

في المشهد السوري المعقّد، برز منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، حدثٌ فارق في مدينة حمص، بعد هجوم نفّذته مجموعات من عشيرة بني خالد على أحياء يقطنها أبناء من الطائفة العلوية، وذلك في إثر جريمة بدت للمهاجمين طائفية، أودت بحياة رجل وزوجته من أبناء العشيرة، سيتبين فيما بعد أنها جريمة جنائية والأدهى أن الفاعل من أبناء العشيرة ذاتها.
تلا ذلك الاعتداء، الدعوة لاعتصامات في عموم المناطق التي يقطنها العلويون، ولبّت أعداد غير قليلة الدعوة، مع مطالب معقولة بغالبيتها، المفاجأة كانت أن نشبت في إثر ذلك ما يمكن أن ندعوها حرب الصور.
فريقان متقابلان ومتناحران كل منهما يحاول أن يثبت فكرة تناقض الأخرى تماماً، هل قامت قوى الأمن بحماية الاحتجاجات، كما يقول أحد الفريقين؟ أم أنها قمعت المحتجين وأطلقت الرصاص الحي مباشرة على المتظاهرين بهدف فض الاعتصامات، بحسب الفريق المقابل؟
على نحوٍ ما، فاز الفريق الأوّل في تلك المعركة على وسائل الإعلام، وخصوصاً على مواقع التواصل، فقد استطاع هذا الفريق، المساند للسلطة، أن يبرز صوراً غير مسبوقة لرجال الأمن وهم يحمون المظاهرات في مختلف المواقع.
من المعروف في تاريخ الصحافة والإعلام، أن صورة واحدة قد تساهم في تثبيت شرعية طرف ما، وتجريد الطرف الآخر منها، رغم أن تلك الصورة لن تكفي وحدها لنقل كامل السياق..
وعلى نحوٍ غير متوقّع استسلم الفريق الثاني بمعظمه، بل وذهب بعض من هذا الفريق إلى الإشادة بالتعامل الحضاري للسلطة الجديدة، بطريقة غير مسبوقة في تاريخنا المحلي وحتى الإقليمي، ولكن هل يمكن، حسب الفولكلور السوري، أن ينتهي الأمر هنا؟ بالطبع لا. فبعد شهر ستتكرر الحرب ذاتها.
إذاً، نجحت وزارة الداخلية السورية في تقديم المشهد بصورة مفاجئة، وبما يتناقض مع كل التصورات السورية عن التعامل الأمني السوري تاريخياً مع أية حالة معارضة، مظهرةً بذلك أن السلطة في الدولة الجديدة لن تكون عدائية تجاه معارضيها، وأكثر من ذلك بدت حامية لأمن محتجين ينتمون إلى مجموعة أهلية، موسومة في ذهن الغالبية، بأنها كانت محور نزاع طائفي وسياسي. الأمر الذي استجلب إشادة خارجية بهذه الصورة الجديدة مقارنةً بالمآخذ التقليدية على أداء قوات سلطة الأسد.
بالمقابل، لم ينجح فريق المعارضة الذي لا يعترف بأية فضيلة للإدارة الجديدة، بتقديم صور مؤكدة تُظهر قمع المحتجين، ما أضعف قدرتهم على التأكيد على روايتهم في تلك اللحظة بالذات، حين عجزوا عن إنتاج سرد بصري معادل، وهذا يسلّط الضوء على حقيقة أنّ السيطرة على الوسائل البصرية جزء من التحكم في الرواية السياسية، لكن فقط في حالة أن الواقع يساند ويدعم الصورة.
من المعروف في تاريخ الصحافة والإعلام، أن صورة واحدة قد تساهم في تثبيت شرعية طرف ما، وتجريد الطرف الآخر منها، رغم أن تلك الصورة لن تكفي وحدها لنقل كامل السياق.
وهنا لا بأس من التنويه أن السيطرة على الصورة، في وقتنا الحالي، لا يتعلق فقط بالتقاط اللحظة، فيجب أن يتبع ذلك إدارة ناجحة لها عبر منصات التواصل ووسائل الإعلام، لنحت سرديةٍ يُمكنها أن تفرض نفسها في الوعي الجماهيري، مع ذلك فإن تلك السردية، إن لم تكن راسخة في الواقع والمجتمع، فإن تلك الصورة سوف تتشقق سريعاً لصالح صورة أخرى مناقضة.
تُظهر الدراسات أن الصورة، أكثر من النص، قادرة على تشكيل تصورات الرأي العام حول نزاع ما أو حدث عابر أو حتى تصوراً محدداً عن دولة ما، وهذا يحدث منذ عقود، فخلال الحرب الباردة مثلاً، كانت الصور تُستخدم لتعزيز سمعة النظامين الشرقي والغربي في أذهان الجماهير والسياسيين على السواء، بما خلق صوراً نمطية امتد أثرها على التحرّكات الدبلوماسية والاقتصادية طوال عقود.
لهذا، في حالتنا السورية، سيكون لتلك الصور، التي نتصارع عليها اليوم، أثر إيجابي أو تدميري ليس على حاضرنا وحسب، لكنه قد يمتد لأجيال مُحدِّداً مستقبل علاقة السوريين ببعضهم.
غالباً ما حدث أن استُخدِمت الصور التي رافقت الانتفاضات والثورات وتم توظيفها، وكانت هناك على الدوام نزاعات حول ما تُظهره الصورة وما تُخفيه، وكان السؤال الدائم: هل تنقل الصورة الحقيقة؟ معطوفاً على سؤال أهم، هل للعدسة وحدها احتكار الحقيقة؟
من المهم التذكير بأن الصورة ليست الحقيقة مطلقة باعتبارها إطاراً (كادراً) مُختاراً يتم التقاطه بحركة كاميرا وزاوية تصوير في توقيت محدد، وكل من هذه المفردات يمكن أن تُحدث فرقاً جذرياً في التفسير.
طبعاً الأمر سيختلف مع المقاطع المصورة التي غالباً ما تكون أكثر إقناعاً، ومع ذلك ففي العصر الرقمي، تنتشر المقاطع المزيفة (Deepfakes) والمحتوى المضلّل بوتيرة أسرع من أي وقت مضى، غالباً ما تُستخدم في الكثير من الصراعات لتثبيت الحقائق وأحياناً دحضها.
ولكن لماذا تستمر حرب الصور؟ يؤكد المختصون أن قوة الصورة تعود إلى أنها لغة بصرية فورية يمكنها استثارة العواطف والتعاطف أو الغضب بشكل مباشر، وغالباً أسرع من قراءة تحليل نصّي كامل، لكنها في الوقت نفسه ليست ضماناً للحقيقة لدى المتنازعين. فحتى في حالة الصور الحقيقية المدعّمة بسياق موثوق والتي كانت قادرة على إحداث أثر حقيقي في الرأي العام، وأبرز مثال عليه صور التعذيب في سجن “أبو غريب” بالعراق، التي هزّت العالم، فقد كانت هناك نزاعات حولها، خصوصاً حين حاولت الحكومة الأميركية إنكارها بدايةً، ثم التعتيم عليها تالياً.
ما أريد قوله بخصوص حالتنا السورية، أننا لا نحن ولا كل العالم يمكنه اعتبار الصورة دليلاً مطلقاً دائماً، ما لم تؤكد باقي الوقائع على الأرض بشكل صارم أنها كانت فعلاً تمثّل الحقيقة، بعد مقارنتها مع مصادر ووقائع أخرى موثوقة.
كل الصور التي ظهرت تشير إلى أننا لسنا بخير على الإطلاق، ويبدو أننا لن نكون كذلك قريباً، فنحن نقبع في جورة عميقة، وهناك ما يجب عمله في الواقع، نعم في الواقع وليس عبر الصورة..
ففي المظاهرات الأخيرة التي حدثت هذا الأسبوع وجدنا صوراً مختلفة، وهي وإن لم تمسّ كثيراً سلوكيات عناصر الأمن في تكرار حماية التجمعات المعارضة، لكنها أظهرت وجهاً آخر أكثر خطورة، يمس المجتمع السوري بأكمله، وما يعتمل في داخله من حالة عدائية تبدّت لدى المدنيين من الطرفين.
كل الصور التي ظهرت تشير إلى أننا لسنا بخير على الإطلاق، ويبدو أننا لن نكون كذلك قريباً، فنحن نقبع في جورة عميقة، وهناك ما يجب عمله في الواقع، نعم في الواقع وليس عبر الصورة، عملٌ إجرائيّ سريع، ومن بعده عمل استراتيجي طويل وشاقّ يساهم فعلاً في بناء وطن لكل أبنائه.
كي لا يتحول نصر السوريين على “الأسد” إلى خسارة أخلاقية وسياسية، فالتاريخ، لمن يريد أن يتعلَّم، مليء بالثورات التي ربحت معركتها الأولى، وانتهت إلى خسارة كل ما تلاها، غالباً يحدث هذا ليس بسبب قوة المناوئين والأعداء فقط، لكن الأهم بسبب قصورها وعجزها عن بلورة فكرة ناجزة لبناء دولة قابلة للحياة.





