عن السوريين والخوف الذي لا يصنع المعجزات

وفاء علوش24 ديسمبر 2022آخر تحديث : السبت 24 ديسمبر 2022 - 12:20 صباحًا
وفاء علوش
تدوينات
وفاء علوش
wafaa a - حرية برس Horrya press

في بلاد كانت مهداً لحضارات قديمة تتوقف اليوم الحياة حتى إشعار آخر بانتظار معجزة تغير مجرى الأمور وتعيد للسوريين هيبتهم التي ضاعت منذ عقود.

مدن تسكنها الأشباح لا سيارات ولا مظاهر حياة ولا تجمعات بشرية تستطيع التجول فيها فتنقطع فيهم السبل في مكان ما بعيداً عن منازلهم.

أزمة الوقود الخانقة الأخيرة كانت فيصلاً في إطلاق رصاصة الموت على الذين ما زالوا يأملون بتحسن الأوضاع، لكن تلك الرصاصة لم تأتِ فجأة ولم تكن وليدة اللحظة ولم تشكل صدمة للعالم ولمن بقي من السوريين.

مجدداً عاد الغضب يسيطر على السوريين الذين يعانون من تبعات الأزمة الخانقة فبدأوا يدعون لإضراب عام وإغلاق احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، على أمل أن يشكل ذلك ضغطاً جديداً على النظام بهدف إيجاد حلّ جذري للأزمة.

الثاني والعشرين من الشهر الجاري هو الموعد المنتظر على أن يشمل الإضراب ثلاثة قطاعات أساسية هي: المحال والشركات التجارية، والجامعات، والقطاع الحكومي باستثناء القطاع الصحي والطوارئ.

وعلى الرغم من أنه غضب الرمق الأخير ــــ إن جاز التعبير ــــــــ إلا أن الخوف من الأجهزة الأمنية ما زال في قوته وشدته المعهودة، وما زال قادراً على ضمان استمرارية مسلسل الرعب في نفوس رافضي الوضع وطالبي التغيير.

هل الخوف أمر طبيعي ومشروع؟ لا شك في ذلك غير أنه يصبح مهانة وذلاًّ ليس إلا، بعد أن يخسر الإنسان نفسه ويخسر كل ما بقي له من فتات يضمن له البقاء على قيد الحياة

جزء كبير من السوريين أيضاً ما زال ينتظر معجزة تنقذه من براثن وأنياب النظام السوري، وإن اختاروا الصمت فذلك لأنهم لا يتجرؤون على الرفض والوقوف في وجه حاكم ظالم خشية بطشه وجبروته، وليس لأنهم غير معنيين بالتغيير وتواقين له، لكن السؤال هنا هل الخوف أمر طبيعي ومشروع؟ لا شك في ذلك غير أنه يصبح مهانة وذلاًّ ليس إلا، بعد أن يخسر الإنسان نفسه ويخسر كل ما بقي له من فتات يضمن له البقاء على قيد الحياة.

وفي حال افترضنا أن البقاء على قيد الحياة هدف بحد ذاته؟ فهل يستحق منا كل هذه التضحية بما نحلم وما نملك انتصاراً لغريزتنا حتى وإن كان الثمن إنسانيتنا؟

جلّ ما يميز الإنسان العاقل هو قدرته على التحكم بغرائزه وتغليب صوت عقله ومنطقه على غرائزه البدائية، ولهذا كان سباقاً في اختراع القيم ومنحها مكانة مهمة ضمن أولوياته، غير أنه يبدو أن هذا المنطق لا ينطبق على زمن الحروب ولا يخضع لقوانين الزمن الذي نحيا فيه اليوم، فقانون الغاب أصبح مسيطراً وبات من الطبيعي أن يلتهم القوي الضعيف حتى وإن لم يكن ذلك مشروعاً.

بلاد أُغلقت الأفران فيها أبوابها وأصبح رغيف الخبز حلماً بعيد المنال على فقرائها فيما طفت على السطح طبقة أثرياء جديدة من تجار الأزمات وأثرياء الحروب، وعادت إلى عصور الظلام في ظل انقطاع الكهرباء وإغلاق كثير من المصالح التجارية والمصالح الحكومية بسبب عجز الاستمرار، لكننا ما زلنا نأمل حدوث معجزة فيها، غير أن الخبر السيء أن ذلك لن يحصل وأن المعجزات التي ننتظرها لن تنجدنا إذا لم نفعل ذلك بأنفسنا، ولن نتمكن من مواجهة وحوش الجوع والموت بالإضراب فحسب في بلاد توقفت فيها عجلة الحياة منذ زمن.

مرة أخرى يعيد التاريخ نفسه ويمنحنا كسوريين فرصة الرفض والتمرد على واقع فرضه علينا استبداد لولا وجوده لكنا نعيش في نعيم ورخاء وفقاً لأرقام سوريا الاقتصادية، لكننا نعزف عن ذلك ونخشى قبضة الجلاد وسوطه ونكتفي بالامتعاض.

بعد سنوات من الثورة التي لم ينصفها أحد وبقيت يتيمة وحدها مثل خيمة في العراء، تنتفض السويداء مجدداً وهي ليست المرة الأولى التي تفعل فيها ذلك وتطالب بأعلى سقف من الحريات بعد فشل لعبة الصبر وعض الأصابع التي فرضها النظام السوري على السوريين، لكنها تعود لتغرد وحدها خارج السرب فيما ينشغل الشعب السوري مجدداً بتفنيد أسباب الخوف ومبرراته وإثبات مشروعيته، بينما يموت الرافضون الذين وقفوا في وجه الظلم دفاعاً عن حقوق مشروعة هي الأخرى، فيسبب رد الأجهزة الأمنية العنيف خوفاً أكبر.

دائرة محكمة الإغلاق لكن الواقع يقول “إن سكت مت وإن نطقت مت”، ففي الحالتين نموت مع اختلاف الأسباب، فهل يعني ذلك أننا علينا أن نعيش نصف حياة مكتفين بفتات ما يرمونه لنا من زاد وحقوق إنسانية، أم أننا لن نخسر شيئاً في حال امتلكنا الشجاعة ورفضنا الاستمرار في الوضع ذاته؟

يتذرع كثيرون بأن المجتمع السوري لم يكن جاهزاً للثورة بعد، بسبب سنوات القمع والتغييب السياسي أو بسبب تركيبة الحياة في سوريا، وهذا قد يشكل سبباً مهماً إلى حد كبير لكنه لا يمكن أن يكون مبرراً لكل الطعنات التي قد نتلقاها أو يبرر التخلي عن أن نكون صفاً واحداً في مواجهة نظام لا يكيل لنا اعتباراً.

قد نختلف مع البعض حول الأسباب الموجبة للثورات لكن ذلك لا يعني أن ننتقص من الأسباب التي قد تدفع الآخرين للثورة

المشكلة الحقيقية أن الاستبداد عمل على تشتيت السوريين وحرص على تفتيت وجود هوية سورية جامعة مانعة، بمساعدة نظام أمني عمل على ترسيخ الفصل بين فئات السوريين، علاوة على أنه من المتوقع في المنعطفات المهمة في حياة الشعوب أن تنتشر أصوات متعددة توافق أو تخالف أو تتحفظ، وقد يعلو الصوت الغوغائي ليعتم على أصوات العقول التي قد تؤثر في المجتمع وقد يكون ذلك بحد ذاته عملا تحيكه سلطة الاستبداد ويساعدها في تحقيق مرادها لكنه قد يترك أثره على شرائح كثيرة بكل أسف.

قد نختلف مع البعض حول الأسباب الموجبة للثورات لكن ذلك لا يعني أن ننتقص من الأسباب التي قد تدفع الآخرين للثورة، وليس من حقنا إطلاق الأحكام على الثورات بأنها ثورة جياع أو ثورات مطالب سياسية، فما يمكن أن يكون لدينا أولوية قد يكون لدى الآخر رفاهية، خاصة في ظل التغييب السياسي الذي عاشه السوريون أو أبناء المنطقة بالعموم، وفي ظل تركيبة اجتماعية غير متماسكة، وباجتهاد أجهزة أمنية عملت على تفكيك عُرى المجتمع.

وعلى أننا لا يمكن أن نختلف بأحقية الناس في الثورات، فإن من حق السوريين اليوم أن يرفضوا واقع الحال ويقرروا الثورة عليه ولا يحق لنا محاكمة أسباب الثورة من عدمها، لكننا بات علينا لزاماً أن ندرك أهمية خياراتنا في تحديد مصائرنا وآلية تأثيرها على مصائر الآخرين وأن المعجزات لا تحصل من تلقاء نفسها بل علينا أن نصنعها ونستحقها.

المصدرتلفزيون سوريا

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل