سوريا بين حفرتي التضامن والدستورية

هناء درويش2 مايو 2022آخر تحديث :
سوريا بين حفرتي التضامن والدستورية

لم يُقدِم نظام الأسد خلال سنوات الثورة المنصرمة على ارتكاب الجرائم والمجازر بحق السوريين، لو أنه لم يأمن على نفسه من العقوبة. تخاذل المجتمع الدولي والدعم الروسي والايراني كانت سبباً في ذهابه بعيداَ في إجرامه فارتكب مئات وربما آلاف المجازر مستخدماً كل طرق الموت المعروفة وغير المعروفة التي استخدمها الجناة والمجرمين قبله.

مجزرة التضامن رغم وحشيتها تمثل حلقة واحدة في سلسلة جرائم من آلاف الحلقات، مارس فيها نظام الأسد كل أشكال الاجرام واستخدم كل أصناف الأسلحة. لذلك ولأنه أمِن الإفلات من العقاب فقد ترك لعناصره ومؤيديه خيار ارتكاب الجرائم دون رادع ولاخوف.

في بدايات الحراك الثوري لم يكن النظام يبحث عن تعويم أو تأييد من المجتمع الدولي، فردة فعل المجتمع الدولي لم تكن بالقدر الكافي لجعله يتردد في أفعاله. إلا أن وجود مؤسسات للمعارضة لاحقاً والتي كان من المفترض أن يكون لها دورها في منازعة النظام على شرعيته وسلبها منه لصالح تلك المؤسسات، فيما لو كان عملها حقيقياً ومبني على استراتيجيات سياسية وأهداف واضحة أصبحت تجعل شرعيته مهددة ، لكن للأسف فشلت تلك المؤسسات في بناء أي استراتيجية تهدد النظام في شرعيته أو حتى تقوض منها. فأسقطت جميع الملفات التي تشكل أوراق قوة بيدها وأوراق ضغط عليه تباعاً، وكان على رأس هذه المؤسسات اللجنة الدستورية التي حملت علامات فشلها في بدايتها، حيث أنها جاءت منفردة وهشة والسبب أنها كانت جزءاً من الحل وليست الحل كله وبالتالي لاتستند على مقومات أخرى للحل المفترض كهيئة الحكم مثلاً.

كما أن اللجنة الدستورية بحد ذاتها هي الفكرة الروسية للحل في سوريا. حاولت روسيا وإيران عن طريق محور آستانا جر الحل السياسي إلى آستانا بدلاً من جنيف وبالتالي إفراغ القرار2254 من مضمونه.

الخطأ الأكبر الذي بإمكاننا أن نصفه بأنه جريمة ارتكبتها المعارضة السورية بأنها ذهبت إلى حلول جزئية دون أن تتبنى خط الحل الكامل، وهو ما تبناه بعض قيادات المعارضة عندما تحدثوا عن أنه لا بأس من الذهاب إلى جزء من الحل في حال عدم قدرة المعارضة الحصول على حل كامل، وهذا بحد ذاته كان خطأ استراتيجي ارتكبته المعارضة بأنها جزأت الحل وبالتالي توافقت مع ما ذهب إليه ديمستورا بسلاله الأربعة بالذهاب إلى خطوة انتقائية دون مراعاة تسلسل الحل.

في عرف العمل السياسي غالباً عندما نسقط خطوة من العمل السياسي فإن العودة إليه تصبح صعبة، وهذا ما وقعت به المعارضة السورية عندما لم تحترم تراتبية القرار 2254، فعندما وضع كوفي عنان نقاطه الثلاثة عشر وقامت محادثات جنيف على أساسه، جاءت تراتبية فقرات القرار 2254 لتأخذ بالاعتبار أسباب ترتيبها بهذا الشكل حيث جاءت البيئة الآمنة ومن ثم هيئة الحكم ومن ثم الدستور والانتخابات.

الذهاب إلى لجنة دستورية يعني التسامح أو بالأحرى القفز على هذه التراتبية، وبالتالي من الصعوبة بمكان العودة إليها مما يعني أننا أفقدنا هنا القرار 2254 قيمته القانونية والسياسية، وذهبنا بحل حسب الرؤية الروسية والذي يقول بأننا نحتاج إلى دستور ومن ثم انتخابات والابتعاد عن هيئة الحكم وكل ذلك من أجل إعادة تعويم نظام الأسد.

هذه هي الاستراتيجية الخاطئة التي وقع بها قادة المعارضة وأصروا عليها فكانوا ممن أخذتهم العزة بالإثم. من هنا تتحمل المعارضة جزءاً كبيراً مما يحدث، بسبب عدم قدرتها على بناء هيكلية حقيقية، تعمل على محاسبة النظام من جهة وتوثيق جرائمه من جهة أخرى وبالتالي الضغط باتجاه إفقاده الشرعية. فخلال عقد من الزمن نجح بعض السوريين وبجهود فردية بتعرية كثير من جرائم النظام كما حدث مع قيصر ومن ثم مجزرة التضامن. بالمقابل فشل الائتلاف في حشد تأييد دولي لمحاسبة نظام الاسد قانونياً وبقي عمله حبيس بعض التصريحات هنا واللقاءات الدستورية هناك.

على الرغم من كل هذا الحراك الدولي وبعد ماحدث ويحدث في أوكرانيا، والموقف الدولي من روسيا الراعي الأساس للجنة الدستورية. وبدل الاستفادة من هذا الزخم من أجل الضغط لتسريع العملية السياسية. وبدل تلقف ماحدث من ضجة اعلامية بعد فيديو مجزرة التضامن، والبناء عليها لاتخاذ موقف سياسي قوي يعيد للمعارضة هيبتها ويعيد القضية السورية للواجهة، تسارع المعارضة للموافقة على الذهاب الي الجولة الثامنة من اللجنة الدستورية في ٢٨ أيار القادم، وكأن شيئاَ لم يكن.

لهذا كانت اللجنة الدستورية حفرة لا تقل بشاعة واجرام عن حفرة التضامن فالثانية ألقى فيها جنود السفاح جزءاً من الشعب السوري وهم معصوبي الأيدي والأعين… والأولى حفرة تدفع المعارضة السورية إليها جزءا كبيراً من أبناء هذا الشعب مسلوب الإرادة وحق تقرير المصير إلى حلول جزئية وثانوية تفقدهم حقهم في العودة وبناء سوريا دولة حرة ديموقراطية ومدنية .

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل