عائلات المختفين قسرياً بين صراع المسؤولية والطوق الاجتماعي الخانق

سلام زيدان
2021-10-27T23:14:47+03:00
المرأة والطفل
سلام زيدان26 أكتوبر 2021آخر تحديث : الأربعاء 27 أكتوبر 2021 - 11:14 مساءً
سلام زيدان
groupfff scaled 1 - حرية برس Horrya press
أفراد من عائلات سورية تطالب بالحرية والعدالة والإفراج عن أبنائها من سجون النظام السوري – المصدر: “عائلات من أجل الحرية”

تم نشر هذه المادة لصالح حملة “كانوا هنا” من ضمن مشروع “صوت العدالة”

يعاني أطفال المختفين قسرياً وزوجاتهم وطأة الفقد وأحكام المجتمع القاسية، ما يجعلهم عرضة لآثار نفسية واجتماعية واقتصادية  تنال منهم وتجعلهم أكثر ضعفاً وهشاشة.   

لم تتوقع خلود (اسم مستعار) أن حياتها ستتحول لهذا الكم من المعاناة النفسية والاجتماعية وعدم الاستقرار المادي بعد اختفاء زوجها في طريقه إلى لبنان للعمل في 31 شباط/فبراير 2013، ليصل بها الحال إلى ماهو عليه. 

لم تصدق خلود خبر اعتقال زوجها العامل في مجال البناء، حتى جاءها خبر وفاته بعد ثمانية أشهر قضوها في البحث عنه آملين العثور عليه، أخفت زوجته حزنها مراراً وتظاهرت بالتماسك أمام أبنائها لأكثر من مرة إلا أن فاجعة فقده أفقدها الوعي وجعلها تنهار لأكثر من يوم، وتحول حلم خلود الذي رأته يوم سفر زوجها بنظرة الشفقة من أقاربها إلى حقيقة مفجعة جعلتها بأضعف حالاتها وهي المرأة المعروفة بصاحبة الشخصية القوية.   

 زوجات المختفين بين صراع المسؤولية والطوق الاجتماعي الخانق.   

لم تتوقع خلود أنها ستمضي بقية شبابها دون سند أو معيل بل وستكون أمام مسؤولية خمسة أطفال صغار طيلة حياتها -وهي أحد أكبر المعوقات كما وصفتها- تزيدها ألما تلقي الكثير من الأحكام القاسية من مجتمعها وأقرابها بحكم غياب زوجها.  

تحاول خلود تقبل واقعها بمزيد من الصبر والعمل على تأمين مستلزمات بيتها في ظل غياب المعيل وعدم وجود دعم مادي من قبل أقاربها، إلا أن أحكام المجتمع وتقاليده تقيّدها في كل مرة.  

حيث تتعرض نساء المختفين قسرا لكثير من الضغوطات المجتمعية بعاداتها وتقاليدها لتسمع الكثير من القيل والقال والتشكيك بسلوكهن عند القيام بأي عمل أو تصرف، إضافة لما يتعرضن له من مضايقات أثناء عملهن وهذا ما يجعل حياتهن اليومية وعلاقاتهن الاجتماعية محدودة وضعيفة، ما يدفع البعض منهن للانطواء والعزلة والهروب بعيدا عن المجتمع وظلمه.  

تقول خلود “يحاسبنا من حولنا على ضحكاتنا حتى لو كانت ظاهرية فقط ويحرّم علينا حضور المناسبات وانتقاء ألوان ملابسنا بل يتوجب علينا أن نلبس الأسود على الدوام بحكم غياب أزواجنا”، وتكمل قائلة “الحزن في القلب وليس في اللباس لكن أحكام المجتمع تجبرنا بذلك، وهو ما اعتدت عليه منذ فقدت زوجي وانا بعمر الثلاثين حتى اليوم”. 

اضطرت خلود للبحث عن عمل يساعدها في تأمين احتياجات منزلها في ظل غياب معيل الأسرة بعد رفض إخوتها العمل في الأراضي الزراعية، فاستدانت مبلغا من المال من أختها وأنشأت محلاً لبيع الألبسة علّها تؤمن احتياجات عائلتها من مردوده إلا أن دخول أي رجل مع زوجته للمحل لشراء البضائع يجعلها عرضة للمضايقات من أقاربها تقول “كلام الناس لا يرحم “، وزاد الأمر تعقيدا تقدم بعض الرجال لطلبها للزواج رغم رفضها للفكرة. 

 تروي خلود لنا محاولتها المتكررة للبحث عن فرصة عمل لها مرات عدة إلا أن قرار أخوتها وإجبارهم لها ترك عملها ـ بحجة دخول بعض الرجال مع زوجاتهم أثناء انتقاء أشيائهم ـ جعلها تدخل في حالة اكتئاب وصدمة كبرى أفقدتها التفكير بأي شيء أو محاولة العمل مرة أخرى، ما جعل الأمر يعود سلبا على أطفالها.  

الأثر النفسي لاختفاء الآباء على الأطفال والأزواج  

لم تقتصر آثار غياب الأزواج على الآثار الاجتماعية والاقتصادية فحسب بل طالتها الى المعاناة النفسية بشتى أشكالها، إذ يعيش ذوي المختفين ضغوطات نفسية واجتماعية واقتصادية تعود عليهم بالكثير من الأزمات والأمراض النفسية.   

تؤكد خلود أن غياب الزوج يحرم المرأة أي رأي أو قرار ويجعل من أخوتها وأخوة زوجها أوصياء عليها في كل قرار تتخذه، إذ كثيراً ما ينعكس الاختفاء على شعور الأطفال وبالتالي على مستقبلهم ناهيك عن الحرمان المادي نتيجة اختفاء المعيل الذي سيقود إلى تبديل دورة حياة الأسرة من حياة مستقرة إلى حياة متعبة يسودها عمالة الأطفال وتزيدها سلبية الحالة النفسية من حزن، حيث كثيرا ما يقارن الأطفال أنفسهم بأصدقائهم ويحلمون بوجود آبائهم ما يضعهم في دائرة المعاناة والفقد تحت قرارات وسيطرة الكثير من الأقارب. 

 ينام أطفال خلود مرات عدة دون عشاء بسبب حزنهم لفقد أبيهم وعدم قدرة والدتهم تأمين متطلباتهم كحال أقرانهم، حيث تحاول أمهم مرات كثيرة تأجيلها لأيام قادمة علها تحظى بتأمينها، رغم محاولاتها المتعثرة بإقناعهم أنها ليست كأبيهم بقدرتها على تأمين ما يلزم في ظل تقييد المجتمع لها، تتهرب من مقابلة أطفالها ومتابعة الحديث معهم بالذهاب للنوم، تدثر جسدها بغطاء تخفي تحته دموعاً بحجم وطن على وسادتها.  

تواجه النساء الفاقدات لأزواجهن صراعا مريرا بين تقديم الحنان والرعاية وتعويض غياب الأب وبين مسؤولية تأمين مستلزمات الأطفال وحاجاتهم. 

أمراض صحية عدة نالت من جسد خلود النحيل كالضغط والاضطرابات النفسية كالقلق في ليالي الشتاء الطويلة والخوف من المجهول والتفكير بمصير الزوج جعلها تطيل السكوت لساعات طويلة وتجعل من اللامبالاة بأمور الحياة وعدم التدخل بأي شأن وانطوائها على نفسها أمرا اعتياديا بالنسبة لها دون الشعور بحالها من أحد. 

توجه خلود رسالة للعالم مفادها أن الحروف والكلمات مهما وصفت لن توصل مشاعر الحزن وألم الفقد والمعاناة التي يعيشها أهالي المغيبين، وتوجه نداءً للمطالبة بالبحث في ملف المختفيين وعدم تجاهل تغييبهم ما يجعلهم عرضة للاختفاء بشكل أكبر والتوعية بأهمية تقديم الدعم المعنوي لأسر المختفين. 

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة