
داريا – حرية برس:
بين 20 و26 آب/أغسطس 2012، لم تكن داريا أمام جولة قصف عابرة. حوصرت المدينة، قُطعت عنها الكهرباء والاتصالات، وقُصفت أحياؤها أياماً قبل أن تدخلها قوات النظام السابق وتبدأ عمليات تفتيش من بيت إلى بيت. وبعد انحسار أصوات القصف، ظهرت الجثامين في المنازل والأقبية والبساتين والشوارع، وبدأ الأهالي مهمة أخرى: البحث عن أبنائهم ودفن أكبر عدد ممكن منهم قبل أن يعود الجنود.
بعد أربعة عشر عاماً، ما تزال مجزرة داريا واحدة من أثقل أيام المدينة في الذاكرة. تحقيق موسع أجرته «دار عدالة» على مدى عامين خلص إلى أن الهجوم امتد أسبوعاً، بدأ بخمسة أيام من القصف وانتهى بنحو 72 ساعة من عمليات قتل وإعدام ميداني خلال الاقتحام، وأن أكثر من 700 شخص قُتلوا، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى معتقلين ومفقودين.
رضوان شما.. خرج من المداهمة حياً ولم يعد
كان رضوان أمين شما، 39 عاماً، واحداً من أبناء داريا الذين بقوا داخل المدينة خلال أيام الاقتحام. اسمه ما يزال مثبتاً في قوائم ضحايا مجزرة آب، لكن خلف الاسم قصة تعرف عائلته تفاصيلها بطريقة مختلفة عن أي سجل أو رقم.
وبحسب رواية عائلة شما لـ«حرية برس»، داهمت قوة منزل رضوان خلال الحملة، وفتشت البيت وفتشته، ثم غادرت وتركته حياً. لم يكن ذلك كافياً ليطمئن أهله. ففي الساعات التالية انقطعت أخباره، بينما كانت عمليات الدهم مستمرة في أحياء المدينة، ولم يكن ممكناً التنقل بصورة طبيعية للبحث عنه.
بدأت العائلة تسأل عنه بين المنازل والملاجئ. ثم جاء الخبر الذي كانت تخشاه: عُثر على رضوان مقتولاً مع عدد من الرجال والشبان داخل قبو في الحارة الواقعة خلف مدرسة الشرعية للبنات في داريا.
لا تعرف العائلة حتى اليوم ماذا جرى له بين اللحظة التي غادرت فيها القوة منزله وهو حي واللحظة التي عُثر فيها على جثمانه. لا شاهد نقل لهم تلك الساعات، ولا رواية أخيرة منه. ما بقي لديهم هو بداية الحكاية ونهايتها: دخلوا البيت، فتشوه، تركوه، ثم وجدوه مقتولاً.
ومع العدد الكبير من الجثامين والظروف التي كانت تمر بها المدينة، لم تكن هناك جنازات عادية ولا وقت يسمح لكل عائلة بأن تودع قتيلها كما اعتادت. تقول العائلة إن رضوان دُفن سريعاً مع مئات الضحايا في المقبرة الجماعية في داريا.
وتظهر صور وتوثيقات تلك الأيام خنادق أُعدت لدفن أعداد كبيرة من القتلى، فيما يؤكد التحقيق الموسع في المجزرة أن الأهالي اضطروا إلى التعامل مع مئات الجثامين خلال وقت قصير وفي ظل استمرار الخطر.
لم يكن رضوان أول قتيل في عائلة شما
حين عُثر على رضوان مقتولاً، لم تكن عائلته تستقبل الموت للمرة الأولى في ذلك العام.
قبل المجزرة بنحو شهر، كانت قد شيعت أيمن شما، ابن شقيق رضوان. وتوثق مواد أرشيفية من داريا تشييعه في المدينة بتاريخ 22 تموز/يوليو 2012، كما ورد اسمه ضمن قوائم الضحايا في اليوم ذاته.
وقبل أيمن، كان بلال شما قد سقط في أحداث دامية شهدتها داريا في مطلع شباط/فبراير من العام نفسه. وتضع إحدى قوائم التوثيق اسمه بين ضحايا 5 شباط 2012، بعد يوم من الأحداث التي بقيت في ذاكرة أبناء المدينة باسم «السبت الأسود»، حين خرج الأهالي لتشييع قتلى اليوم السابق وتحول التشييع نفسه إلى يوم جديد من إطلاق النار والضحايا.
خلال أشهر قليلة إذاً، مرّت العائلة من بلال إلى أيمن ثم رضوان. وهي ثلاث حكايات مختلفة في الظروف والتفاصيل، لكنها تكشف كيف لم تكن مجزرة آب حدثاً منفصلاً تماماً عما سبقها؛ كانت ذروة مسار طويل من القتل والمداهمات والاعتقالات عاشته داريا منذ بداية الاحتجاجات.
خمسة أيام من القصف.. ثم دخلوا الأحياء
وفق لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، قصفت قوات النظام داريا من 20 حتى 24 آب 2012، ثم دخلت القوات الحكومية المدينة مع عناصر من «الشبيحة». وأفادت شهادات جمعتها اللجنة بأن مقاتلين من المعارضة كانوا قد غادروا أجزاء من المدينة، بينما بقي مدنيون في منازلهم وملاجئهم.
بعد الدخول، بدأت عمليات البحث عن الرجال والشبان. وتحدثت اللجنة عن العثور لاحقاً على جثامين تحمل علامات إعدام ميداني في عدة ملاجئ، وعن مقتل أكثر من مئة شخص في منطقة البساتين في 25 آب، بعضهم بإطلاق نار من مسافات قريبة. وخلصت إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات الحكومية ارتكبت جريمة حرب تتمثل بالقتل بحق مدنيين وأشخاص لم يعودوا مشاركين في القتال.
أما التحقيق الذي نشرته «دار عدالة» عام 2022، فحدد ضمن القوات المشاركة الفرقة الرابعة، والحرس الجمهوري، والمخابرات الجوية، وعناصر الشبيحة، إلى جانب عناصر من «حزب الله» وميليشيات إيرانية. وكان ماهر الأسد يقود الفرقة الرابعة في ذلك الوقت، وهي وحدة وثق التقرير انتشارها وعملياتها في الجزء الشمالي من داريا.
لم يكن القتل في موقع واحد. وثقت التحقيقات عمليات إطلاق نار من قناصة، وإعدامات في منازل وأقبية، وقتل مجموعات من المدنيين أثناء محاولتهم الخروج من المدينة. وتحدث تقرير داريا عن واحدة من أكبر الوقائع في مبنى السقا، حيث قُتل عشرات الأشخاص، بينهم كبار في السن ونساء وأطفال.
كانت المدينة في تلك الساعات تبحث عن الأحياء والموتى في الوقت نفسه.
ثم دخلت الكاميرا
لكن أحد أكثر فصول المجزرة إثارة للغضب لم يكن عسكرياً.
بينما كانت الجثامين لا تزال في الشوارع والمنازل، دخلت قناة «الدنيا» الموالية للنظام إلى داريا برفقة القوات الحكومية في 25 آب. لم تأتِ الكاميرا بعد انتهاء كل شيء لتوثق ما حدث من مسافة؛ جاءت فيما كانت العملية لا تزال جارية.
وبدلاً من مساءلة القوات التي دخلت المدينة، بثت القناة صور الضحايا وقدمت رواية تحمل من وصفتهم بـ«الإرهابيين» مسؤولية قتلهم. كما أعلن الإعلام الرسمي أن الجيش قام بـ«تطهير» داريا من المجموعات المسلحة، وهي رواية سجلتها لاحقاً لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى جانب استنتاجها بشأن ارتكاب القوات الحكومية جريمة حرب بالقتل.
ويكشف تقرير «دار عدالة» تفاصيل أكثر قسوة عن طريقة صناعة تلك الرواية.
فقد دخل مراسلو «الدنيا» مع القوات، بحسب التحقيق، وأُجريت مقابلات مع أشخاص بينما كان جنود مسلحون موجودين حولهم. وروى شهود أن بعض المدنيين تعرضوا لضغوط ليقولوا أمام الكاميرا إن مقاتلي المعارضة هم من قتلوا أفراد عائلاتهم.
وفي واحدة من الصور التي بقيت من ذلك اليوم، ظهرت منيرة باشا مصابة وممددة على الأرض في المقبرة. كانت قد أصيبت بالرصاص، وفقدت أفراداً من عائلتها، بينما اقتربت منها المراسلة وسألتها عن المسؤول عما حدث. أجابت المرأة بأنها لا تعرف، وأنها لا تعرف أين أبناؤها، ولم تكن تتذكر سوى إصابتها بالرصاص. توفيت منيرة بعد أيام.
كما وثقت تقارير صحفية معاصرة للمجزرة قناة «الدنيا» وهي تتنقل بين جثامين في الشوارع والمنازل والمقبرة، وتصور أطفالاً ونساءً وضحايا آخرين، في الوقت الذي كانت فيه تقدمهم بوصفهم قتلى سقطوا على يد «الإرهابيين».
وبعد عشر سنوات، خلص التحقيق المستقل إلى أن التضليل لم يكن تفصيلاً لاحقاً للمجزرة، بل جزءاً من المشهد نفسه؛ إذ اعتبر دخول القناة مع القوات أثناء استمرار الهجوم مؤشراً على أن التغطية الإعلامية كانت مهيأة لتثبيت رواية النظام عن العملية.
مئات الجثامين وروايتان
في الأيام التالية، كان السوريون أمام صورتين متناقضتين تماماً.
الأولى أنتجها الأهالي والناشطون: أجساد مصطفة في المساجد والأقبية، حفر جماعية، عائلات تبحث عن المفقودين، وأسماء جديدة تضاف كل ساعة إلى قوائم القتلى.
والثانية عرضها إعلام النظام: جيش دخل ليعيد الأمن إلى مدينة قال إنه خلصها من «الإرهابيين»، وضحايا قُدموا في كثير من الأحيان باعتبارهم نتيجة جرائم ارتكبها الطرف الذي جاء الجيش لمحاربته.
مرت السنوات، لكن التحقيقات اللاحقة قلبت ميزان الأدلة. لجنة التحقيق الأممية نسبت جرائم قتل إلى القوات الحكومية، والتحقيق المستقل لعام 2022 أعاد بناء حركة الوحدات العسكرية ودخولها إلى المدينة، وجمع شهادات الناجين، ووثق نمط الإعدامات والمقابر والتضليل الإعلامي. كما سُلّمت مواد التحقيق لاحقاً إلى الآلية الدولية المحايدة والمستقلة الخاصة بسوريا لاستخدامها في مسارات المساءلة الممكنة.
في بيت شما.. لم تكن الأرقام مجرد أرقام
أكثر من 700 قتيل عبارة ثقيلة، لكنها تظل رقماً حتى توضع إلى جانب الأسماء.
في بيت شما كانت الأسماء بلال، ثم أيمن، ثم رضوان.
بالنسبة إلى العائلة، رضوان ليس واحداً من مئات الأسماء في سجل مجزرة آب. هو الرجل الذي عرفوا أنه بقي حياً بعد تفتيش منزله، ثم بحثوا عنه، ثم وجدوه بين رجال وشبان في قبو خلف مدرسة في مدينتهم، ثم اضطروا إلى دفنه سريعاً في قبر جماعي مع آخرين.
وبالنسبة لداريا، تتكرر القصة بمئات الصيغ المختلفة: باب طُرق، شاب خرج ولم يعد، عائلة بحثت بين الجثث، وأم لم تحصل على وقت كافٍ لتودع ابنها.
لهذا لا تعود ذكرى مجزرة داريا كل آب لأنها مجرد محطة في تسلسل أحداث الحرب السورية. تعود لأن كثيراً من أهل المدينة ما زالوا قادرين على تحديد المكان: هذا البيت، ذلك القبو، تلك الحارة، ذلك المسجد، وهذه المقبرة.
ويعرفون أيضاً أن الكاميرا وصلت يومها إلى المدينة.
لكنها، في جزء من إعلام النظام، لم تأتِ لتسأل من قتل هؤلاء.
جاءت لتصوّرهم، ثم تروي عن موتهم حكاية أخرى.








