دراسة تتناول أبعاد الآثار الاجتماعية والنفسية للنزوح السوري

2020-12-21T16:16:29+02:00
2020-12-21T17:26:06+02:00
دراسات وأبحاث
فريق التحرير21 ديسمبر 2020آخر تحديث : منذ 4 أسابيع
IMG 4364 copy - حرية برس Horrya press
آلاف ينزحون من جنوب إدلب نحو شمال المحافظة بسبب عدوان قوات الأسد والمحتل الروسي حيث تستمر عمليات النزوح بلا توقف ويفترش النازحون الأرض بلا مأوى، الثلاثاء 24 ديسمبر، تصوبر: أدهم الخولي، حرية برس©

أجرى مركز حرمون للدراسات المعاصرة دراسة حول أبعاد الآثار الاجتماعية والنفسية للنازحين وأحوال معيشتهم اليومية، والمشكلات الاجتماعية والقانونية التي تواجههم وأثر النزوح على الأطفال وجيل الطلبة.

وبحسب الدراسة التي أعدها الباحثان عمر إدلبي ومحمود الحسين فقد “أدى الصراع المسلح في سورية، المستمرّ منذ سنوات عدة، إلى حصول انتهاكات جسيمة، عاناها المدنيون على وجه الخصوص، ولا يبدو -بعد مضي أكثر من 9 سنوات- أن نهاية هذا الصراع قريبة، بعد تعقّد المشهد، وبخاصة في ظل استمرار النظام في ممارسة أشكال العنف والوحشية في مواجهة السوريين، وتعنته أمام مطالبهم المشروعة، ورفضه الانخراط جديًا في جهد الحل السياسي، ولا سيّما بعد تقدّمهِ عسكريًا بفضل دعم حلفائه الروس والإيرانيين، وتعقد مشهد الصراع في سورية وعليها، ووجود دول عدة بعدتها وعتادها العسكري، كروسيا وإيران والولايات المتحدة الأميركية وتركيا، إضافة إلى قوات النظام السوري وفصائل المعارضة المسلحة والفصائل الإسلامية، وأيضًا القوات الكردية أو ما يُسمى “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، فضلًا عن عدد من الميليشيات المدعومة من إيران، كالأفغانية والعراقية وميليشيا حزب الله اللبناني”.

هذه الأطراف كلّها تندرج ضمن ما يُعرف بالفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين، وعلى الرغم من حصول مبادرات عربية وإقليمية ودولية عدة، كانت تهدف إلى التوصّل إلى حل سياسي ينهي معاناة المدنيين في سورية، فقد فشلت في ذلك.

أصرّ النظام السوري على الحل العسكري والأمني منذ البداية، مستفيدًا من عامل الوقت لمعرفته بطبيعة المجتمع الدولي وتردد القوى الدولية الكبرى في التدخل ضده، ولم يكن النظام السوري جادًا في أي جهد أو حلول سياسية جرى طرحها، سواء تلك التي رعاها المجتمع الدولي كمفاوضات جنيف واللجنة الدستورية، أم التي كانت برعاية الدول الفاعلة في النزاع السوري، كمفاوضات آستانة وسوتشي. بل على العكس تمامًا بقي النظام مُصرًّا على القتل والعنف غير المبررين تجاه المدنيين، وغالبًا ما كانت تزداد العمليات العسكرية والقصف الجوي والتصعيد الميداني من طرف النظام السوري، قبل أي حدث دولي خاص بالشأن السوري؛ وذلك لإحداث مزيد من الضغط على الطرف الآخر، والتغيير بقدر الإمكان في موازين القوى، الأمر الذي يقوي موقفه أكثر في جلسات التفاوض، في ظل عدم وجود أي تحرك دولي يردعه أو يوقفه عن ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين.

لا يمكن فصل هذه التفاصيل كلها التي أشير إليها عما آلت إليه الأوضاع الإنسانية في سورية، ومنها ما مارسه النظام السوري من عمليات التهجير الجماعي ضد الأهالي والمدنيين القاطنين في المناطق التي سيطرت عليها المعارضة السورية المسلحة في بعض مراحل الصراع، بدءًا بتهجير سكان حي بابا عمرو في مدينة حمص، في مطلع آذار/ مارس 2012، مرورًا بتهجير أهالي حمص القديمة، في أيار/ مايو 2014، وانتهاءً بتهجير سكان بلدات كثيرة في درعا والقنيطرة، في تموز/ يوليو 2018.

ولا بد من الإشارة إلى ارتفاع أعداد المهجرين قسرًا، بعد التدخل العسكري الروسي عام 2015، وهو التدخل الذي رجّح كفة النظام السوري، وغيّر موازين القوة، خصوصًا بعد معركة حلب في 2016 وما نتج منها من إجبار الفصائل المسلحة المعارضة المسلحة على إخلائها، وتهجير جزء كبير من سكانها في كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه.

كان ارتفاع عدد المهجرين من مناطق سكناهم،  بدءًا من النصف الثاني من عام 2015، نتيجة مباشرة لتدخل روسيا عسكريًا، وهو ما أدى إلى سيطرة النظام السوري على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية ضمن سياسة القضم التي اتبعها، وبمساندة مؤثرة على الأرض من قوات وميليشيات إيرانية، لتزداد عمليات التهجير القسري وموجات النزوح ازديادًا غير مسبوق في العصر الحديث، إذ كانت هذه المناطق تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة منذ بدء عملياتها العسكرية لتحرير المدن عام 2012، وكانت هذه المناطق تُعدّ ملجأً وملاذًا للمدنيين الفارين من الملاحقات الأمنية المستمرة، في ظل مواصلة النظام السوري وحلفائه عملياتهم العسكرية وانتهاكاتهم الوحشية.

ومع طول مدة نزوح السوريين وإقامة ملايين منهم في منازل وتجمعات ومخيمات إيواء مؤقتة، برزت آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية في النازحين وذويهم وفي علاقاتهم الأسرية، وظهرت إشكالات عدة بين النازحين والمجتمعات المضيفة. هذه القضايا لم تُدرس دراسة كافية ضمن معاناة السوريين المستمرة منذ 2011، وهي الكارثة الإنسانية الأصعب والأشد تعقيدًا بعد الحرب العالمية الثانية، فوفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يوجد أكثر من 6 ملايين و700 ألف لاجئ سوري موزعين في بلدان عدة حول العالم حتى منتصف عام 2019، فضلًا عن 6 ملايين و200 ألف نازح داخلي حتى آب/ أغسطس من العام نفسه، ونتج من العمليات العسكرية التي شنها النظام السوري وحلفاؤه، في الأشهر الأولى من عام 2020، نزوح نحو مليون مدني سوري من محافظتي حماة وإدلب.

وبحسب التقرير الصادر عن مركز رصد النزوح الداخلي في المجلس النرويجي للاجئين، بلغ عدد الأشخاص النازحين في داخل بلدانهم حتى نهاية عام 2018 قرابة 41.3 مليون شخص في مستوى العالم. ويُعد هذا الرقم أعلى رقم مُسجل على الإطلاق، وتتركز أعلى نسب للنازحين داخليًا في كل من أثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا وسورية، علمًا أن الأخيرة تشهد أعمالًا عسكرية متواصلة منذ بدء الاحتجاجات الشعبية في آذار/ مارس 2011، مع فشل الجهد الدولي جميعه في التوصل إلى حل ينهي معاناة المدنيين هناك.

أهمية البحث وأهدافه

تسعى هذه الدراسة إلى تناول أبعاد الآثار الاجتماعية والنفسية للنازحين وأحوال معيشتهم اليومية باستعراضها وتحليل البيانات الكمية والنوعية التي جمعت خصيصًا لهذه الدراسة في محافظات سورية عدة، وأخيرًا استعراض النتائج التي خلُص إليها البحث.

تتمحور هذه الدراسة حول سؤال البحث الرئيس الآتي: ما هي آثار النزوح الاجتماعية والنفسية في النازحين وفي علاقاتهم بعائلاتهم وبالمجتمعات المضيفة؟

بافتراض أن مشكلات اجتماعية كثيرة نتجت من النزوح بسبب طول المدّة الزمنية، ما أثّر في العلاقات ضمن مكونات المجتمع وضمن الأسرة الواحدة، كالعلاقة بين الزوجين وأطفالهما، أو مع الأقارب والجيران أو حتى مع أهالي المنطقة التي نزح إليها، ومن ثم علاقة النازحين بالمجتمع المضيف، أي اضطرار النازح إلى العيش في وسط اجتماعي جديد غير متجانس، فضلًا عن الآثار النفسية للنزوح والصعوبات التي يواجهها النازح كالسكن السيئ وغياب الخصوصية وغياب المرافق الخدمية والصحية وانقطاع موارد الرزق وما يحمله النزوح من صعوبات معيشية ترهق العائلات ورب الأسرة تحديدًا الذي يشعر بالعجز بسبب عدم تلبيته متطلبات أسرته كما كان يفعل سابقًا في ظل الاعتماد على المعونات الإغاثية فحسب، وهنا سيستعرض البحث كيف يمكن التعامل مع هذه المشكلات والضغوط النفسية لدى الأطفال والعائلة ككل، من خلال الاطلاع على وجهتي نظر أصحاب المصلحة (الأهالي والمتخصصين النفسيين)، والبحث عن إمكانية التعافي منها وتجاوزها.

يهدف البحث أيضًا إلى معرفة أثر النزوح في فئة الطلبة في الجانب التعليمي، وما قد يسببه النزوح من انقطاع للأطفال عن المدارس مُددًا زمنية طويلة وسط غياب الاهتمام العاطفي والنفسي والتنشئة السليمة للأطفال النازحين في بيئة غير مستقرة.

وأخيرًا التعرف إلى المشكلات القانونية التي حدثت في أثناء مرحلة النزوح وسط تسجيل حالات زواج وولادة كثيرة من دون توثيق أو حتى الحصول على وثائق رسمية تثبت هذا الأمر، ومعرفة دور الجهات المسؤولة عن المخيمات في التعامل مع هذه المشكلات، وهل كان النزوح سببًا في ازدياد المشكلات العائلية وما هي الآلية المتبعة لحل هذه المشكلات؟

المنهجية

تعتمد هذه الدراسة على نوعين من مصادر البيانات الأولية والثانوية، اشتملت الثانوية على الأبحاث والتقارير المتضمنة معلومات وبيانات عن النازحين ومشكلاتهم في داخل سورية، أما البيانات الأولية فكانت على الشكل الآتي:

أولا: البيانات الكمية: وهي بيانات جمعت عن طريق تصميم استبانة على منصة كوبو Kobo toolbox تتضمن أسئلة تجاب بـ نعم أو لا، واختيار من متعدد، أي إجابات قصيرة مع توضيح الإجابات في بعض الأسئلة، ومن ثم جرى تنظيف البيانات وتحليلها.

جمع 462 استبانة في 6 محافظات وهي إدلب، والحسكة، والرقة، وحلب، ودير الزور، واللاذقية في عدد من المخيمات الموجودة في هذه المحافظات والبالغ عددها (24 مخيمًا).

ثانيًا: البيانات النوعية: وذلك بإجراء مزودي المعلومات مقابلات مع ثلاث فئات مختلفة: أولياء الأمور، ومرشدين اجتماعين وأطباء نفسيين، ومع المسؤولين عن إدارة المخيمات والقضاة، وقد بلغ عدد هذه المقابلات 24 مقابلة في المحافظات المذكورة أعلاه.

نفّذ عملية جمع البيانات الفريق الميداني المُتعاون المكون من 17 شخصًا ذكورًا وإناثًا) عبر استخدامهم تطبيق Kobo على أجهزة الهاتف الذكية (تحديدًا بالنسبة إلى الاستبانات). استمرت عملية جمع البيانات مدة ثلاثة أشهر من عام 2020.

الصعوبات التي واجهت الدراسة

واجهت الدراسة في مرحلة جمع البيانات صعوبات عدة، تمثل أبرزها في رفض بعض الأهالي الإجابة عن الاستبانة بذريعة عدم جدوى هذه الدراسات في تحسين أوضاعهم، وتخوف آخرين من إجراء المقابلة خشية كشف أسمائهم في ما بعد.

وواجه فريق جمع البيانات الميداني بعض الصعوبات اللوجستية المتعلقة بصعوبة التنقل بين المخيمات؛ إما بسبب بعد المسافات أو بسبب الحواجز ونقاط التفتيش.

أما في المخيمات فكانت هناك صعوبة كبيرة في الدخول إليها، وخصوصًا أن هذه المخيمات وتجمعات النازحين معظمها تقع في مناطق سيطرة بعض الفصائل المسلحة التي تمنع الوصول إلى المعلومات والتواصل مع مصادرها، ولا سيما تلك التجمعات الخاضعة لسيطرة فصيل ما يسمى “قوات سوريا الديمقراطية”، وفصيل “هيئة تحرير الشام” النصرة سابقًا.

ومن الجدير بالذكر أن فريق جمع البيانات اعتمد في مناطق عدة على العنصر النسائي من أفراده اعتمادًا أكبر، لسهولة تقبلهن من جانب العائلات، في خلال المقابلات مع الأهالي في المخيمات والمناطق التي جرت زيارتها.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة