بسبب “تعنّت الأسد”.. “أصدقاء” النظام السوري يتجنبون حل أزمته الاقتصادية

فريق التحرير8 ديسمبر 2022آخر تحديث :
ضياء عودة
طوابير من السيارات تنتظر للتزود بالوقود في العاصمة دمشق – تواصل اجتماعي

على مدى السنوات الماضية من الحرب في سوريا، رجّح الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته روسيا وإيران كفة النظام السوري ورئيسه، بشار الأسد، من صالح مناهضيه. ومع ذلك لم يكن هذا الدعم اللامتناهي في هذين المسارين كفيلا لانتشاله من أزمة اقتصادية، باتت هي الأسوأ من نوعها، مع قرب نهاية العام 2022.

وتجلّت آخر محطات هذه الأزمة بانعدام المحروقات في المحافظات السورية، وفي حين انعكست تداعياتها على قطاعات حيوية في البلاد، وأثّرت بالسلب على منظومة عمل بعض الدوائر الحكومية، ربطت الرواية الرسمية “ضعف التوريدات النفطية” بأسباب هي “ظروف الأصدقاء”، وإشكالية آلية الدفع بالنقد الأجنبي، وتأخر وصول ناقلات النفط.

وأرجع وزير النفط في حكومة نظام الأسد، بسام طعمة، الأسبوع الماضي، في مقابلة مع التلفزيون الحكومي سبب الأزمة الحاصلة بـ”تأخر وصول ناقلات النفط، ما اضطر الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لتغطية الحاجات الأساسية فقط”.

بعد ذلك بأيام، نشرت “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك” بيانا أوضحت فيه أن “توقف التوريدات ناتج عن ظروف الأصدقاء الذين يزودون سوريا بالمشتقات النفطية”، وأنه “يجري العمل على حلها”.

وعاد وزير “التجارة الداخلية”، عمرو سالم، الإثنين، ليكشف أنه “لا موعد أو جدول زمني لأزمة المحروقات”، وأن “الحكومة ليست عاجزة عن تأمين النفط بطرق مختلفة، لكن تأمينه بالقطع الأجنبي والدفع النقدي عبء ثقيل على القطع الأجنبي لا يمكن القبول به، وبأثره على الليرة السورية”.

ونادرا ما تعلق موسكو على ما تشهده المحافظات السورية الخاضعة لسيطرة النظام السوري من أزمات اقتصادية، وخاصة المتعلقة بقطاع المحروقات. أما طهران تتخذ موقفا “خاصا”، فمن جانب تعلن صراحة أنها تزود حكومة نظام الأسد بتوريدات نفطية، لكن ومن جانب آخر لا تعلّق كثيرا عن أسباب انعدامها، رغم أنها تغذيه بالفعل.

ويعتبر هذان البلدان حليفا النظام السوري الرئيسيين، ومنذ 2012 كانت إيران قد زجت بميليشيات لدعمه على الأرض، إلى أن تدخلت روسيا عسكريا في 2015، لحرف مسار الحرب، والتي كانت تقترب أحداثها من القصر الجمهوري في العاصمة دمشق.

لم يكن هذا الدعم دون مقابل، بل كان في مقابله “فواتير”، وتمثلت باتفاقيات اقتصادية “لا حصر لها”، تمكنت من خلالها موسكو من الاستحواذ على قطاعات حيوية في البلاد، من قبيل النفط والفوسفات ومعامل الأسمدة وعقود التنقيب في مياه المتوسط، وميناء طرطوس.

كما اتبعت طهران نفس المسار أيضا، حيث وقعت مع النظام اتفاقيات أتاحت لها موطئ قدم في قطاع الفوسفات، وقطاعات أخرى مثل الكهرباء والاتصالات، وميناء اللاذقية.

“ما زال الأسوأ”
ولا تلوح في الأفق القريب أي انفراجة للأزمة الاقتصادية الحاصلة في سوريا، والتي ورغم تصدرها بمسار انعدام المحروقات، إلا أنها ضربت أيضا عملة البلاد، إذ اقترب سعر صرفها من حاجز 6000 ليرة مقابل الدولار الأميركي الواحد، صباح الأربعاء.

ولا تلوح أيضا أي خطط إسعافية معلنة من جانب الروس والإيرانيين، رغم أن وسائل إعلام في طهران تحدثت، مطلع نوفمبر الماضي، أن إيران رفعت كميات النفط الخام المورد إلى نظام الأسد، وفق آلية “الخط الائتماني” من مليونين إلى ثلاثة ملايين برميل شهريا.

وذكرت وسائل الإعلام حينها، أن قرار رفع الكميات اتخذه الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، لمساعدة النظام في تجاوز أزمة الطاقة التي تعانيها مناطق سيطرته، بعدما استقبل الأسد، في السادس من أكتوبر الماضي.

من جانبه كان وزير التجارة وحماية المستهلك في سوريا، عمرو سالم، قد أعلن أنه ومنذ 57 يوما لم يدخل النفط إلى البلاد.

ولم يكن الوضع المعيشي في سوريا بهذا السوء “منذ الحرب العالمية الأولى.. دائما ما نقول ذلك لأنه بتدهور دائم ومستمر”، وفق تعبير الدكتور كرم شعار، مدير البرنامج السوري في “مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية”.

ويضيف شعار لموقع “الحرة”: “في 2019 كان هناك فترة تشابه هذه الدرجة من السوء. لكن الوضع الحالي ما زال الأسوأ”.

وتوجد عدة نقاط ترتبط بجذر المشكلة الحاصلة، إذ يوضح شعار بالقول: “إذا نظرنا للسعر الموجود حاليا في سوريا والذي تم تعديله مؤخرا في شهر أغسطس لرأينا أنه يغطي تكاليف الاستيراد ويحقق هامش ربح. لذلك المشكلة لم تعد مشكلة دعم”.

ويتابع: “في حال وجود حكومة قادرة على أن تستورد المحروقات وتبيعها وتعيد تدوير المبلغ لتستورد مرة أخرى لن تكون هناك مشكلة. المشكلة هي أن الحكومة غير قادرة على تحقيق ذلك. هذا مؤشر على درجة العوز الاقتصادي الذي تعيشه”.

من جانب آخر “لو كان للقطاع الخاص علاقة طبيعية مع الحكومة لكان قادرا على سد الفجوة. هناك قوانين سنّت لذلك، لكننا لم نر أحدا بدأ بالعمل بناء عليه، إلى أن ظهرت شركة عائلة قاطرجي (bs) المسجلة في لبنان لتستفيد من الوضع الحاصل”.

وهذه الشركة تخضع للعقوبات الأميركية. وتردد ذكرها في بيان رسمي لوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، على أن تبدأ بضخ 15 في المئة من مخزونها للقطاعين الاقتصادي والتجاري، وبأسعار جديدة للمازوت والبنزين.

ويضيف الدكتور في الاقتصاد “ما نراه أن هناك تاجر وحيد مستعد لأخذ المخاطرة للتعامل مع نظام من هذا النوع. لا نرى تجار آخرين لأنه لا يمكن التنبؤ بسياسات النظام السوري. هو بلطجي. قد يسن قوانين فجأة ويلغي أو قد يرسل ضابط أمن لفرض مبالغ طائلة بآلاف الدولارات على التجار”.

وإلى جانب الأسباب التي استعرضها المسؤولون الرسميون بشأن الأزمة الحاصلة، دائما ما يحمّل النظام السوري المسؤولية للعقوبات الغربية المفروضة عليه.

لكن في المقابل لطالما أكدت الولايات المتحدة والدول الأوربية أن إجراءاتهم ضد الأسد وأركانه لا تشمل القطاعات الحيوية الخاصة بحياة السوريين، فيما اتجهوا مؤخرا للإعلان عن استثناءات، تستهدف القطاعات الحيوية التي يحتاجها المدنيون، بالتحديد.

أين موسكو وطهران؟
وتعتبر إيران وروسيا من أبرز البلدان المصدّرة للنفط والغاز. ومع ذلك لم ينعكس هذا المسار التجاري على نحو كبير باتجاه لسوريا، والتي تتواجد قواتهما فيها، بينما تعمل شركاتهما في قطاعاتها الحيوية أيضا.

ورغم التداعيات السلبية اقتصاديا التي فرضت على موسكو منذ بدء غزوها لأوكرانيا، وخاصة فيما يتعلق بصادرات النفط والغاز، إلا أنها لم تسجّل رسميا أي توريدات لحكومة نظام الأسد، قبل هذه الفترة.

في المقابل، وفي حين تعلن طهران أنها تورّد بالفعل المحروقات لنظام الأسد، إلا أن الكميات التي تعلنها، وخاصة “3 ملايين برميل شهريا”، لم تؤكد وصولها حكومة الأخير، بينما أعلن وزير التجارة فيها، قبل أيام أن النفط لم يصل منذ 57 يوما.

ويرى الباحث الاقتصادي، شعار، أن “إيران وروسيا ليسوا فقط مصدرين للنفط، بل يتمنون في الوقت الحالي أن أي أحد يشتري نفطهما. النفط الروسي يباع أقل من سعره العالمي، وكذلك الأمر بالنسبة لإيران، منذ سنوات وبسبب العقوبات”.

وبوجهة نظره فإن “القصة مرتبطة بالكميات التي يمكن أن يقترضها النظام السوري. بمعنى ما هي مقدرتك الائتمانية والملاءة المالية؟ الملاءة قد تكون معدومة لحكومة النظام”.

ويتابع شعار: “هذا الشيء استوعبته حكومات طهران وروسيا بأن النظام غير مستعد لتقديم أي تنازل سياسي من أي نوع ممكن قد يؤثر على قبضته في المستقبل، وبالتالي لن يتحسن الوضع الاقتصادي، كون الأمر سيؤدي إلى نفور من المستثمرين والدول الغربية التي تفرض عقوبات لن تقبل بمساعدة النظام”.

“طالما بقي الأسد مصرّا على التعنت الخاص به سياسيا أعتقد أن إيران وروسيا لن تدعماه بشكل حقيقي”، فيما اعتبر شعار أن “التمويل الذي يصل للنظام السوري من الدول الغربية أكثر من إيران وروسيا”، وأن “السبب هو نهب المساعدات الإنسانية التي تأتي عمليا من الدول المعارضة له”.

وفيما يخص موسكو، يعتقد أنطون مارداسوف وهو محلل روسي وباحث غير مقيم في معهد الشرق الأوسط أن هناك عدة أسباب ترتبط بعدم اتجاهها لمساعدة سوريا بأزمة المحروقات.

وفي السابق، لم يتم الإعلان عن مشاركة الشركات الروسية في صفقات النفط بسبب العقوبات المحتملة. ومع ذلك، كشفت الولايات المتحدة عن آلية الإمدادات، التي شارك فيها الإيرانيون وشركة روسية تابع لوزارة الطاقة.

ويقول مارداسوف في حديث لموقع “الحرة”: “هذه الشركة كانت مملوكة للدولة، لأن شركات النفط الروسية الخاصة كانت تخشى بشدة العقوبات”.

وبالنظر إلى أن الكثيرين يخضعون الآن للعقوبات فيما يتعلق بأوكرانيا، فقد يُطرح السؤال – ما الذي يمنع الآن شركات “روسنفت” و”تاتنفط” و”غازبروم نفط” من إمداد سوريا؟

ويوضح الباحث الروسي أن أولى الأسباب هي “تشديد العقوبات بطريقة أو بأخرى”.

وهناك سبب آخر هو أن “الأمر ليس مربحا، لأن الدولة لا تنظم موضوع إمدادات النفط لسوريا، كما أنه غير مربح على الإطلاق للشركات الخاصة أو حتى تلك التي لديها حصة كبيرة من مشاركة الدولة لتزويد سوريا بالنفط”، وفقا لمارداسوف.

ويضيف الباحث الروسي “في الواقع، هذا هو السبب في أن الشركات الروسية متوسطة الحجم لا تشارك فعليا في إعادة إعمار البلاد، لأن فترة الاسترداد لمثل هذه المشاريع طويلة للغاية”.

علاوة على ذلك، يقول مارداسوف: “ممثلو النظام السوري يتشدقون فقط بحقيقة أنهم لا يرغبون في الاعتماد على قروض من إيران، لكن في الواقع، يعطي نظام الأسد جميع المشاريع إما لأورغارشييه، الذين يوافقون على دفع الضرائب للاستثمارات التي يسيطر عليها الأسد، أو للإيرانيين”.

ولا يستبعد الباحث الروسي أنه كانت هناك بعض الإمدادات المعزولة من النفط كمساعدات إنسانية من روسيا، لكن من الواضح أنها “حالات نادرة”.

ويضيف: “بشكل عام، الدولة، أعني الكرملين، لا تنظم هذه القضية، وليس من المربح للشركات الخاصة الروسية أن تتاجر مع سوريا”.

“بين مسارين”
ورغم أن روسيا وإيران وقعتا اتفاقيات اقتصادية واستثمارية مع حكومة نظام الأسد، على مدى السنوات الماضية، إلا أن بنود وماهية كل مسار عن الآخر كانت مختلفة، من زاوية القطاعات المستهدفة، و”الأمد الذي خصص للاستثمار”.

واستهدفت الاتفاقيات الروسية “قطاعات مربحة” وتكون الاستفادة منها مباشرة، مثل قطاع الفوسفات ومعامل الأسمدة، فضلا عن ميناء طرطوس، وحقوق التنقيب عن النفط في بلوكات مختلفة، تنتج الغاز والنفط.

في المقابل، لم تتضح عائدات الاتفاقيات التي وقعتها إيران، بينما ألمح كثير من المسؤولين السياسيين والاقتصاديين في طهران خلال الفترة الأخيرة إلى أنها “ما تزال حبرا على ورق وقيد المتابعة”.

وفي الثاني من شهر نوفمبر الماضي، كان وزير خارجية نظام الأسد، فيصل المقداد، قد وصل إلى طهران، والتقى نظيره، حسين أمير عبد اللهيان. وعقب ختام الاجتماع نقلت صحيفة “الوطن” شبه الرسمية عن سفير النظام السوري في إيران، شفيق ديوب قوله إن “السلطات في طهران “تؤكد دائما على مواصلة وتطوير التعاون الاقتصادي مع حكومة النظام، خاصة بعد توقيع اتفاقيات عدة لا تزال معلّقة بين الجانبين”.

وأضاف أن الجانبين السوري والإيراني يعملان حاليا على تنفيذ الرؤى والمشاريع المشتركة التي لا تزال موجودة “على الورق”، والتي من الممكن أن ترى النور قريبا، حسب تعبيره.

المصدر الحرة
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل