“غزوة ابراهيم اليوسف”.. عن اليمين واليسار

آراء
فريق التحرير12 أغسطس 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
“غزوة ابراهيم اليوسف”.. عن اليمين واليسار
رعد أطلي

* رعد أطلي

جاءت عملية فك الحصار عن حلب لترسم خطاً جديداً وواضحاً في تاريخ الثورة السورية، وربما في تاريخ سوريا المعاصر، ونقلت الصراع بين قوى النظام وحلفائه من جهة وقوى الثورة وحلفائها أيضاً من جهة أخرى إلى مستوى أعلى من المواجهة، وكعادة معارك الثورة السورية أشعلت تلك المعركة عدة معارك أخرى في الحقل الإعلامي، فكما بينت زيف القوة التي يتحصن بها النظام وحلفائه بينت بشكل فاقع هذه المرة افتراءه الإعلامي، إلا أن معركة أخرى – كان من الممكن أن تكون مؤجلة – اشتعلت في الجانب الثوري على وسائط التواصل الاجتماعي، معركة بين اليسار التقليدي إن صح القول، وباقي مكونات الثورة بما فيها اليسار الثوري، وأطلق فتيل هذه المعركة تسمية معركة تحرير كلية المدفعية بحلب باسم غزوة “ابراهيم اليوسف”، ولمن لا يعرف ابراهيم اليوسف فهو أحد ضباط الجيش في فترة الثمانيات عندما انتفض الإخوان المسلمون ضد نظام الحكم، كان هذا الضابط برتبة نقيب يخدم في المدرسة المدفعية في حلب آنذاك، وكان أحد أعضاء الطليعة المقاتلة، والتي تعتبر الجناح المسلح للإخوان المسلمين، إلا أن الإخوان في أكثر من مرة صرحوا بأن الطليعة تنظيم مستقل بذاته، وقد قام النقيب ابراهيم اليوسف بعملية في مدرسة المدفعية أدت إلى مقتل ما يزيد عن ثمانين من طلاب الضباط العلويين، وتمكن من الفرار، ولكن بعد عدة عمليات أخرى قام بها تمكنت قوات النظام من قتله وأتت به لساحة مدرسة المدفعية ومثلت بجثته وأهانتها، واتخذت من عمليته تلك ذريعة لرفع مستوى الإرهاب التي كانت تمارسه من قبل ضد أبناء الشعب، والذي كانت العملية بحد ذاتها رد فعل عليه، وعلى عمليات التمييز في الجيش بين الضباط العلوية وغيرهم وخاصة الملتزمين دينياً. في ذلك الوقت كانت هناك بعض الحركات اليسارية الشيوعية في غالبها وبعضها قومي يشارك في تلك الانتفاضة أيضاً ولكن بطرق مختلفة ومستقلة تماماً عن عمل الإخوان، ولا يقل بينهم العداء عما كان عليه بين نظام الأسد وبينهما، وقد حاولت بعض الأحزاب اليسارية حينها والتي شكلت ما سمي “التجمع الوطني الديمقراطي” أن تتوجه للإخوان وتنفتح عليهم من خلال إصدار بيان يؤيد الانتفاضة ويعلن الاستعداد للعمل المشترك، لكن الإسلام السياسي والذي لم يكن يتمثل بسوى حركة الإخوان المسلمين في تلك المرحلة إن كان في سوريا أو في غيرها رفض تلك المبادرة ورد عليها رداً قاسياً ومهيناً، مختصره أن على تلك الأحزاب العودة إلى “جحورها” احتجاجاً منه على عدم مشاركتهم في العمل المسلح، وفي الانتفاضة العلنية والاكتفاء بالعمل السري. ولم يحدث أن جرى لقاء بين يمين المعارضة السورية المتمثل بالإسلاميين ويسارها المتمثل بالشيوعيين والقوميين حتى عام 2005 عندما كان الإخوان المسلمين أحد التشكيلات المشاركة بإعلان دمشق.

لم تسلم الثورة السورية من خلافات الطرفين العميقة، بل وقعت فريسة شبقهما في الصراع، الذي أدى ومنذ الأيام الأولى للثورة في تطلع كل منهما لمرحلة ما بعد الأسد إلى إصابة الثورة بالعديد من الجروح الغائرة، علماً أن الطرفين بممثليهما السياسيين لم يشاركا في الثورة ولم يبديا رأيهما فيها إلا في مرحلة متأخرة نوعاً ما، فلم يصدر عن الإخوان المسلمين أي موقف صريح من الثورة السورية إلا بعد فترة تأكدوا فيها من نجاعتها وأنها لا بد أنها اشتعلت ولن تتراجع، وخاصة أنهم كانوا قد فتحوا بعض القنوات من نظام الأسد في مراحل مبكرة من الثورة، وكان هناك نوع من التصريح بمصالحة تمكنهم من العودة للبلاد وممارسة العمل السياسي، هذه القنوات التي بدأت تغلق واحدة إثر أخرى بعد اغتيال الحريري وعودة الحرس القديم للتمكن من مقاليد الحكم. في الوقت ذاته كانت مشاركات الطرف اليساري في الشارع (والذي يعتبر مصدر قوة اليسار العالمي سابقاً ) ضعيفة ومترددة، وكان قرار معظم النخب السياسية أن يبقوا في الخفاء، وقد تحدث عديدون عن السعي لتنصيب شخص رياض الترك زعيم حزب الشعب المعارض في مرحلة من المراحل رمزاً للحراك على اعتباره “مانديلا دمشق” من خلال إطلالات قصيرة له عبر وسائل التواصل الاجتماعي يحث فيها الثوار ويكون ملهماً لهم، إلا أن “مانديلانا” رفض العرض. ويبرر الطرفان، اليسار واليمين، موقفهما بأنهما لم يريدوا أن يتركوا ذريعة بيد النظام يستخدمها في إظهار الثورة على أنها فئوية تخص طرف معين دون آخر، وإنما ليبقوا محافظين على شعبية الثورة. كما أن أداءهم طيلة فترة الثورة لم يعد حسب كثير من ناشطيها إلا بالوبال عليها، فقد تميز الطرفان بحالة سعار لاستقطاب نشطاء الثورة وكسبهم كل إلى ضفته ليتمترس بهم ويشرعن عمله السياسي في الثورة من خلالهم، ولم يتوانوا عن فعل أي شيء بغية ذلك من تسييس وأدلجة كل الأنشطة المدنية من العمل الإغاثي إلى نشاطات الإدارة المحلية، إلى جانب العمل العسكري، وكان للإسلاميين السبق في ذلك للقوة المالية التي يتمتعون بها، مما حدا باليساريين الذين أخفقوا في ذلك أن يحملوا مسؤولية التغول الراديكالي وحالات الفشل العامة على الإسلاميين، علماً أنه لم يذكر لليساريين هم الآخرين أي نجاح في أي مشروع قاموا عليه، ويتهمهم الكثير من النشطاء العلمانيون والديمقراطيون بأنهم السبب الرئيسي بتغول الطابع الراديكالي بسبب تخليهم عن العمل المدني في الداخل والالتفات لتحصين دبلوماسي دولي لأنفسهم.

جاءت معركة المدفعية تحت مسمى “غزوة ابراهيم اليوسف” لتؤجج الصراع بشكله الفاقع بين الطرفين، ولتظهر الهوة السحيقة بينهما والتي أودت بالثورة إلى ما هي عليه اليوم بعد أن كانت قبل سنوات في موقع المهاجم وبيدها معظم الأراضي السورية، وستحاول الورقة هنا أن تنظر إلى الوراء بشكل سريع وهي تفند حجج المعترضين والمؤيدين ومن ثم الحياديين مع تلك التسمية، ولن تناقش آراء المعترضين والمؤيدين لتلك التسمية الذين انطلقوا في ذلك من خلال نفس طائفي من الطرفين، وإنما أولئك الذين اعترضوا انطلاقاً من مواقف سياسية ومبدئية بالنسبة لهم.

يقول رأي من المعترضين على تلك التسمية أن إطلاق اسم “ابراهيم اليوسف” على المعركة ومن ثم على الكلية يدل على التفكير الإقصائي إلى اليوم من جانب الإسلاميين، والذين يحاولون أن يصادروا تلك الثورة لحسابهم على أنها عملية مستمرة لأحداث الثمانينات، وأن الصراع الرئيسي بين النظام وبين من صادروا الثورة لحسابهم على أنها إسلامية، وتأطير ذلك النزاع وتقليصه من ثورة شعب ضد ديكتاتور قاتل أجرم بحق كل الشعب دون استثناء، إلى انتفاضة سنية ضد العلوية، أي أشبه  إلى حرب طائفية تسعى لإحلال طائفة محل أخرى في فرض آرائها وعقائدها على الجميع مخالفين بذلك أهداف الثورة الأولى في الحرية والكرامة والعدالة والمساواة لكل السوريين دون استثناء، كما يذهب البعض لأن ابراهيم اليوسف ليس سوى “شخصاً إرهابياً” قام بعمل إجرامي أدى إلى مقتل العديد من الطلاب الضباط الذين لا ذنب لهم فيما كان يحدث حينها وعلى أساس طائفي بحت، حيث لم يقتل من السنة أي ضابط، علماً أن الجيش إلى اليوم يحوي العديد من ضباط السنة والدْين يقومون بقتل الشعب وقمعه كما غيرهم، إلا أن حساً طائفياً هو الذي حركه وليس حساً وطنياً، وآخرين كانوا أبعد من ذلك حيث نظروا إلى عملية فك الحصار عبر القوى الإسلامية على مختلف تسمياتها أزمة أكثر مما هو انفراجاً متسلحين بالتغول السابق للقوى الإسلامية على الأرض والتجارب الفاشلة للعمل المدني وحتى العسكري الذي جعل الثورة اليوم في موقع دفاع وليس هجوم، ومنح الذريعة للمجتمع الدولي لمناصبتها العداء. ويصر كثير من رواد اليسار التقليدي السوري على أن السلاح هو الذي أدى إلى عرقلة الثورة وطوفانها المدني الذي كان من الممكن في حال استمراره أن يسقط النظام، وذلك دون تقديم الأدوات التي تكفل استمرار العمل السلمي في ظل إجرام الأسد، وغير مهتمين بأن فكرة السلاح بالأساس لم تخرج من الإسلاميين، بل من الضباط وصف الضباط الذين أعلنوا انشقاقهم عن الجيش وتشكيل ما سمي بحركة الضباط الأحرار التي قامت بأول عملية مسلحة واضحة ضد النظام في جسر الشغور بقيادة المقدم حسين الهرموش.

على الطرف الآخر يرى الإسلاميون أن تسمية المدفعية بهذا الاسم ما هي إلا دليل على رمزية استمرارية نضال الشعب السوري ضد العائلة الديكتاتورية الطائفية، وما كانت عملية ابراهيم اليوسف “الشهيد هنا” إلا انتفاضة على التمييز والظلم الطائفي الدْي كان يمارسه النظام على كل مكونات الشعب الأخرى، مستخدماً في ذلك آلته العسكرية، وأن تلك العملية لم تتم إلا بعد عدة مجازر ارتكبها نظام الأسد في أكثر من مكان في سوريا. ويرى آخرون من الإسلاميين أنه ما من حق أحد أن يطالب بتسمية تلك المعركة أو الكلية إلا المشاركون في تحريرها، هم الذين قدموا الدماء والأرواح وحتى المال لتنفيذ تلك المهمة، ويحق لمن يستعد بشكل أكبر للتضحية أن يقرر ليس وقت المعركة وعدد المقاتلين ونسبة المخاطرة، بل أيضاً نتائج النصر، ومن يرد أن يغير من ذلك فليرمي بنفسه أو بأولاده في فم جهنم كما يفعلون ثم يشارك في القرار، كما أكدوا أن ليس للتسمية بعداً طائفياً، فابراهيم اليوسف شهيد قام بواجبه تجاه بلده ودينه، وسموه إرهابي كما يسمونهم اليوم إرهابيين ومتطرفين ومخربين، ولعل البيان الدْي صدر عن غرفة عمليات فتح حلب حول التعامل مع المدنيين في مناطق حلب المحتلة بعد تحريرها أصدق برهاناً على ذلك.

هذا الخلاف على المسمى الذي ليس جديداً على يوميات الثورة كان دائماً السكين التي تقطع كل تحالف ممكن بين قوى الثورة وتضعفها كلما حققت تقدماً ملحوظاً، ورغم أن النصر يأتي ضمن تحولات كبيرة تشهدها المنطقة عموماً في خارطة التحالفات أفرزها بشكل رئيسي فشل الانقلاب في تركيا، إلا أن الفاصل على مستوى الثورة السورية ما يحصل على الأرض، فالنصر يطلب دائماً استحقاقاته، تلك الاستحقاقات التي طالما أدت الخلافات البينية في الثورة السورية والتي على رأسها خلاف يمينها مع يسارها إلى فشلها، وتحوبل النصر إلى عبء جديد من الصعب التخلص منه، وذلك لأنه بعد كل نصر يتحول إسقاط النظام إلى هدف ثانوي لدى معظم تلك الكتل مقابل الصراع الداخلي.

يعود ذلك الصراع في جذوره لبداية تشكل التيارات الإسلامية والعلمانية في سوريا، وطريقة تشكلها وبناها التنظيمية.

منذ نشوء سوريا كدولة بحدودها السياسية المعروفة بعد عام 1918، ولم تكن أردن ولبنان وفلسطين مقتطعة منها بعد كان للتيار العلماني القومي فيها الدور الأكبر وقد بدا ذلك واضحاً في الدستور الفيصلي، ولكن ضعف هدْا الاتجاه في فترة الاحتلال الفرنسي، وكانت التوجهات أكثر وطنية منها قومية، وسرعان ما عاد الأمر عليه في بداية الخمسينات وعاد للتيار القومي قوته وأحزابه السياسية التي تمثله مدعوماً بتداعيات نكبة عام 1948، وتسلم السلطة في معظم الدول العربية عن طريق الانقلابات العسكرية ليصبح في الفترات الحالية خارج نطاق تفكير معظم القوى الثورية في معظم بلدان الربيع العربي التي انتفضت ضد تلك الأنظمة القومية.

في حين نشأ التيار اليساري الشيوعي في سوريا منذ البداية نشوءاً سياسياً عبر تشكيل الحزب الشيوعي السوري عام 1927، والذي لم يكن له ذلك التأثير لأن عموم الشعب كانوا يرون فيه ليس معبراًُ سياسياُ فحسب، بل معبراُ ثقافياُ عن مذهب الإلحاد، وقد تم تنشيط تلك الدعاية من قبل حكومة الاحتلال الفرنسية ألد أعداء الاتحاد السوفييتي حينها. ثم بدأ التيار اليساري الشيوعي يمتد أفقياً في أوساط الشعب السوري واستطاع في مرحلة الاستقلال أن يحصل على بعض المقاعد في البرلمان، ناهيك أنه استفاد كغيره من مرحلة الانقلابات العسكرية، وبعد الانشقاقات العديدة عنه نتيجة التزام الحزب الرئيسي مع السلطة بات التيار الشيوعي بتشكيلاته الجديدة عموماً ملجأ لكل المعارضين للسلطة الديكتاتورية ذات النزعة “القومية” من أصحاب التوجه العلماني، ولكن تاريخ نشوء الحزب وتطوره ومن ثم الأحزاب الشيوعية الأخرى كان في فترة حكم ستالين ومن ثم الزمرة الستالينية بعد موته، أولئك الذين كان يرون في المصلحة القومية للاتحاد السوفييتي أمراً أهم من انتشار الشيوعية في العالم، فتضامن الاتحاد السوفييتي مع الأنظمة “القومية-الاشتراكية” في المنطقة، ودجن أحزابها الشيوعية الرسمية لصالحها، في حين لم يغض الطرف عن الأحزاب المعارضة، ولكنه حد من قوتها وأهميتها، والتي بطبيعة الحال لم تستطع التمدد لأنها لم تعتمد على الذخيرة الحقيقية للأحزاب الشيوعية في ظل الأنظمة الاستبدادية وهي الطبقة العاملة، وإنما اعتمدت فحسب على الانتلجينسيا لتشكيل أحزاب سياسية على الطريقة الستالينية ترى في الأحزاب القائمة على أساس ديني أكثر الأحزاب خطورة، وأن مواجهتها أحياناً أولوية على مواجهة الأنظمة الديكتاتورية، وبعد أحداث الثمانينات من القرن الماضي في سوريا تمكن نظام الأسد من حشر جميع معارضيه من اليساريين في السجون وقمع أي معارضة له بالحديد والنار، وضعف إلى حد بعيد العمل السياسي السري في سوريا، إلا أنه لم يمت نهائياً وجرت حملة اعتقالات أخرى على سبيل المثال في التسعينات لأعضاء حزب العمل الشيوعي. بعد استلام الأسد الابن السلطة في سوريا بدأت بعض حركات المعارضة تجمع نفسها وتتجمع ونتج عن ذلك مؤتمر إعلان دمشق الدْي ضم معظم الأحزاب اليسارية إضافة إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي عادت بعد فترة قصيرة تبتعد عنه منضمة لجبهة الخلاص الوطني التي دعا إليها نائب الرئيس السابق الفار عبد الحليم خدام.

على الطرف الآخر جاء تشكل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ابتداء من ثلاثينيات القرن الماضي، التزاماً بمدرسة حسن البنا التي كانت تسعى لإقامة شرع الله في الأرض، ليعلن عن تأسيسها بشكل رسمي عام 1940، وأعلنت مباشرة عن ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكسبت تأييداً شعبياً مع مرور الوقت مكنته أيضاً من دخول البرلمان السوري، ومن ثم ضاعف تلك الشعبية محاربة الأنظمة القومية العلمانية لتلك الحركة والتي رآها كثيرون أنها محاربة للدين نفسه، زاد من حدته في سوريا أن النظام الحاكم كان يسعى لخلق بنية التزام طائفية حوله من أبناء الطائفة العلوية، مما أدى إلى الانتفاضة المسلحة ضده عبر الطليعة المقاتلة التي سبق دْكرها والتي كانت قوية في البداية نتيجة دعم النظام العراقي الدْي سرعان ما قرر التهدئة في سوريا لانشغاله في حرب إيران، وقبلها النظام السوري لانشغاله في سيطرته على لبنان ومصادرة المقاومة لتحويلها من مقاومة تحررية لمقاومة تجارية، وأيضاً حشر النظام السوري الإخوان في سجونه وارتكب فيهم وفي غيرهم بحجتهم المجازر وبات هناك بنداً في قانون العقوبات السوري يعاقب كل من ينتسب للإخوان بالإعدام، وأيضاً في فترة الأسد الابن بدأت هناك بعض الحوارات اللامباشرة بين الإخوان والنظام السوري عبر الحلفاء القريبين للنظام حينها قطر وتركيا وإيران وحماس، كما بدأت الجماعة تتقرب من أحزاب المعارضة الأخرى وشاركوا بإعلان دمشق كما ذكرنا.

يحافظ تياران رئيسيان من الإسلاميين واليساريين على تحالفهما الشكلي متمثلين بجماعة الإخوان المسلمين وحزب الشعب الديمقراطي بقيادة رياض الترك، ولكن كما أسلفنا هذا التحالف شكلي لأن حزب الشعب بات مفرغاً من كل إمكانياته حيث لا تتوفر إحصائية حقيقية لأعداد المنتسبين له ناهيك عن مشاكل داخلية يعانيها، وليس للحزب أي تأثير حقيقي على الأرض وإنما يستمد شرعيته من رمزيته التاريخية، ومن أن بعض رموزه انخرطوا بشكل مبكر أكثر من غيرهم في الحراك الثوري، فيستمد حزب الشعب شرعيته وقوته في التواجد في المجلس الوطني والائتلاف الوطني من خلال قوة حليفه، بينما يستمد الإخوان شيئاً من شرعيتهم “الليبرالية” من تحالفهم مع حزب الشعب. ولكن فعلياً ما يزال اليسار واليمين في السياسة السورية لدى المعارضة على حالة خلاف فكري وإيديولوجي حاد.

منذ نشأة الأحزاب الشيوعية في سوريا وغيرها في المنطقة كانت ضمن جبهة أممية تسعى لفرض الفكر الاشتراكي على العالم ضمن آلية لا تقبل بالآخر على أساس أن ذلك الآخر هو عدو ضمن الصراع الطبقي الذي تفترضه الماركسية، وبذلك لا مكان سوى لحكم البروليتاريا التي تفرض ديكتاتوريتها كطبقة لترسم سياسة الدولة والتعاطي مع وسائل الإنتاج فيها، وبعيداً عن أي تعديلات آخرى يبقى ذلك جوهر الإيديولوجيا الشيوعية، وترى الشيوعية في التسلط الفاشي والديني الأعداء الألد بالنسبة لنضالها وفكرها. وقد تم استيراد الفكر الشيوعي اليساري كغيره من الأفكار اليسارية دون مراعاة الوضع المحلي بالمجمل، ورأت في أي تيار ديني وقومي تياراً مخرباً ومحرضاً على صراع الطبقات، وسيطرة الطبقات الرأسمالية والبرجوازية.

من ناحية أخرى نشأت جماعة الإخوان ومنذ بدايتها معلنة انضمامها لجبهة أممية إسلامية، أي “كومنترن إسلامي” إن صح القول، ويرى في كل الأنظمة العلمانية وعلى رأسها الشيوعية “الملحدة” في طبيعة الحال عدواً رئيسياً لها لا يمكن أن يجتمعا معاً في مكان واحد إلا إدْا اجتمع الكفر مع الإيمان.

في ظل الفترة الممتدة بين عام 1985 حتى عام 2000 ورغم حالة الموات التي عاشتها المعارضة السياسية في سوريا، كان هناك صراعاً إيديولوجياً مستعراً بين المعارضين فرضته حالة المواجهة التي وضعتهم وجهاً لوجه وبشكل يومي دون أي حواجز في المعتقلات، وتشكلت مجموعات عديدة في تلك المعتقلات تناصب العداء لبعضها، ابتداء من الخلاف الإيديولوجي الحاد وليس انتهاء أحياناً باستخدام البعض من الطرفين الدناءات التي وصلت إلى كتابة تقارير كل منهم ضد الآخر للسجان، وكانت تحت أقدام الحرس الدْي يمشون فوق الزنزانات في جهنم تدمر، وبين فترات التعذيب التي لم تنقطع يوماً عن السجن حريق صراع فكري وإيديولوجي كبير يستعر بين الطرفين، ورغم المراجعات الكثيرة التي قامت بها مكونات تلك التيارات في السجون وكدْلك في المنافي ظلت على رأي واحد تجاه بعضها وقد تنامى الخلاف والاتغلاق لأي أفق بين الطرفين وخرج الطرفان من المعتقلات وهم أكثر قناعة على أنه لن تجمعهما يوماً فكرة واحدة.

ولكن وما دام الحال على دْلك فلمادْا دخلت التيار الإسلامي والعلماني فيما يسمى إعلان دمشق، وما هو سر قبول كل منهما الآخر حليفاً بعد تبادل التهم بالإرهاب والتسردب في فترة الثمانينات. إن ما انطلق من نفس الاتهامات في إثر معركة المدفعية الأخيرة يدل على أن شيئاً لم يتغير في فكر الطرفين خلال الأربعين عاماً، فها هم اليساريون التقليديون يتهمون المقاتلين على الجبهات بالإرهابيين والظلامويين معتمدين على حادثة الفصل منذ ما يفوق عن أربعين عاماً، وها هم الإسلاميون التقليديون ما زالوا عند رأيهم وكأنهم يقولون وبعد أيضاً أكثر من أربعين عاماً لليساريين “عودوا إلى جحوركم”. فما معنى تواجد الطرفين شركاء في إعلان دمشق، ومن ثم في المجلس الوطني والائتلاف الوطني.

سمينا الطرفين بأنهما التقليديان لأن هناك من في التيار الإسلامي واليساري من قام بمراجعات حقيقية وصل فيها إلى حتمية النهج الليبرالي لإنجاح دولة المواطنة، تلك المواطنة التي يطالب بها الطرفان التقليديان أيضاً. اليوم تنطلق المعركة بعد أن عاد المقاتلون على الأرض جسماً واحداً إخواناً مسلمين، وسيظهر ذلك في الأيام القادمة، ولكن لا يمكن أن ننسى أيضاًُ أن هناك عناصر كثيرة في الجيش الحر باتت مقتنعة بضرورة شراكة الجميع انطلاقاً من المساواة وانتهاء بالمواطنة، وكان البيان الأخير لاقم 36 الصادر عن غرفة عمليات فتح حلب فيه ملامح من دْلك، لكن تلك المجموعات أقرب لجماعة الإخوان لواقع تفرضه الحرب حول جدوى الموت على الجبهات، وحول من يقدم السلاح والمال أيضاً، لكن في المجمل معظم العناصر المقاتلة على الأرض غير مؤدلجة بالأصل، وإنما تم أدلجتها من خلال القيادات المشرفة عليها، فلا تشكل خطراً على أي شراكة مستقبلية إلا بقدر انتساب قياداتها من عدمه لأي من التيارات.

لقد تم التحالف في بين التيارات الإسلامية والعلمانية في إعلان دمشق أو ما تبعها في ظل الثورة انطلاقاً من تقية يمارسها الطرفان، فبعد إرساء الدولة الديمقراطية أسسها بعد سقوط جدار برلين ومن ثم الاتحاد السوفييتي، لم يعد للتيارات اليسارية سنداً حقيقياً تعتمد عليه، كما أن التيارات وبما أنها كانت مستوردة فإنه مع سقوط وفشل التجربة المركزية باتت الهزيمة تلحق الجبهة الأممية بكاملها، وراحت تتجه باتجاه الليبرالية شيئاً فشيئاً حتى عاد المثال الأفضل للشيوعيين في العالم الاشتراكيين الديمقراطيين الذين يشكلون الآن اليسار الأوروبي والذي كان في يوم من الأيام من أكثر الأعداء الذين نالوا احتقار الشيوعية، وبدأت تعلو في الصالونات والمنتديات اليسارية رسائلُ ومقالاتُ غرامشي على كتب ماركس، وتأثرت التنظيمات اليسارية في المنطقة بدْلك وبدأت مراجعاتها كما أسلفنا داخل السجون أو في المنافي، ورغم ذلك فإن التنظير لعملية التغيير وكيف يمكن أن تكون كان فقيراً بالعموم لظروف ذاتية وموضوعية، ولكن كان هناك سعي لإضفاء الصفة الليبرالية على الشكل والتنظيم، فقام على سبيل المثال الحزب الشيوعي – المكتب السياسي بتغيير اسمه في مؤتمره السادس عام 2005 إلى حزب الشعب الديمقراطي متخلياً عن إيديولوجيته الماركسية اللينينية ومنتقلاً للاشتراكية الديمقراطية، في حين حل حزب العمل الشيوعي نفسه تماماً، إلا أن الكثير من أعضائه شكلوا فيما بعد تيار مواطنة ذي التوجه الليبرالي.

في الطرف المقابل عانت جماعة الإخوان في سوريا انقطاعاً تاماً عن المجتمع السوري قارب النصف قرن، ولم يبق منها سوى بعض القصص البطولية التي يرويها المجتمع الأهلي المرتبط بهم، ولم يعد لها أي فعل تنظيمي على  الأرض ولا أي نشاط سياسي، وكذلك كغيرها خرجت كوادرها من السجون منهكة في حين كان التنظيم السوري من الأجنحة الأضعف في التنظيم الدولي للإخوان، ورأت التيارات الإسلامية عموماً في التجربة التركية نموذجاً قابلاً للتطبيق في العمل السياسي المحلي، وباتت تسعى لتجديد نشاطها في الساحة السياسية السورية بعد موت حافظ الأسد العدو الشخصي لجماعة الإخوان، وارتدت الرداء الحداثي الليبرالي، وراحت تتواصل مع القوى السياسة المختلفة في الساحة السورية سواء في جانب النظام أم في جانب المعارضة، وتمكنت أن تضع في مقررات إعلان دمشق بعض البنود التي تتناسب مع توجهاتها مثل “الإسلام دين الأكثرية”، وكان الجو مهيأ حتى بالنسبة للمراجعات التي قامت بها التيارات اليسارية القومية منها والشيوعية، ولكن كان الطرفان لا يرى في الآخر إلا بوابة لعالم اللبرلة لا بد من مرورها، وأثبتت الثورة وما حصل فيها من صراعات على المستوى إسلامي- علماني، أن العملية ليست أكثر من حالة شكلية. والبسيط في الأمر أن اليمين واليسار يكون بينهما تيارات وسط، فمن هي التيارات الوسط الحقيقية الموجودة في الخارطة السياسية السورية، وهل هي موجودة حقاً.

في سوريا الثورة اليوم على المستوى السياسي لا يمكن أن نلمح سوى التيارات الوسط التي من الممكن ان تخلق جواً من التحالفات بين الأطراف، ولانعدامها وانعدام الثقة بين اليمين واليسار في مجتمع يعيش عموماً حالة من انعدام الثقة بين أفراده لا يمكن لأي تكوين سياسي يمثل المعارضة أن ينجح، فها هو المجلس الوطني وها هو الائتلاف، يعاني الأخير صراعات بينية خطها الرئيس إسلامي وعلماني ما يعانيه، الأمر الذي حرف الصراع واستدعى عمليات الاستقواء الدولي الذي حول المعظم لمنفذي أجندات أدت لإعاقة في العمل بين جميع الأطراف، مما أدى في نهاية الأمر إلى حالة يعبر عنها ناشطو الثورة والمراقبون بأنها مرثية كأقل تعبير. يعود ذلك وبشكل رئيس لأن اي عملية تغيير وخاصة على المستوى الإيديولوجي لا يمكن أن تفرض فرضاً، وإنما تكون حصيلة الظروف الدافعة والمتغيرات التي تفرضها البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية المحيطة والتي تؤثر على الجيل الجديد في أي تنظيم جديد والذي يقوم بدوره بالدفع للتغيير، وعادة يواجه هذا التغيير من قبل الحرس القديم على السياسة والإيديولوجيا القائمة، ولكن سرعان ما يستسلم للدماء الجديدة أو تنال عفونة الدم القديم من الجسد بكامله وتدمره. لكن في الحالة السورية فليس رواد التغيير سوى الحرس القديم، فهل يعقل بعد ثلاثين سنة من العذاب والاعتقال والتهجير إيماناً بعقائد معينة يستيقظ أصحابها ذات صباح ويقررون التخلي عنها، وحتى لو تم هدْا القرار، فالقرار وحده لا يكفي، فالتغيير حتى ينجح لا يحتاج تغييراً في الإيديولوجيا بل يستتبعها تلقائياً التغيير في المنهجية، وبالتالي بالعقلية المتحكمة، ولكن عن أي ديمقراطية وليبرالية نتحدث وما زال أعضاء التنظيمات القديمة هم هم أصحاب القرار في تنظيماتهم الجديدة، فرياض الترك ما زال إلى اليوم زعيم حزب الشعب، وما زال علي صدر الدين البيانوني ورياض الشقفة وغيرهم هم أصحاب القرار في المؤسسة الإخوانية، وغير ذلك من التنظيمات السياسية في اليسار واليمين.

على ضوء المعركة الأخيرة تعالت أصوات أيضاً من الطرفين، فكثير من النشطاء اليساريين كانوا غير معنيين بالتسمية، وكان تركيزهم على فك الحصار عن حلب وتحقيق نصر مادي ضخم على النظام، هؤلاء النشطاء لا يمتلكون تاريخاً عتيقاً في السجون ولم يعيشوا فترة الثمانينات ولم ينتموا في معظمهم لتلك التيارات السياسية، لذلك لا يملكون موقفاً شخصياً أو إيديولوجياً تجاه الإسلاميين، كما ان هناك نشطاء ينتمون للتيار الإسلامي ولكنهم تشربوا بالحداثة والليبرالية ولا يملكون ايضاً أي تراث عدائي ضد التيار العلماني ولا تعنيهم أيضاً التسمية واكثر ما يهمهم هو فك الحصار وتحقيق نصر مادي أيضاً على النظام، هؤلاء الناشطون والسياسيون الجدد الخارجون عن اليمين واليسار التقليديين يملكون عدواً واحداً فقط الآن، وهو النظام، ومن ثم يمكن لهم أن يتنافسوا فيما بينهم، ولكن أن تأتي إرادة التغيير من نفس الأشخاص المحملين بشحنة عدائية تراكمية، فهذا أقرب للخيال، إن لم يكن خيالاً بحتاً، ولتنجح عملية الانتقال الديمقراطي برمتها حتى ما بعد سقوط النظام يجب أن تضخ قيادات جديدة في التيارات اليسارية واليمينية، لأن اليمين واليسار والوسط يتطلب وسطاً ليبرالياً وإلا لن يكون هناك إلا نظام الحزب الواحد ومن ثم الزعيم أو المرشد الأوحد.

لا يعني هذا أن قيادات ورجالات معارضة ما قبل الثورة ما عاد لهم أهميتهم وقيمتهم، بل كانوا هم رجال المرحلة الأصعب، والقادرين طيلة القمع الدموي لنظام العائلة الأسدي على نزع أي نوع من أنواع الشرعية بما فيها الجبرية عن نظام الحكم الديكتاتوري، ودفعوا ثمن ذلك أعمارهم فناء في السجون والمنافي وحتى تحت التراب، ولا بد أن لخبرتهم السياسية رصيداً كبيراً يمكن أن ينهل منه جيل الثورة، ولكن المرحلة تتطلب الآن تعاضداً بين مختلف التيارات في جبهة الثورة، وهذا ما لا يمكن أن يكون بين شخصيات قضت عمرها في خنادق المواجهة مع بعضها، على رجالات التيارين أن يفسحا المجال لقيادة الجيل الشبابي، وأن يعاضدوه في ذلك ويقدمون له الاستشارات التي يحتاجها، وإلا فالبلاد من دوامة لأخرى.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة