

خمس دول تحيط بسورية، هذه الدول تختلف في تعاملها مع المرحلة الانتقالية في سورية. الأردن هو الدولة الوحيدة، التي تحاول إقامة علاقة طبيعية دون تدخل في الشؤون الداخلية السورية. بل تسعى في بذل جهودها في أكثر من ملف كي تكرس هذا النوع من العلاقة ذات المصالح المتبادلة. رغم حضور الأردن الجزئي في ملف السويداء، لكنه حضور يتعلق بأمنها، ويتعلق بقضية المخدرات، حضور يحاول لملمة الملف على حدودها، لكنه لا يتدخل سياسيا في قرار الأطراف.
لبنان الدولة المستباحة داخليا وخارجيا. لبنان منذ تأسيسه وهو في مرحلة انتقالية! حتى قبل تأسيسه فرنسياً كان عرضة لحروب أهلية. لا يزال شبح الحرب الأهلية يخيم على أجوائه. داخل هذه التركيبة اللبنانية العجيبة، نجد قوى متعددة تختلف في تعاطيها مع المرحلة الانتقالية السورية. من يغطي العداء لسورية الآن، ويدعمه هم الثلاثي التاريخي، الذي تشكل بعد اغتيال رفيق الحريري في شباط 2005.
هذا التحالف في الحقيقة مع ملحقاته الفرعية، لا يزال مصراً على العداء للشعب السوري، وليس للسلطة السورية الحالية فقط. حزب الله وحركة أمل من جهة، والتيار الوطني الحر بزعامة ميشال عون وصهره جبران باسيل. هذا التحالف له فروع ثانوية في لبنان تمارس دورها ضد المرحلة الانتقالية في سورية، سلطة وشعبا. واتضح أن بقية الأطراف خاصة عند الموارنة لا تزال أضعف من أن تواجه هذا الحلف الثلاثي المدعوم من إيران عبر حزب الله.
لم تتوقف محاولة هذا التحالف عن التدخل السافر في سورية حسب ما يسمح لهم ميزان القوى. هم من استقبلوا فلول الأسد مسلحين. هذا الحلف الثلاثي ينهار بانهيار إيران، ما لم تدخل إسرائيل بديلا عن إيران! وهذا توقع ربما يبدو غير مألوف، لكنه غير مستبعد. بالمحصلة هذا التحالف دوره تخريبي فقط.
نأتي للعراق وما أدراك ما العراق، الذي يعيش مرحلة انتقالية منذ سقوط الديكتاتور صدام حسين 2003 على يد القوات الأمريكية التي سمحت بتسيد إيراني نسبي على العراق. في العراق العلاقة الوحيدة التي توجهها إيجابي مع سورية عموما هي قيادة كردستان العراق.
الآن هنالك تغير إيجابي بدأ يظهر من خلال رئيس الوزراء العراقي الجديد السيد علي الزيدي، والذي لم يمض على تسلمه الموقع أكثر من أربعة أشهر فقط، تحسنت خلالها العلاقة بينه وبين الحكومة الانتقالية السورية تحت حضور أمريكي واضح، لكن بقية القوى العراقية التي تدعمها إيران، لا تزال تحاول الحضور المخرب داخل سورية.
مع ذلك هي أضعف من أن تؤثر كثيرا على المرحلة الانتقالية السورية. لأنها نفسها لا تزال منذ عام 2003 تعيش مرحلة انتقالية، ومعها يعيش العراق وعاش أكثر من عشرين عاما، الفوضى والنهب والفساد والاقتتال على الهوية، ولا تزال ملفات كثيرة حساسة لم تحل حتى اللحظة. سورية من هذه الزاوية قطعت مسافة في تجاوز ملفات المرحلة الانتقالية في عام ونصف، أكثر مما تم في العراق خلال عقدين ونيف انتقاليين!
العراق الآن في ظل الحرب على إيران، وضعف إيران أيضا، وجد نفسه بحاجة لسورية، وتركيا، ودول الخليج أكثر من أي وقت مضى. هذا سبب آخر كي تتحسن العلاقة نسبيا.
نأتي الآن لتركيا. في الحقيقة هذا الملف من أعقد الملفات التي تواجه الوضع الانتقالي السوري، إيجابا وسلبا. لتركيا نفوذ راكمته داخل سورية منذ ثورة الشعب السوري في آذار 2011 وحتى الآن. لا يزال هذا النفوذ قوة موجودة على الأرض، متشعب الحضور، على المستويات السياسية والاقتصادية والمجتمعية. ببساطة تركيا الآن تجد من مصلحتها: سورية قوية بمواجهة بقية الدول وحليفة ضعيفة تجاهها. بعكس إسرائيل التي تحاول أن تبقي سورية ضعيفة في كل المستويات وقوية تجاه رفضها الانخراط في النفوذ التركي. أي أن تكون سورية قوية تجاه تركيا.
الفارق بين تركيا وإسرائيل، تركيا لديها مصلحة في تنمية سورية اقتصاديا بالشراكات المتعددة معها. بينما إسرائيل لا تملك مثل هذه الاستراتيجية، ولا مع أية دول محيطة بها. نلاحظ ذلك مع الأردن ومصر، مع وجود سلام، وعلاقات دبلوماسية، رغم محاولة مصر فتح مثل هذه العلاقات، نلاحظ ذلك من خلال ملف الغاز. مع ذلك تبقي إسرائيل يدها على الزناد في التعامل مع الدولتين.
هذا أمر يخص البنية التأسيسية للمشروع الإسرائيلي، التي يجب أن تنتقل من بنية حرب إلى بنية سلام. هل سنرى ذلك!؟ محاولة حكومة نتنياهو أن تجعل تركيا وحضورها في سورية دريئة، أمر بات أكثر من مهزلة. السلام بين القاهرة وتل ابيب من جهة ومع الأردن ومع منظمة التحرير الفلسطينية في أوسلو من جهة أخرى، فرضته أمريكا وليس من بنية المشروع الإسرائيلي.
إسرائيل في سورية تريد سلاما حربيا، وليس سلاما فيه فائدة للطرفين. تريد سلاما مبنيا على قاعدة أن: الجولان إسرائيلي، وحق الجيش الإسرائيلي في التدخل في سورية عند الحاجة! نلاحظ أن السلام مع مصر لا يتيح للجيش المصري التواجد في سيناء مثلا! لهذا اخترقت سورية بشكل علني عبر ملف السويداء، ما أدى إلى وقوع الشعب السوري كله في فخ السويداء.
برأيي أن السلطة في دمشق تحاول أن تبتعد عن أية محاور إقليمية. وتحاول ذلك بمساعدة أمريكا وبعض دول أوروبا الغربية وروسيا. فهل ستجد هذه المحاولة النجاح؟ ماذا فعل الشعب السوري لكي يستهدفه كل هذا الكم من الأعداء؟ وما العمل؟
في الواقع هناك كثير من الأسئلة أجد نفسي عاجزا عن الإجابة عنها، حتى لو وضعت نفسي مكان هذه السلطة. فهل ستستمر أمريكا ومعها هذه الدول في دعم المرحلة الانتقالية بنفس هذه الوتيرة؟ هذا ما أتمناه.





