لعنة حافظ الأسد الباقية..وتتمدد

عمر قدور12 يونيو 2024آخر تحديث :
لعنة حافظ الأسد الباقية..وتتمدد

لا يمرّ العاشر من حزيران إلا ويتذكر عدد كبير من السوريين أنه يصادف يوم موت حافظ الأسد، والمعارضون منهم يستذكرون ذلك وكأنهم كل سنة يكررون التعبير عن الفرحة التي حُرموا من التعبير عنها يوم موته. هذا الحرمان كان واحداً من الأسباب الوجيهة التي دفعت المتظاهرين عام 2011 إلى التغنّي بهتاف “يلعن روحك يا حافظ”، بل صار يُشار أحياناً إلى وريثه بوصفه “ابن ملعون الروح”، وكان من المفهوم أن اللعنة التي يصبّها المتظاهرون على الأب تستفزّ غضب الموالين أكثر من الشتائم الموجّهة إلى الوريث.

لم تشذّ الذكرى الأخيرة عن سابقاتها رغم مرور ما يشارف ربع قرن على موت الأسد، فهو بموجب قناعة المعارضين المؤسس الأكبر للخراب الحالي، وبالنسبة للمؤيدين “الذين تناقص عددهم بشدة” هو الزمن الغابر الجميل المضيَّع. وبينما يرى الأولون الابنَ بمثابة استمرار لأبيه، فإن غالبية الأخيرين باتت تنظر إليه كوريث ضيّع مُلك أبيه لأنه لا يملك كفاءته من جهة، ولأنه من جهة أخرى لم يَسر على خطاه كما يجب.

الأكيد، إذا أخذنا مجمل تأثير حافظ الأسد، أنه مات جسداً وبقيت لعنته منصبّة على معظم السوريين، بمن فيهم أولئك الذين ظنّوا أنهم هم الذين صبّوا لعنتهم عليه. ولعنة الأسد باقية وتتمدد، على النحو الذي لم يُتح لتنظيم داعش الذي رفع هذا الشعار. ويجوز “بلا أدنى مبالغة” تشبيه هذه اللعنة بخرافة دراكولا مصاص الدماء، وفيها تتحول الضحية التي امتُصّ دمها إلى مصاص دماء آخر يغرز أنيابه في ضحايا جدد. ورغم شيوع القول أن حافظ الأسد قد خلّف أسديين كثر إلا أنه بقي في إطار العموميات، ومن دون تقصّي آثاره لدى من يظنون أنهم نجوا، وهو ما يقتضي جهداً جماعياً ومراجعات للثقافة “السياسية” المتفشّية بين نسبة كبرى من السوريين.

هناك اليوم أربع مناطق سورية خارج سيطرة الأسد، وهي تشهد هدوءاً منذ سنوات حافظت خلالها القوى الخارجية على هدوء خطوط التماس. وكانت السويداء آخر المناطق الخارجة عن السيطرة، قبل عشرة شهور، من دون أن تحكمها سلطة أمر واقع على غرار باقي المناطق. يوماً ما وصفَ الكاتب الكردي سليم بركات في مقال له الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني بالبعث الكردي، والكثير من الانتقادات الموجَّهة إلى تجربة الحزب في الإدارة الذاتية تصبّ في المنحى ذاته، منحى احتكار السلطة مع وجود هياكل شكلية لمؤسسات فارغة مضموناً، المنحى الذي تتغوّل فيه الشعارات كلما أُريدَ تغييب السياسة.

الانتقادات السابقة تخص “الإدارة الذاتية” التي يُنظر إليها أيضاً كتجربة أكثر تنظيماً وانضباطاً بالمقارنة مع باقي المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، بل ربما تتفوق من هذه الناحية على الأخير الذي يجري تسويقه أحياناً كبديل عن الفوضى. أما نموذج الفلتان فتقدّمه الفصائل التي تحكم تحت النفوذ التركي، وقبل أسبوع “على سبيل المثال” شهدت عفرين معركة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، طرفاها تحالف الحمزات والعمشات من جهة وأحرار الشرقية من جهة أخرى، وسبب المعركة هو خلاف على عقار مُستولى عليه أصلاً من الأهالي. حالة الفلتان هذه ساهمت أحياناً في تعويم الجولاني بسبب قدرته على ضبط منطقة سيطرته، ويمكن بسهولة القول أن إرث التسلط الأسدي بارز للعيان تحت حكم الوريث وخارج سيطرته أيضاً، بل راح يرمز إلى الاستقرار المُفتَقد.

أكبر جهد بذله حافظ الأسد في حياته كان من أجل إقصاء السوريين عن السياسة، وكان من المفترض أن تعيد الثورة إلى السوريين حقهم في ممارستها، وتُمكّنهم من امتلاك الفضاء العام القانوني والرمزي. الواقع يشير إلى نجاح الأسد على نحو ساحق بما أن السوريين بعد قرابة ربع قرن من موته لم يتخلّصوا من لعنته هذه، وما يعزّز النجاح تلك النظرة السلبية التي توصم بها السياسة على نطاق واسع بحيث يتحاشون الخوض فيها، وفي المحصلة ينتهون إلى شراذم تنتظر من العناية الإقليمية أو الدولية الخوضَ في “وحول” السياسة نيابة عنهم.

كرّس حافظ الأسد أيضاً بنجاح يُحسب له فكرة ارتباط السياسة بالعمالة والارتزاق، وكان إعلامه يعزز طوال الوقت ذلك، سواء فيما يتعلق بخصومه في الداخل أو خصومه في الخارج. في الداخل تحديداً، وكنتيجة حتمية، كان المطلوب هو النظر إلى أي سوري مخالف في الرأي كمرتزق وعميل لجهة خارجية. بمعنى أن السوري غير مؤهّل لاتخاذ موقف انطلاقاً من دوافعه وقناعاته الشخصية، بصرف النظر عمّا إذا كان هذا الموقف خاطئاً أو صائباً، كلياً أو نسبياً، وبصرف النظر عمّا إذا كان يتوافق مع قوى أخرى، داخلية أو خارجية.

لقد بلغ انحطاط وابتذال الفكرة السابقة مع إعلام الأسد الابن أن اتهم المتظاهرين عام 2011 بأن الواحد منهم يقبض لقاء كل مظاهرة ما يعادل 10 دولارات مع صندويش وحبة مخدرات، ورغم أنه اتهام أقرب إلى التهريج، ورغم السخرية الواسعة جداً منه، إلا أن الأيام أثبتت عدم مجيئه من فراغ، وملاقاته ما ترسّخ عميقاً في الأذهان. فاتهام المتظاهرين على هذا النحو الفاحش لا يختلف من حيث المبدأ عما يوزّعه معارضون هنا وهناك من اتهام للآخرين بالارتزاق، الفرق الوحيد قد يكون بالصياغة لا غير. 

من السهل أن نستشهد باتهامات لها مستهلكون كثر جداً من كل الأطراف السورية، وبما يجعلهم الأغلبية الساحقة، اتهامات من نوع: مرتزقة أردوغان، مرتزقة قنديل… إلخ. بصرف النظر عما يثبت من صحة نسبية لبعض الاتهامات الموجّهة، يبقى الأمضى تأثيراً هو شيوع ذلك كقاعدة خارج العمل السياسي، ليصبح كل ناشط من أي نوع كان متهماً بالعمالة والارتزاق، من دون حتى أن يكون متهماً إلى أن يثبت العكس، فالاتهام هنا بمثابة حكم غير قابل للاستئناف.

ومن العبارات الشهيرة لحافظ الأسد واحدة مخصصة لمسؤولين في سلطته هي: إضبارتك صارت أطول منك. وكان يقولها بمعنى أن التقارير المخابراتية عن ذلك الشخص تكاثرت، وحان وقت الحساب، أو أنه مجرد وعيد لإرهابه. هي لعنة أخرى لم تتوقف عن الانتشار، وبموجبها يصبح الآخرون أضابير تُفتح عندما يحين الوقت، في ساعة الخلاف معهم، أي أن عقلية المخبر وأرشيف المخابرات لم تعد حكراً على ممارسي المهنة، وصارت جزءاً أساسياً من ممارسة النشاط العام المعارض وهذا أقصى ما يطمح إليه تنظيم مخابراتي.

مناخ عدم الثقة بين السوريين هو حصيلة منطقية لهذه الذهنية المعممة، وهو المناخ الذي يدعم علاقات التبعية القائمة على التسلط والإرغام. عدم قدرة السوريين على العمل المشترك الطوعي “بوصفه ضرورة مجتمعية وسياسية” لا يأتي من طغيان فردانيتهم حسب تفسير دارج فيه ما فيه من الغرور، بل لأن عقلية التخوين والأضابير تسمم المناخ العام مسبقاً وتحبط أي مشروع قائم على التكافؤ والتشاركية، فلا مصادفة في أن معظم التنظيمات، محلية النشأة وغير الإرغامية، بدأت بأفضل حالاتها نوعاً وكمّاً ثم نخرتها الخلافات والانسحابات أو الانشقاقات، وغالباً مع تبادل الاتهامات المثقلة باللعنة الأسدية إياها.

لم يمت حافظ الأسد، بل يجوز القول أنه لا يزال يحقق النصر تلو النصر.

المصدر المدن
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل