الحسكة تطالب بالدولة

بشير البكر10 أكتوبر 2026آخر تحديث :
الحسكة تطالب بالدولة

محافظة الحسكة التي أفقرها ونهبها حكم آل الأسد، وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، خرجت في الثاني من أكتوبر/ تشرين الثاني الحالي في مظاهره حاشدة، غير مسبوقة في زخمها وأعداد المشاركين فيها. كان مطلبها الأساسي عودة الدولة السورية، بعد أن بقيت المحافظة خارج الاهتمام الكافي من دمشق. يريد الأهالي تفعيل المؤسسات الرسمية، كدوائر الأحوال المدنية والقضاء والصحة والتعليم والأمن، المعطلة كلياً أو جزئياً عن العمل، بسبب السلطة القمعية الظاهرة والخفية، التي لا يزال يمارسها حزب العمال الكردستاني التركي عبر البنية التي أقامتها “قسد”، رغم أن اتفاقية الدمج تلزمها بإنهاء الوضع القديم وتسليم مؤسسات الدولة صلاحياتها.

المحافظة التي تتجاوز مساحتها لبنان مرتين ونصف المرة، وتتصدّر المحافظات السورية في إنتاج النفط والقمح والشعير والقطن، لم تتظاهر لتطالب بالمياه الصالحة للشرب، التي لم تصل إلى معظم أحيائها، ولا بالكهرباء التي ضربت معها أكثر من موعد، لكنها ما زالت تتمنع عن الحضور، ولا بالخبز والوقود الذي يُستخرج من أراضيها. إن الأولوية بالنسبة للأهالي بسط الدولة سلطتها على أراضيها، بما في ذلك الحدود مع العراق وتركيا، وإنهاء نفوذ حزب العمّال الكردستاني، الذي استند منذ أكثر من عقد إلى ذريعة محاربة تنظيم داعش، لكنه توسع في السيطرة على الموارد والثروات، ومارس اضطهاد الأهالي، إلى حد أنه منعهم من التعليم بلغتهم العربية.

حين يطالب سكان المحافظة بالدولة، فهم لا يريدون فقط أن يصبح أمنهم بيد السلطات الرسمية، وحماية الحدود والمعابر من اختصاص الجيش الرسمي. وهذا أقلّ ما يمكن، وهو من بديهيات السيادة، وإزالة مخلفات المرحلة التي ارتبطت بحزب العمّال الكردستاني، وإنهاء المظاهر العسكرية والسياسية التابعة والمليشيات المنبثقة عنه، وخصوصاً ما يعرف بـ”الشبيبة الثورية”. إنهم يطالبون، بالإضافة إلى هذا، بأن تتحرّك وزارات الدولة، كالطوارئ والصحة والتعليم والطاقة، على نحو إسعافي وعاجل، لأن 90% من أهل المحافظة يعيشون تحت خط الفقر، وتفتك بهم الأمراض والعطش والجوع. وهناك مدارس كثيرة في الأرياف لا تمتلك مقاعد لجلوس الطلاب، فيضطرون إلى الجلوس على الأرض.

ما يطالب به الأهالي حقوق أساسية يجب أن توفرها لهم الدولة، وهم لا يستجدون، بل يستحقونها أكثر من أهالي أي محافظة أخرى، بسبب وضعهم المأساوي الراهن من جهة، وبالنظر، من جهة ثانية، إلى تمييز تاريخي لحق بهم وحرمهم من حقهم في التنمية أسوة ببقية المحافظات، فلا مصافي نفط أو محطات مياه وكهرباء أو مشافٍ تلبي حاجات السكان، الذين لا يزالون يقصدون العاصمة من أجل التداوي، وذلك شأن مكلف وتترتب عليه مشاق السفر على طرقات قديمة ومتهالكة.

آن الأوان لتغيير نمط التعامل مع هذه المحافظة والارتقاء بالسياسة الرسمية تجاهها، لأن استمرار النهج القديم قد يولد كوارث لا حدود لها، وسيكلف في أبسط الأحوال مزيداً من الهجرات نحو العاصمة، التي باتت تغص بأبناء محافظات المناطق الشرقية، بسبب تراجع الخدمات الأساسية، وانعدام فرص العمل والجفاف المديد، الذي ضرب المنطقة وما زالت آثاره ماثلة. وفي حال لم تنعم المحافظة، قريباً، بأمطار وفيرة على غرار ما حصل في العام الماضي، فإن إمكانية الانفجار الاجتماعي سوف تصبح أمراً واقعاً. وكلما بكرت الدولة في التحرك، قبل حلول فصل الشتاء، وفرت على الأهالي وعلى نفسها كثيراً من المصاعب.

إن تلقي رسالة عشرات الآلاف الذين خرجوا في مظاهرات سلمية في مدينة الحسكة، تتطلب استجابة سريعة من الدولة، التي يدرك أهل المنطقة أن إمكانياتها محدودة، ولم تتلق مساعدات من الخارج، وهناك محافظات أخرى في الشرق والجنوب لا تقل معاناة عنها، ولكن ما يطالبون به ليس المستحيل.

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل