك» الموقّعة بينها وبين «دمشق» في عام «1974»، واعتبارها لاغية من الماضي، بل وبحجّة أنها لن تسمح لأي قوة معادية بالتموضع على «حدودها».
فقد أوعزت لجيشها القيامَ باجتياح بري، وسعت من خلاله إلى توسيع دائرة احتلالها للأراضي السورية، بعد السيطرة على مرتفعات «جبل الشيخ» الاستراتيجية الأربعة، ومساحة لا تقلّ عن «400» كم² تقريباً من الأراضي في جنوب وجنوب غرب «سوريا»، حيث أقامت فيها تحصينات وتجهيزات هندسية، و«9» نقاط أمنية متقدمة تمتدّ على طول خط المنطقة العازلة، وباتت قواتها بشكل شبه يومي، ودون أي رادع يُذكر، تقوم بالعربدة والتوغلات البرية في عمق الأراضي السورية لمسافات قد تصل أحياناً إلى عمق 10 كيلومترات.
ذرائع إسرائيل والاعتداءات المتكررة
تشير كل الأحداث الأمنية بعيد سقوط نظام الأسد البائد إلى أن إسرائيل، ومن خلال اعتداءاتها وتوغلاتها المتكررة في عمق الأراضي السورية، تسعى في الواقع إلى الانتقال العدائي المفضوح والسافر من حدود المراقبة والاستطلاع الاستخباراتي إلى التحرك الميداني العدائي بهدف الوصول إلى إمكانية فرض واقع أمني جديد في الجنوب السوري المحاذي للجولان المحتل، معتمدة في ذلك على انتهاج استراتيجية وفلسفة الضربة الوقائية المستمرة والضاغطة، ويأتي ذلك من خلال شرعنتها لنفسها التدخلَ السافر في «سوريا» بذرائع واهية مختلفة لا تمتّ للواقع الحالي المعاش بأي صلة تُذكر، عدداً منها:
- حجة إسرائيل بأنها لم تتفهم بعد طبيعة النظام السياسي السوري الجديد، وأنها غير واثقة من توجهاته التي تأتي من خلفيات جهادية، خاصة بعد «7» تشرين الأول، حين تغيّر التعامل الفظّ مع محيطها ومع الإقليم والمنطقة بأكملها.
- الحيلولة دون تمدّد «إيران» و«حزب الله» وأي جماعات جهادية ممكن أن تناصب العداء لـ«تل أبيب»!؟
- حماية مستوطناتها وسكانها وأمنها القومي، طبعاً على حساب تهديد الأراضي والأمن القومي للجوار!
- فرض وإقامة المنطقة الأمنية العازلة لمنع أي مفاجآت أمنية مستقبلية محتملة، انطلاقاً من محيطها العربي (دول الطوق)!؟
- حماية الدروز (ميليشيات الهجري) ودعمها الواضح والعلني لتوجهاتهم الانفصالية ومشاريعهم المشبوهة!!
دور «واشنطن» في المعادلة السورية؟
عملياً، فإن الولايات المتحدة التي تضطلع بدور الوسيط (غير النزيه برأيي)، تسعى حسب ادعاءاتها للوقوف في وجه ومنع أي تصعيد استفزازي إسرائيلي قد يقوّض فرص الاستقرار في «سوريا» والمنطقة بعد سقوط نظام «الأسد»، وهو ما يفسّر ربما ما يُسمّى بضغوط «واشنطن» التي مارستها على «إسرائيل» لتليين خطابها وتوجهاتها وضبط سلوكها الميداني العدواني، دون التخلي بالطبع عن أولوياتها وثوابتها الأمنية (الفضفاضة)، وقدرتها على إدارة التهديدات المحتملة والتعامل الحالي والمستقبلي المضمون معها، وخاصة أن هذه الأولويات، وحسب مسؤولي «تل أبيب» السياسيين والعسكريين، باتت تتمحور حول العزم على فرض وإنشاء «حزام أمني» في محيط بعض دول الطوق (جنوبي سوريا ولبنان وغزة)، وذلك احترازاً وتخوّفاً غير مبرر ومنطقي، وأقلّه في المدى المنظور، بل والبعيد، من إمكانيات حدوث أي «طوفان أقصى» جديد!
الشروط السورية لأي اتفاق أمني محتمل؟
بالتأكيد، وحسب الثوابت التي وضعتها الدولة السورية وتصريحات الكثير من المسؤولين، وعلى رأسهم الرئيس «أحمد الشرع»، فمن غير الممكن التوصل إلى أي تفاهمات مشتركة أو اتفاقيات أمنية محتملة مقبولة مع الكيان الصهيوني دون الوصول الأكيد والحتمي إلى تحقيق الشروط التالية:
1- انسحاب إسرائيل من مرتفعات «جبل الشيخ» الأربعة، وكافة الأراضي التي سيطرت عليها بعيد سقوط نظام الأسد البائد في «8 كانون الأول» من العام الماضي.
2- العودة إلى خطوط الفصل وتطبيق كافة بنود اتفاقية «فضّ الاشتباك» الموقعة عام «1974».
3- احترام السيادة السورية ووقف «إسرائيل» اعتداءاتها البرية والبحرية والجوية على الأراضي السورية.
4- عدم التدخل في الشؤون الداخلية السورية بأي شكل من الأشكال وتحت أي ذريعة أو مسمّى كان!
دور القوات الأممية «أندوف»
بالنسبة لقوات الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك «أندوف»، والتي تخضع عملياً لسلطة مجلس الأمن، فالملاحظ أنه منذ تأسيسها في نهاية أيار «1974»، ومع الأسف الشديد، أنها أشبه بـ«خيال المآتة»، وينحصر عملها في الغالب فقط على مراقبة ما يُسمّى بالهدنة (المستباحة)، والإبلاغ وفق تقارير ترفعها كل «15» يوماً عن الانتهاكات والخروقات التي ممكن أن تحصل من قبل كلا الطرفين (مع غضّ الطرف نهائياً وكما هو ملاحظ عن «تل أبيب»)، والإشراف الشكلي على تنفيذ اتفاقية «فضّ الاشتباك» التي تم التوصل إليها بين «سوريا» و«إسرائيل» بضمان أممي، بعد ما كان يُسمّى في حينها من قبل مجرمي نظام الأسد بـ«حرب تشرين التحريرية»؟!!
معادلة الأرض مقابل السلام
حقيقةً، ومن منطلق القوة الغاشمة، فإن «إسرائيل» وبعد سقوط نظام «البعث» الاستبدادي البائد تحاول بشتى الوسائل الخشنة المتاحة التأثير على حاضر ومستقبل سوريا، والتحكم –إن استطاعت– بتوجهات نظامها الجديد وفرض ما تريده. وعليه، وحسب تصريحات «نتنياهو» الكثيرة التي تظهر عدم رغبته بالتوصل إلى اتفاقيات أمنية مؤقتة مع الجانب السوري، بل يريد فرض اتفاقية سلام شاملة كاملة، والوصول إلى تطبيع كامل للعلاقات مع «دمشق»، وهذا باعتقادي لا يمكن أن يتم إلا وفق معادلة واحدة واضحة وهي «الأرض مقابل السلام»، أي إعادة «الجولان المحتل» لأهله وإلى حضن الوطن، وهذا ما أكده الرئيس السوري «أحمد الشرع» حين قال:
«إن الجولان المحتل أرض سورية، وسوريا تحاول أن تستعيدها من خلال المفاوضات واتفاقيات السلام، أو أي شيء آخر يضمن حق سوريا في هذه الأرض التي لا يزال المجتمع الدولي وقوانينه يعترف بها كأرض سورية خالصة».
بالمقابل، فإن هذه المعادلة، وحسب التصريحات الإسرائيلية واعتقادي وجميع المهتمين والمتابعين، صعبة ومستحيلة الحل وفق الظروف والوقائع السياسية والميدانية الحالية، إذ لا نية لأي انسحاب إسرائيلي من «الجولان» المحتل، وخاصة بعد اعتراف «ترامب» في ولايته الأولى عام «2019» بضمّه واعتباره أراضٍ إسرائيلية!
ختاماً
من خلال ما مرّ في السطور أعلاه، وبالمحصلة، فإنني أستطيع القول إن الوصول إلى أي اتفاق أمني بضغط أمريكي على «دمشق» و«تل أبيب»، وبشروط معدّلة لاتفاقية «1974»، يجب أن يعتمد في بروتوكولاته على التأسيس الهادف والإرادة الإيجابية لإقامة مقاربة ثنائية حقيقية عادلة تأخذ بعين الاعتبار الهواجس الأمنية لكلا الطرفين. وربما هذا الأمر هو الأسهل والأقرب في هذه الأوقات من اتفاقية أي سلام دائم أو تطبيع للعلاقات… فلننتظر ونتابع؟!!








