

لم يتجاهل رئيس الوزراء الإسرائيلي الوفود التي غادرت القاعة، بينما كان يهمّ بإلقاء كلمته من على منصة الأمم المتحدة في نيويورك قبل يومين، وحتى لم يترك لتعابير وجهه أن تعبّر عن استهتاره بتلك الوفود. ذلك ليس من طبع نتنياهو الذي وصف المنسحبين بالجبناء، وتعبيراً عن مزيد من الاستهتار طلب من بعض الباقين الانسحابَ إذا كانوا جبناء على الشاكلة ذاتها، وكأنه يستخدم الباقين ليقول إنهم مثله، لا مجرد وفود غير مقاطعة، أو حليفة له.
بعد انسحاب من وصفهم بالجبناء، كرّس رجل إسرائيل “القوي” كلمته للحديث عن حروبه ومنافعها للجميع، بمن فيهم الذين انسحبوا، ليصوّر نفسه ضمناً كمن يحارب من أجل الجميع. وليس بالجديد وقوف شخص على المنبر ليتكلم كأنه المنقذ المخلّص، القوي الذي يدافع الضعفاء! لكن فرادة نتنياهو تأتي من العديد من المفارقات، أهمها التحدّث من على منبر المنظمة الدولية التي يُفترض أنها تُعنى بشؤون السلام العالمي، بل هذا في صلب تأسيسها، وأنه يتسلّم قيادة الدولة التي في سجلها أرقام قياسية من عدم احترام قرارات الأمم المتحدة، وهو شخصياً مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية على أرضية جرائمه في غزة.
لم يكن نتنياهو يوماً ضمن معسكر السلام في إسرائيل، واضطراره إلى الحديث عن السلام اقترن دائماً بما يُفرغه من إمكانية تحقيقه. هو لا يُقارَن على هذا الصعيد بإسحق رابين الذين أراد إعلان القطيعة مع الدماء والدموع بتعبير شهير له، أو بشمعون بيريز الذي روّج لشرق أوسط جديد، ولا بإيهود أولمرت الذي قبِل صراحة بحل الدولتين. وأن يرخي نتنياهو بثقله على الحياة السياسية الإسرائيلية منذ ربع قرن فهذه دلالة على تحوّل المزاج الإسرائيلي، وقراءته على أنه تحوّل غير منفصل عن تقدّم اليمين الشعبوي في العديد من الدول المؤثّرة عالمياً يُستحسن أن تنظر في مناحي الاتفاق والاختلاف.
تطرف نتنياهو لم يأتِ بسبب هجوم حماس في السابع من أوكتوبر 2023، واستخدام الهجوم ذريعة لحرب الإبادة على الفلسطينيين لا يجب أن يصرف النظر عن كون الإبادة في الأصل مطلباً “أمنياً” ضمن خطاب متطرّف لا يقتنع أصحابه بإمكانية تحقيق الأمن للجميع، بواسطة السلام للجميع. ورغم تقدّم الخطاب اليميني المعادي للسلام في الوقت نفسه مع تقدّم اليمين عالمياً، إلا أن اليمين في معظم دول الغرب لا يتبنى خطاباً إبادياً، ولا يريد أقطابه أن يُحسب عليه مجرم حرب مثل نتنياهو، باستثناء ترامب طبعاً.
صحيح أن السياسات الغربية لم تكن على الضد من حرب نتنياهو على غزة، لكن شيئاً لا يُستهان به قد تغيّر في السنوات الثلاث الأخيرة، فالتضامن مع القضية الفلسطينية (لا مع غزة فقط) اتسعت دوائره، والأهم أنه لم يعد عابراً ومناسباتياً. فحتى من دون حدث مباشر يستدعي رد فعل، يمكن ملاحظة ذلك النشاط المؤيد للفلسطينيين. على سبيل المثال، صارت معتادة رؤية صور مروان البرغوثي في مقار أحزاب يسارية، وكذلك الأكواب أو الصحون المطبوع عليها اسم فلسطين، فضلاً عن مقاطعة الشركات المساندة لإسرائيل، حيث يحضر مبدأ المقاطعة لدى الشباب أكثر من الأجيال السابقة عليهم.
صحيح أن السياسات الغربية بقيت تقليدية نسبياً فيما يخص محاباة إسرائيل، إلا أن الحكومات تأثرت إلى حد ما بالرأي العام السائر في اتجاه مخالف. وربما يكون التغير الأهم هو في نقض واحد من الأسس الرئيسية التي قامت عليها علاقة إسرائيل بالغرب، وهو تصوير الأخيرة كقطعة من الغرب “الديموقراطي” في الشرق، فلسان حال الرأي العام المناهض لإسرائيل هو أنها ليست على الإطلاق جزءاً من الغرب، ولا ينبغي قبولها طالما لم تُحل القضية الفلسطينية.
في السنوات الثلاث الأخيرة استُهين بالتحركات المناهضة لإسرائيل في الغرب، والحق أنها لم تنفع مباشرة إذا كان المعيار هو إيقاف آلة الإبادة الإسرائيلية، لكنها كانت مؤثّرة ببطء على السياسات الرسمية للعديد من الحكومات الأوروبية، وثمة أسباب وجيهة للظن بأن التأثير قد يتصاعد مع الوقت، يحرّكه فقدان إسرائيل مكانتها السابقة في الغرب إلى جانب ارتفاع منسوب التضامن مع الفلسطينيين. إن عزلة إسرائيل تتفاقم أكثر مما ظهر نتنياهو معزولاً وهو يلقي كلمته الأخيرة في نيويورك، والوفود التي غادرت مقاطعة كلمته لا تعبّر بدقة عن عزلة إسرائيل الحالية، فبعضها كما قال هو يشكره سراً، وفي الواقع يمكن رسم خريطة أكثر جدية لعزلة إسرائيل من تلك التي ظهرت في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، أهم ما فيها عزلتها في الغرب.
فحوى الرسالة حتى الآن أن تل أبيب تستطيع استغلال تفوقها العسكري والتقني في حروبها، لكن إسرائيل لم تعد تلك الدولة التي تحظى باحترام واسع في الغرب. يُذكر هنا أن شعبية إسرائيل، في جزء كبير منها، كانت في أوساط اليسار التقليدي الغربي، أما شعبيتها في أوساط اليمين فيشوبها الكثير من التحفّظ الذي يغلّف العداء للسامية لدى أوساط اليمين المتطرف. أي أنها في السنوات الأخيرة كانت تخسر في معاقلها التقليدية لصالح الفلسطينيين، وما اكتسبته في أوساط اليمين أقل من خساراتها لدى اليسار، وعلى الأرجح أقل ديمومة.
ولئن أسهب نتنياهو في الحديث عن “فضائل” الحرب فهو قد أراد في المقابل الاستهانة بالخسائر التي جلبتها حربه على غزة تحديداً، وإذا كان لا بد من إنهاء الحرب في وقت ما فإن الخسائر أكثر ديمومة، وهو وأمثاله غير قادرين على ترميم العلاقة التاريخية مع الغرب. في الواقع تستطيع تل أبيب الاستمرار في وضعية الدولة المارقة التي لا تقيم أي اعتبار سوى لقدرتها على استخدام القوة، وأن تخرج بذلك نهائياً من النادي الغربي، بما يعنيه خروجها من إعادة تعريف إسرائيل لذاتها، والمفارقة أن الخروج من الغرب يجعلها منطقياً أشد حاجة إلى محيطها الإقليمي، بينما تنأى عنه أيضاً كلما ابتعدت عن السلام.
واحد من دوافع نتنياهو للتركيز على حربه على إيران، فوق ربط حماس بها، هو في التغطية على حرب غزة، أو احتسابها ضمن الحرب الأكبر على إيران، لعل هذا التبرير ينفع لدى الرأي العام الغربي. في المقابل، لا يبدو أن الرأي العام نفسه يحظى بأهمية لدى الكثير من مقاطعي خطاب نتنياهو، والأهم عدم وجود تصورات لمستقبل المنطقة يمكن أن يطرحها هؤلاء على الضد من خطابه. حتى السلام الذي يحضر في خطابات البعض منهم يبدو خاضعاً لمنطق القوة الإسرائيلي، أكثر مما يعبّر عن منظومة متكاملة منسجمة مع السلام داخلياً وخارجياً. بينما ما هو قابل للبناء عليه في الغرب ينتظر الاستثمار فيه بمنطق الشراكة في المُثُل والقيَم، لا بمحاولة قطف ثماره فحسب، وربما لهذا السبب لا يلقى الاهتمام المناسب عربياً.





