الثورات جميلة ولا تحكم

حسين عبد الحسين8 مايو 2019آخر تحديث :
حسين عبد الحسين

الربيع العربي جميل. ثوراته فتية كثواره. ثورات غاضبة على الاستبداد كغضب الثوار على عقود من طغيان الحكام وفسادهم. ثورات فيها نساء انتفضن على الحاكم، كما على المحكومين ممن يريدونهن في أغلال اجتماعية وأصفاد اقتصادية. ثورات يبتسم فيها الثوار، وينثرون الأرز والورود على رؤوس إخوانهم من العسكر. ثورات قدم فيها مئات آلاف الأبرياء حياتهم وما يملكون للتخلص من الظلم والإطاحة بالاستبداد.

لكن الثورات الجميلة لا تحكم، وهي إن حكمت، تتحول إلى استبداد أقبح من سابقه. ذاك عراق عبدالكريم قاسم ومحاكمه الثورية الشعبية التي أزهقت أرواح آلاف العراقيين، وبعده صدام حسين، “رئيس قيادة مجلس الثورة” العائمة على دماء مئات آلاف العراقيين.

تلك إيران وثورتها، التي قتلت من الإيرانيين، وما تزال، أكثر مما قتل أكثر ملوك إيران طغيانا، ومثلها حركة حافظ الأسد “التصحيحية” في سوريا، والتي صححت نظاما جمهوريا رئاسيا وحولته إلى جمهورية وراثية يستعد فيها حافظ الثاني لخلافة بشار الأول.

هكذا هي الثورات، جميلة ولا تحكم، وهي إن حكمت، صارت قبيحة، مستبدة، تأكل أبناءها، وتأكل من بعدهم أبناء باقي الشعب، وآبائه، وأعمامه، وأخواله، وأمهاته، وأخواتهن.

في الربيع العربي الجميل دروس. نجاح الثورة هو في نجاحها في الإطاحة بالحاكم، ومن بعدها ذهاب الثوار إلى منازلهم، وعدم خروجهم إلى الشارع مجددا، إلى أن يبتلع الحكام الجدد صناديق الاقتراع، ويعدلون الدساتير، ويحولون أنفسهم إلى قادة إلى الأبد.

في مصر، رفض من أطاحوا بحسني مبارك الاستفتاءات والانتخابات من بعده، وقالوا إن العامة ساذجة، وإنها تقترع لمصلحة العسكر والظلاميين الإسلاميين. لم يطلب ثوار مصر بدائل واقعية. طالبوا بمجالس كيفما اتفق تحكم بموجب شرعية ثورية. من هم أعضاء المجالس؟ من يحدد هويتهم؟ من يحدد عددهم؟ من يحدد قوانين اجتماعاتهم واتخاذ قراراتهم؟ ومن ينفذ هذه القرارات؟ وما هي عقوبة من لا يلتزم القرارات ولا ينفذها لمعارضته الثورة وأهدافها؟ أسئلة بلا إجابات لثورة بلا ثمار.

ومثل في مصر، وقع السودان في مأزق مشابه. استغل العسكر ثورة جميلة، وانقلبوا على عمر البشير، وانقلب منقلبون آخرون على منقلبين قبلهم. وفي حمأة الانقلابات، لم تهدأ تظاهرات السودانيين، ولم يركنوا لأول انقلاب، ولا للثاني.

ما البديل الذي قدمه ثوار السودان؟ قالوا ليحكم الموقعون على عريضة التغيير التي حرّضت على الثورة وحددت أهدافها. الأهداف طالبت باقتلاع البشير، وقدمت بعض الخطوط العامة، لكنه لا تقدم نظاما يمكنه أن ينظّم المراحل المقبلة: من يحدد من هو الثائر ومن يحجب هذه صفة عن سودانيين آخرين؟ هل كان الجنرال صاحب الانقلاب الأول ثائرا على البشير؟ هل كان الجنرال الثاني ثائرا؟ ماذا لو ادعى الجنرالات أنهم ثوار أيضا؟ ماذا لو شكلت قوى التغيير السودانية الفضفاضة مجلس حكم، واعترض ثوار على ثورية آخرين، واتهموهم أنهم من “أذناب النظام البائد”، حسب التعبير العراقي الفظّ؟

قد يتعلم ثوار السودان درسا أو أكثر من معارضي سوريا، حيث رفع الإسلاميون راياتهم الظلامية، ونصبوا أنفسهم ناطقين باسم الذات الإلهية، مثل في إيران من قبلهم. ولأن النقاش مستحيل مع الآلهة أو تعاليمها، صار الإسلاميون أوصياء على كل السوريين، برضى السوريين أو بعدم رضاهم، وظهرت إلى العلن قباحة حكم المظلوم، وجشعه، وشبقه إلى السلطة، حتى ناهزت استبداد الأسد وقباحته.

الثورات جميلة، ولكنها لا تحكم، وهي إن حكمت، تصبح قبيحة، وتصبح عرضة لتلاعب الطاغية المستبد بها، وفي سوريا دروس لمن اعتبر. حول سوريا، أقر مجلس الأمن قرارا يلزم الأسد بدخول في تسوية مع معارضيه. استغل الأسد، ومعه حلفائه الروس وبعض العرب، الثغرة نفسها: من يحدد من هم المعارضين؟ ألبس الأسد نفر من أزلامه ثياب المعارضين، وأرسلهم يندسون في مجالس المعارضة السورية. صارت لموسكو، راعية الأسد، “منصة” خاصة بها بين المعارضين. حاول المبعوث الأممي تعيين مجلس معارض، فأصرت روسيا، ومعها الأسد، على حصة لهم في تعيينات المعارضة السورية، ولما لا، طالما أن القواعد الناظمة للتعيين فضفاضة لا أسس لها، مثل نظام الأسد نفسه، الذي لا أسس له إلا الدموية السادية التي مارسها، وأبيه من قبله، على مدى عقود.

كيف تزهر ورود الربيع العربي؟ وكيف تتحول ثوراته الجميلة إلى حكومات مستقرة منبثقة عن شعوب سعيدة؟ ربما الأجدى أن تلي الإطاحة بالمستبد فرصة حتى يثقف الثوار أنفسهم، وحتى يتمرسون بأصول الحرية والديمقراطية والحكم الرشيد، وحتى ينشرون هذه الثقافة بين أوسع عدد ممكن من الثوار الآخرين، والمواطنين العاديين.

ربما ما يجب أن يلي الثورة في الشارع هو ثورة داخل المنازل، ثورة لتحرير المرأة، وثورة لتحديث الفكر، وثورة على الذات، فالحكام على طراز شعوبهم، وللشعوب التي تنتشر في صفوف مواطنيها ثقافة الصدق والأمانة والعمل الدؤوب من أجل عيش كريم حكومات تشبههم، وللشعوب التي يضرب فيها الآباء أبنائهم، والأبناء أخواتهم، والأزواج أزواجهم، حكومات تشبههم كذلك، وحكام لا يعرفون إلا الانفراد بالرأي والضرب كوسيلة حصرية لحل الاختلاف.

لم يبدأ عصر التنوير الأوروبي في الشارع، بل بدأ في البيوت وعلى صفحات المثقفين، وفي أعمال الرسامين، وفي موسيقى المؤلفين. ثم نشر التلغرام نور الثقافة، فثار الناس في الشارع. سقط ملك، وعاش ملك. ثم سقط ملك وعاشت جمهورية، وبين الثورة الأولى والثورة الثانية فارق بسيط: بعض من الوعي والعلم والمعرفة، وكثير من الانفتاح والتسامح والتعدد.

ثورات الربيع العربي الجميلة لن تزهر إن هي بقيت في الشارع، بين أقدام العسكر وعلى تقارير المخبرين، بل هي ستزهر داخل البيوت، وستفوح من البيوت رائحة الثورة العطرة لتغطي الشوارع، وتسكن في الساحات، وتنعش الأوطان.

المصدر الحرة
التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

    عاجل