جنود الوطن.. قصة: لؤي علي خليل

2019-07-03T03:50:26+03:00
2019-07-03T03:54:02+03:00
أدب وفنونثقافة
لؤي علي خليل3 يوليو 2019آخر تحديث : منذ أسبوعين
لؤي علي خليل
6 1 - حرية برس Horrya press

جنود الوطن

قصة قصيرة بقلم: لؤي علي خليل

لم يمهلوني وقتاً كي أفتح الباب، أحذيتهم العسكرية أسرع من يدي، قال الضابط وهو يدفعني أمامه داخل البيت:

_ نحتاج منزلك عدة أيام.. هناك خلية مختبئة في الحارة الخلفية، وموقع منزلك مناسب لرصدها، لا أظن أنك ستمانع في خدمة الوطن؟

عرفت من لهجته أنه ليس من أبناء مدينتي، ارتبكت ولم أعرف ماذا أقول، لكنني أسرعت لأمنعه من الدخول على أمي في غرفتها:

_ أبداً سيدي.. البيت بيتكم، كلنا فداء الوطن والقائد، لكن لو سمحت أعطني وقتاً حتى أخرج أمي إلى بيت جدي لترتاحوا في المنزل.

هز الضابط رأسه وطلب من الجنود أن يجلسوا حيث يشاؤون. دخلت على أمي وأخبرتها بالقصة فذعرت ولم تقو على الحركة، وضعتها على كرسيها المتحرك وأخرجتها، قال لي الضابط قبل أن أغادر المنزل:

_ لا تنس أن تحضر معك طعاماً للجنود.

أوصلت أمي إلى بيت جدي وعدت إلى البيت، بعد أن اشتريت عدداً من لُفافات (الفلافل)، وقف أحد الجنود عند باب بيتي وأمرني أن أعود وأشتري علب كولا، فعدت إلى البقالية واشتريت المطلوب، أخذ الجندي اللفافات والكولا، وأمرني أن أغادر، وأعود غداً لألبي احتياجات الجنود، هززت رأسي بحركة عفوية أُتقِنُها منذ الصغر، ورسمتُ على وجهي ابتسامةً تدربت عليها سنوات عمري كله!!

بقيت على هذه الحال أسبوعاً كاملا. وفي اليوم الثامن أخبرني الجندي أنني أستطيع استلام البيت بعد ظهر الغد، فشكرته وأنا لا أصدق ما يقول، وحين سمعت في الأخبار أن جيش المعارضة الحر يقترب من المدينة أدركت السر.

لم يكد يطل ظهر اليوم المنتظَر حتى سارعت إلى البيت، تقدمت ببطء شديد، الستائر الممزقة والمحترقة هي أول ما وقعت عيناي عليه، ثم تتالت الصور… الحيطان مثقوبة بـِحُفر الرصاص، الحمامات مليئة بزجاجات النبيذ، كل شيء في المنزل عليه توقيع الرصاص؛ رصاصةٌ في الثلاجة، رصاصة في الفرن، رصاصة في الغسالة، أرض المطبخ مفروشة بقطع الزجاج الملونة بألوان الصحون والكاسات، مراتب الأسرة ممزقة، الخزائن مكسورة، ممتلئة بأخاديد الرصاص، السجاد الملفوف خلف الخزائن تشتعل رؤوسها ناراً.

وعلى الحائط الكبير في غرفة الضيوف هجعت كلمات عريضة باللون الأحمر:

_ من هنا مر جنود الوطن!!

** ** **

* “جنود الوطن” – قصة قصيرة من مجموعة “بين رصاصتين – مدونة الحرب” للأديب السوري لؤي علي خليل – إصدرات الدار العربية للعلوم ناشرون – 2018

الأديب السوري لؤي علي خليل في سطور:

Louay Ali Khalil1 - حرية برس Horrya press
الأديب والأكاديمي السوري لؤي علي خليل

ــ أديب وأكاديمي سوري من مواليد دمشق في العام 1969.

ــ يحمل شهادة الدكتوراه في الأدب الأندلسي من جامعة دمشق في العام 2001، ويعمل أستاذاً في جامعة قطر.

ــ يكتب القصة القصيرة والرواية والدراسات الأدبية النقدية.

ــ صدر له العديد من المؤلفات منها: (الدهر في الشعر الأندلسي) دراسة في حركة المعنى – هيئة أبو ظبي الثقافية، أبو ظبي – 2010، و (العجائبي والسرد العربي) النظرية بين التلقي والنص – الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2014، و (حمزة والهدهد) – رواية للفتيان – أبو ظبي – 2013، ورواية (هسيس الملائكة) – الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2014، و (دم العصافير)، مجموعة قصصية، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت – 2017، و (بين رصاصتين) – مجموعة قصصية، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت – 2018، و (وجوه القلعة) نصوص قصصية – دار ميسلون – 2017.

ــ شارك في العديد من المهرجانات الأدبية والمؤتمرات العلمية والأدبية، ونال العديد من الجوائز الأدبية منها: جائزة سعاد الصباح للدراسات النقدية، 1994، الكويت، وجائزة البتاني للقصة القصيرة، 1996، سوريا.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة