«غاندي الصغير» يعود إلى داريا.. سيرة غياث مطر وذاكرة مدينة دفعت ثمن الحرية

فريق التحرير3 سبتمبر 2026آخر تحديث :
جانب من عرض الفيلم الوثائقي «غاندي الصغير» في مدينة داريا بريف دمشق – سانا

عاد الفيلم الوثائقي «غاندي الصغير» للمخرج سام قاضي إلى مدينة داريا في ريف دمشق، مساء الأربعاء، في عرض أقيم على أرض ملعب داريا البلدي، مستعيداً سيرة الناشط السلمي غياث مطر ومرحلة مبكرة من الثورة السورية ارتبط فيها اسم المدينة بالورود والمياه قبل أن تعصف بها سنوات القتل والحصار والتهجير.

وأفادت وكالة الأنباء السورية «سانا» أن العرض أقيم برعاية وزارتي الثقافة والشؤون الاجتماعية والعمل، بحضور أهالي وفعاليات من المدينة، فيما قال مخرج الفيلم إن عودته إلى داريا تحمل معنى خاصاً بعد سنوات من إنجاز العمل في ظروف الحرب والحصار، وإن الهدف منه كان حفظ جانب من ذاكرة السوريين وإيصال صوتهم إلى العالم.

ويروي الفيلم، الذي صدر عام 2016، قصة غياث مطر، أحد أبرز وجوه الحراك السلمي في داريا، والذي ارتبط اسمه بمبادرة تقديم الورود وزجاجات المياه لعناصر الجيش والأمن خلال المظاهرات، في محاولة للتأكيد على سلمية الاحتجاجات، وتحولت صور تلك المبادرات لاحقاً إلى واحدة من أبرز صور الأشهر الأولى للثورة السورية.

وكان مطر من مؤسسي تنسيقية داريا ومن أوائل المشاركين في تنظيم الاحتجاجات في المدينة، قبل أن تعتقله مخابرات النظام في السادس من أيلول 2011 مع الناشط يحيى شربجي، إثر كمين نُصب لهما أثناء محاولتهما الوصول إلى معن شربجي الذي كان معتقلاً. وبعد أيام قليلة، سلّمت أجهزة النظام جثمان غياث إلى عائلته وعليه آثار تعذيب، لتتحول جنازته ومجلس عزائه إلى حدث واسع حضره سوريون وعدد من الدبلوماسيين الأجانب.

ولم تتوقف مأساة عائلة مطر عند غياث، إذ اعتقلت أجهزة النظام شقيقه حازم في شباط 2012، ثم اعتقلت شقيقه أنس في آب 2013 للمرة الثانية. وفي عام 2018 تلقت العائلة معلومات تفيد بمقتل حازم تحت التعذيب في سجن صيدنايا، استناداً إلى سجل وفاة حدد تاريخ وفاته في كانون الأول 2017، من دون أن تتسلم العائلة جثمانه.

وبقي أنس مجهول المصير طوال سنوات، كما لم يظهر بعد سقوط نظام الأسد وفتح السجون. وحتى حازم، ظلت والدته تتحدث بعد سقوط النظام عن انتظارها أبناءها بين الخارجين من المعتقلات، في ظل غياب الجثمان واعتماد النظام السابق على أوراق وسجلات لم تمنح العائلة إجابة كاملة حول ما جرى له. وبذلك بقي مصير أبناء عائلة مطر جزءاً من ملف آلاف السوريين الذين ما تزال عائلاتهم تبحث عن حقيقة ما جرى لهم داخل المعتقلات.

وتتجاوز رمزية غياث مطر حدود عائلته إلى مدينة داريا نفسها، التي كانت من المدن المبكرة في الحراك السلمي منذ ربيع عام 2011، وقدمت نموذجاً لافتاً في العمل المدني وتنظيم المظاهرات قبل أن تواجه حملات الاعتقال والقصف. وفي آب 2012 شهدت المدينة واحدة من أكبر المجازر التي ارتكبها النظام خلال تلك المرحلة، وسقط فيها مئات المدنيين خلال أيام من القصف والاقتحامات والإعدامات الميدانية.

ثم دخلت داريا سنوات من الحصار والقصف والتجويع، وتعرض جزء كبير من أحيائها للدمار، قبل أن ينتهي حصارها في آب 2016 باتفاق أُجبر بموجبه من بقي من سكانها ومقاتلي المعارضة على مغادرة المدينة، بعد نحو أربع سنوات من الحصار.

لهذا يحمل عرض «غاندي الصغير» داخل داريا اليوم معنى يتجاوز استعادة فيلم وثائقي؛ فالشاشة أقيمت في المدينة ذاتها التي خرج منها غياث حاملاً الورود، وبعد سنوات من غيابه وغياب اثنين من أشقائه ومقتل واعتقال وتهجير الآلاف من أبناء مدينته، عادت داريا لتروي قصتها هذه المرة من داخلها، وبصوت أبنائها.

وقالت والدة غياث مطر خلال الفعالية إن الفيلم لا يحكي قصة ابنها وحده، بل «قصص كل شهداء الثورة السورية»، في إشارة إلى الذاكرة الأوسع التي يمثلها العمل بالنسبة لعائلات فقدت أبناءها خلال سنوات الثورة والحرب.

اترك رد

عاجل