“الإدارة الذاتية” ليست أكثر من أداة وظيفية

عمر كوش11 يونيو 2024آخر تحديث :
“الإدارة الذاتية” ليست أكثر من أداة وظيفية

تراجعت قوى الأمر الواقع، التي تسيطر على مناطق شرقي في نهر الفرات في سوريا، عن قرارها إجراء انتخابات محلية، كانت تعتزم إجراءها في 11 حزيران / يونيو الجاري، وذلك بعد أن شعرت بأنها لن تحظى بأي قبول أو اعتراف، محلي أو إقليمي أو دولي، حيث اعترضت عليها الإدارة الأميركية، ووجهت القيادة التركية تهديدات بشن عملية عسكرية لتقويض سلطتها في الشمال السوري، إلى جانب استنفار سياسي إيراني وعراقي غير مرحب، وصمت مريب من طرف نظام الأسد الذي أراد الإيحاء بأنه غير مكترث بها، وتحميل تركيا تبعاتها والمشكلات الناجمة عنها، وذلك بعد أن تحوّل، بدوره، إلى سلطة أمر واقع، تفرض سيطرتها على أكثر من 60 في المئة من الأراضي السورية، فيما تخضع مناطق من شمالي سوريا لسيطرة قوى أمر واقع أخرى، ممثلة بـ “هيئة تحرير الشام”، وفصائل “الجيش الوطني” الموالية لتركيا.

تمثل الجهة التي دعت إلى تنظيم الانتخابات، وهي “الإدارة الذاتية”، أحد مخرجات حزب “الاتحاد الديمقراطي” الكردي في سوريا، الذي يعتبر الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني التركي. ويمتلك هذا الحزب جناحاً عسكرياً، يتمثل بميليشيات “وحدات حماية الشعب” الكردية، وتمكن بواسطتها من السيطرة على مناطق في شمال شرقي سوريا، بتسهيل وتواطؤ من نظام الأسد، بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011. ثم شكلت ميليشياته العماد الأساسي لما يسمى قوات سورية الديمقراطية (قسد)، وذلك مع بداية حرب التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، على تنظيم “داعش”. ولم يتوان هذا الحزب، الذي يدعي تمثيل الأكراد في سوريا، عن سعيه الرامي إلى تأسيس كيان انفصالي في مناطق من الشمال السوري منذ أن فرضت ميليشياته السيطرة عليها.

لا تخرج دعوة الإدارة الذاتية إلى تنظيم انتخابات محلية عن مسعاها الانفصالي الهادف إلى تثبيت سطوتها على المناطق السورية التي تفرض سيطرتها عليها بالقوة. وسبق لها أن اتخذت سلسلة خطوات في هذا الاتجاه، وكان آخرها فرض مناهجها التعليمية، ثم تبعتها بوضع ما وصفته “العقد الاجتماعي” في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، الذي أرادت منه التغطية على التمييز القومي ما بين الأكراد والعرب في المنطقة، بالحديث المفتعل عن “أبناء وبنات وشعوب شمال شرقي سوريا”، وأن يكون بمثابة دستور مصغر للمناطق التي تقع تحت سيطرتها، وبما يؤسس لإجراء انتخابات بلدية في مناطق سيطرتها، التي خططت لتنظيمهما تمهيداً لانتخابات “مجلس الشعوب الديمقراطي”، كي يشكل ما يشبه سلطة تشريعية في المنطقة التي تسيطر عليها.

  غير أن تنظيم الانتخابات باء بالفشل، مثلما باءت بالفشل خطوة الاستفتاء التي قادها مسعود البرزاني في إقليم كردستان العراق في يناير/ كانون الثاني عام 2005، وأنهت حياته السياسية، مع الفارق الكبير بين وضع إقليم العراق المعترف به عراقياً ودولياً كإقليم له استقلاله الذاتي ضمن العراق الفيدرالي، فيما لا يعترف أحد بالكيان الميليشياوي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، فضلاً عن أن هذا الحزب لا يمثل سوى نفسه، لذلك وجهت الإدارة الأميركية ضربة لطموحاته الانفصالية، حين اعتبرت بلا مواربة أن أي انتخابات في سوريا “يجب أن تكون حرّة ونزيهة وشفافة وشاملة، وفق ما دعا إليه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254″، ما يعني أنها لن توافق على إجراء الانتخابات، بوصفها خروجاً عن مسار التنسيق معها، وأنها سترفع الحماية عنه، وعن مخرجاته، أمام أي خطوة عسكرية قد تتخذها تركيا ضده. ولعل الأهم من ذلك كله، هو أن الإدارة الأميركية أرادت أن تفهم مخرجات حزب الاتحاد الديمقراطي العسكرية والمدنية، أنها ليست أكثر من أداة وظيفية تستخدمها الولايات المتحدة لغايات معينة، ولم تخفِ أنها تستخدمها في هذه المرحلة في منع عودة تنظيم “داعش” إلى الظهور مجدداً.

ما يثير التوقف عنده هو أن حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يفرض سيطرته بالقوة، بواسطة أذرعه الميليشياوية والمدنية، على معظم مناطق الجزيرة السورية، مهووس بمحاولة تسويق نفسه خارجياً، وخاصة لدول الغرب، للتشبه بها، من حيث ادعاؤه بأن كل توجهاته وممارساته ديمقراطية، وهو البعيد كل البعد عنها، بوصفه قوة أمر واقع، لا تقرّ إلا بسطوتها التي تفرضها بالإكراه، تحت تهديد قوة السلاح، وللتغطية على ذلك راح يستثمر في كلمة الديمقراطية، ويصرّ على إلحاقها بكل شيء، بدءاً باسمه وأسماء مخرجاته، العسكرية والمدنية، وانتهاء بكل تصوراته الواهية عن الشعوب الديمقراطية والأمة الديمقراطية والحضارة الديمقراطية، وحتى المطبخ الديمقراطي، في حين أنه حزب، ولاؤه غير سوري، لا يختلف عن “هيئة تحرير الشام” (ولاؤها أيضاً غير سوري)، إلا بالشعارات الزائفة التي يتلطى خلفها، وخاصة الديمقراطية، فيما تتلطى الهيئة (جبهة النصرة سابقاً) بالإسلام وبالشعارات الإسلامية التي ترفعها لتفرض سطوتها على مناطق في محافظة إدلب وجوارها. كما أن كل ممارسات وسلوكيات حزب الاتحاد الديمقراطي غير ديمقراطية، حيث لا يقبل وجود أي منافس مدني له في المناطق التي يفرض سيطرته عليها، وخاصة المجلس الوطني الكردي، الذي تعرض العديد من أعضاء في أحزابه إلى اعتقالات وتصفيات من قبل ميليشياته، فضلاً عن ملاحقتها الناشطين والإعلاميين، وممارسات الاضطهاد ضد العرب، ومصادرة ثروات المنطقة.

حاول حزب الاتحاد الديمقراطي التأكيد على ديمقراطيته، عندما راحت لجان الأحياء (كومينات)، التي شكلها الحزب وإدارته الذاتية، تهدد سكان مناطق شمال شرقي سوريا بحرمانهم من الخبز والغاز والمازوت والخدمات في حال عدم مشاركتهم بالانتخابات البلدية التي كان ينوي إجراءها، للمضي في لعبته، والإيحاء بأن إدارته الذاتية تتمسك بالديمقراطية، عبر إجراء انتخابات صورية في المناطق التي يسيطر عليها، وخاصة تلك التي يواجه فيها رفضاً شعبياً، وتوجد فيها أكثرية عربية، وذلك كي يشرعن فوز شخصيات مرتبطة بإدارته أو تابعة لها ولميلشياته، في محاولة منه لاختبار قوتها. كما أراد أن تلعب الانتخابات المحلية دوراً وظيفياً في تلك المناطق من أجل ترسيخ سطوة مخرجاته وسيطرتها، لكن كل ذلك باء بالفشل.

المصدر تلفزيون سوريا

اترك رد

عاجل