عن ليونة روسية في مجلس الأمن حيال سورية

حسين عبد العزيز18 يناير 2023آخر تحديث : الأربعاء 18 يناير 2023 - 12:31 صباحًا
حسين عبد العزيز
آراء
husain abd alaziz - حرية برس Horrya press

على غير العادة، سارت جلسة مجلس الأمن، المخصّصة لمناقشة تمديد الآلية الأممية لإدخال المساعدات إلى سورية، بيسر وسهولة، فلم يحدُث أي تهديد روسي باستخدام حق النقض (الفيتو)، ولم يحدُث أي اعتراض أو مطالبة روسية بتعديل في فقرات مشروع القرار كما حدث في الجلسات السابقة على مدار الأعوام الثمانية الماضية. وحتى النظام السوري ذاته، وعلى غير العادة، لم يقدّم أي اعتراضات على نص مشروع القرار 2672، كما فعل في جلسات عديدة سابقة، حيث تجري الأمم المتحدة مشاورات غير رسمية مع الأطراف المعنية بالمسوّدة (والتي لا تكون أعضاء في مجلس الأمن) من مبدأ سيادة الدول أولا، ومن مبدأ الحرص على تعاون جميع الدول التي يخصها الأمر ثانيا. ولم يختلف نص القرار الدولي 2672 عن منطوق القرار السابق 2642 في يوليو/ تموز من عام 2022، فقد نصّ القرار الجديد، كما السابق، على أن مجلس الأمن يقرّر تمديد العمل بالإجراءات التي أقرّها في الفقرة الثانية من قراره 2642 (2022)، وتمديد العمل بالفقرتين الثانية والثالثة اللتين أقرّهما قراره 2642 (2014)، ستة أشهر، أي حتى 10 يوليو/ تموز 2023، وذلك فقط عبر معبر باب الهوى الحدودي.
ودعا القرار الجديد، كما القرار السابق، جميع الدول الأعضاء إلى الاستجابة بخطوات عملية لتلبية الاحتياجات الملحّة للشعب السوري في ضوء التأثير الاجتماعي ـ الاقتصادي والإنساني العميق الذي أحدثته جائحة كوفيد 19 على سورية، باعتبارها بلدا يمرّ بحالة طوارئ إنسانية معقّدة. وحث القرار على تكثيف مزيد من المبادرات لتوسيع الأنشطة الإنسانية في سورية، بما في ذلك المياه والصرف الصحي والصحة والتعليم والكهرباء، حيثما تكون ضرورية، لاستعادة الوصول إلى الخدمات الأساسية ومشاريع الإنعاش المبكّر التي تضطلع بها المنظمّات الإنسانية.

إدخال المساعدات الإنسانية إلى الشمال السوري عبر دمشق سيعرقل وصول المساعدات بسبب بيروقراطية النظام السوري من جهة، والبعد الجغرافي من جهة أخرى

تواصل روسيا، منذ سنوات، الضغط على الأمم المتحدة لتعطيل الآلية الأممية عبر الحدود واستبدالها عبر الخطوط، أي جعل المساعدات تصل إلى دمشق، على أن يوزّعها النظام السوري إلى كل المناطق، بما فيها تلك الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية وتلك الخاضعة للسيطرة الكردية. ولكن هذه الاستراتيجية لقيت وتلقى معارضة غربية شديدة، لأن من شأن تسليم النظام السوري ملف المساعدات، أن يعني تحكّمه فيها حسب مصالحه، فضلا عن أن إدخال المساعدات الإنسانية إلى الشمال السوري عبر دمشق سيعرقل وصول المساعدات بسبب بيروقراطية النظام السوري من جهة، والبعد الجغرافي من جهة أخرى.
ومع نجاح روسيا في إغلاق ثلاثة معابر حدودية (معبر اليعربية ـ ربيعة، باب السلام ـ نجو بينار، درعا ـ الرمثا)، وفي تقليص مدة تمديد الآلية الأممية من 12 شهرا إلى ستة أشهر، وإجبار الأمم المتحدة على دعم عمليات الإنعاش المبكر، لم تقدم هذه المرّة على ممارسة أي ضغط حيال هذا الملف، ويعود ذلك إلى سببين رئيسيين: الأول، التقارب الذي ترعاه روسيا بين تركيا والنظام السوري، حيث تخشى روسيا من أن يؤدّي تشدّدها تجاه الآلية الأممية لإدخال المساعدات إلى إثارة غضب أنقرة في وقت تحتاج فيه روسيا إلى تركيا أشدّ الحاجة، سواء تعلق الأمر بالملف الأوكراني أو بملف التقارب مع دمشق. وبالنسبة لتركيا، يعد ملف إدخال المساعدات عبر الحدود (باب الهوى ـ جيلفا جوزو)، عاملا رئيسا في دعم مشروع إعادة توطين اللاجئين السوريين الموجودين في أراضيها داخل الأراضي السورية، ذلك أن إعادة مليون لاجئ سوري كما هو مخطط له من الحكومة التركية، سيزيد الضغط الإنساني في الشمال السوري، ومن شأن إيقاف إدخال المساعدات عبر الحدود أن يؤدّي إلى كارثة إنسانية تدفع السوريين للهروب إلى تركيا، في وقتٍ يعمل فيه الرئيس أردوغان إلى التخفيف من عبء اللجوء السوري.
الثاني، تدهور الأوضاع الاقتصادية في مناطق سيطرة النظام، وهو وتدهور كان الأسوأ خلال الأعوام العشرة الماضية، فقد انخفضت الليرة مقابل الدولار خلال شهرين من 5200 ليرة سورية للدولار الواحد إلى نحو 7000 ليرة للدولار الواحد، وفُقدت مادتا البنزين والمازوت، فيما يستمر انقطاع الكهرباء لنحو عشرين ساعة في اليوم الواحد. وقد أدت كل هذه الأمور إلى ارتفاع حاد في أسعار السلع الغذائية وفي المواصلات، وأجبرت حكومة النظام على خفض دعم الوقود للموظفين الحكوميين بنسبة 40%.

الضربات العسكرية التركية ضد مواقع “قسد” أدّت إلى إيقاف عمل بعض حقول النفط، ما خفّض الإنتاج الذي يباع جزءٌ كبير منه إلى النظام السوري بأسعار منخفضة

ويعود السبب الرئيسي للتدهور السريع للأوضاع الاقتصادية في الأشهر القليلة الماضية إلى عاملين: تشديد الولايات المتحدة منعها وصول ناقلات نفط إلى سورية، مستغلة الأزمة الروسية في أوكرانيا والأزمة الاقتصادية في إيران، حيث تمنع واشنطن ناقلات نفط إيرانية عديدة من المرور عبر قناة السويس، في وقت تمنع فيه إيران ومليشياتها في العراق من إدخال النفط عبر معبر البوكمال على الحدود العراقية. الضربات العسكرية التركية عبر الحدود ضد المواقع التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، أدّت إلى إيقاف عمل بعض حقول النفط، ما خفض الإنتاج الذي يباع جزءٌ كبير منه إلى النظام السوري بأسعار منخفضة.
وأمام الخشية من تدهور الأوضاع الاجتماعية نتيجة الأزمة الاقتصادية، ظهرت ليونة روسيا والنظام السوري، وقد قال مندوب الأخير لدى الأمم المتحدة بسام صباغ: “إن سورية تؤكد على ضرورة توفير الكهرباء ومستلزمات الطاقة للخدمات الأساسية، وإقامة مشاريع الطاقة المتجددة الداعمة لقطاع الكهرباء، وإضافة قطاعات حيوية ضمن مشاريع التعافي المبكر، وخاصة دعم العمل الميداني في مجال إزالة الألغام والمخلفات غير المنفجرة، إلى جانب زيادة حصة مشاريع التعافي المبكر بشكلٍ أكبر في إطار خطة الاستجابة الإنسانية، والتوسع في تلك المشاريع كما ونوعا، ودعم الجهود الرامية إلى توفير الخدمات الأساسية لضمان العودة الكريمة والآمنة والطوعية للاجئين، وتقديم الدعم للعائدين داخل سورية”.
وتدعم الأمم المتحدة وشركاؤها مشاريع الإنعاش المبكر ودعم سبل المعيشة في خمسة مجالات متمايزة، هي: إصلاح وترميم البنى التحتية المدنية الحيوية، إزالة الأنقاض والنفايات الصلبة، الأنشطة المدرّة للدخل وإجراءات التدخل المستندة إلى السوق، التدريب المهني والتدريب على المهارات، التماسك الاجتماعي وإجراءات التدخل المجتمعية.

المصدرالعربي الجديد

اترك رد

عاجل