

ما يُستشف من التطورات والاصطفافات الإقليمية هو أن الأمور في إقليمنا المضطرب لم تصل بعد إلى بر الأمان. هذا على الرغم من تبلور بعض ملامح ما قد تم تخطيطه، أو ما يُستكمل تخطيطه، للمنطقة. فمن الواضح أن عصر الهيمنة الإيرانية شبه المطلقة على عدد من دول المنطقة قد شارف الانتهاء. وأصبحت المنطقة في مرحلة جديدة ستشهد تنامياً للنفوذ التركي على المستوى الإقليمي العام؛ مقابل توسّع النفوذ الإسرائيلي الميداني ضمن الدول المجاورة لها، خاصة في سوريا ولبنان بالإضافة إلى الضفة وقطاع غزة. إلى جانب استفادتها من الاتفاقيات الإبراهيمية في ميدان بناء الشراكات البحثية والاقتصادية وضمان طرق التجارة للحفاظ على استمرارية تدفق سلاسل الإمداد.
وما يُستنتج من الممارسات الإسرائيلية والتصريحات الأمريكية هو وجود تباين بين الولايات المتحدة وإسرائيل على صعيد الأولويات والتوجهات، من دون أن يصل هذا التباين إلى حد التفاصل أو التفارق. فإسرائيل هي المركز الذي تتمحور حوله الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالمنطقة. ولكن منطقة الشرق الأوسط لا تعد حالياً المنطقة الأهم ضمن حسابات الولايات المتحدة في أجواء دولية معقدة تشهد اندفاعة غير عادية في القدرات الصينية التكنولوجية والبحثية والاقتصادية وحتى العسكرية.
كما ان التنسيق الصيني ـ الروسي ـ الكوري الشمالي يثير الكثير من التوجسات لدى الأمريكان، ويدفع بهم نحو تكثيف تواجدهم في منطقة الشرق الأقصى، ومتابعة تطوراتها، وعقد التحالفات مع دول تلك المنطقة التي تتحسّب هي الأخرى من تنامي النفوذ الصيني، ويُشار هنا على وجه التحديد إلى كوريا الجنوبية واليابان والصين وتايوان، وحتى ماليزيا وأندونيسيا وفيتنام واستراليا.
أما منطقة الشرق الأوسط، فيبدو أنها تتوجه، برضاء أمريكي ضمني، نحو الإسهام في تأمين أمنها، وذلك وفق معادلات إقليمية جديدة تمثل تحدّياً يجابه المشاريع الإيرانية التوسعية سواء في العراق، أم في لبنان، واليمن؛ وحتى في سوريا التي لم يسلّم النظام الإيراني بعد بخروجها من دائرة نفوذه بعد كل الجهود والتكاليف التي كانت من جانب النظام المذكور وأذرعه في المنطقة.
ومن الواضح داخل هذه اللوحة، أن تركيا تمثل حالياً وفق تصريحات وتحركات المسؤولين الأتراك والأمريكان؛ وبناء على الخطوات العملية التي تتم على أرض الواقع، المحور الأساس الذي تتمفصل حوله الجهود الإقليمية التي تبذل خارج دائرة الفعل الإسرائيلي، من أجل إخراج المنطقة من دائرة الهيمنة الإيرانية. مع الحرص على إظهار المرونة والاستعداد للتفاهم مع النظام الإيراني إذا امتلك هذا الأخير الرغبة في التخلي عن سياساته وممارساته، التي ثبت بعد عقود من التوسع في دول ومجتمعات المنطقة والتدخل في تفاصيلها والتحكّم بمفاتيحها، بأنها لم تجلب للمنطقة وللشعب الإيراني سوى الحروب والمآسي والفاقة؛ وبدّدت ثروات المنطقة وأساءت استخدام مواردها البشرية التي كانت قادرة على القيام بمهام عملية تنموية شاملة لصالج شعوب ودول المنطقة بأسرها.
لقد تمكّنت تركيا، على ما يبدو، من إقناع الرئيس الأمريكي ترامب بوجهة نظرها حول طريقة وأداة التغيير في سوريا، حتى أن هذا الأخير أعلن في أكثر من مناسبة عن أهمية ما حققته تركيا، وعن إعجابه الشخصي بالرئيس التركي أردوغان. كما استطاعت تركيا أن تجد، عبر عبدالله أوجلان، حلاً لـ«قسد» التي كان من الواضح منذ بدايات التغيير في سوريا أن ترامب قد رفع الغطاء عنها بعد التوافق مع الجانب التركي على اللوحة العامة للمنطقة كلها.
وقد تجسّدت الجهود التركية الاستباقية في ميدان التعامل مع الموضوع الكردي في الداخل التركي وعلى المستوى الإقليمي في الصفقة التي تم إبرامها مع عبدالله أوجلان، وهي صفقة تنص على تخلي حزب العمال الكردستاني عن السلاح وحلّ نفسه، مقابل العفو عن كوادر وأعضاء الحزب المعني، وربما مستقبلاً عن القيادات، أو تخفيف عقوباتهم، والسماح لهم بالعودة إلى تركيا والاندماج في الحياة المدنية بصورة طبيعية، ولكن من دون الإقرار من جانب الحكومة التركية، وفق ما سيتخلص من المعطيات المتوفرة راهناً، بأي حقوق خاصة بالكرد في تركيا الذين يبلغ تعدادهم نحو 25 مليون وربما أكثر.
وما يبدو حتى الآن هو أن تركيا تريد، بهذه الصيغة أو تلك، تطبيق تصورها لعملية دمج عناصر حزب العمل لديها، نسختها على الكرد السوريين عبر بوابة «قسد»، هذا مع العلم أن الموضوع الكردي في سوريا هو أكبر وأقدم من «قسد»؛ كما هو الحال بالنسبة للموضوع الكردي في تركيا وحزب العمال. وهذا الموضوع يحتاج في الدولتين (تركيا وسوريا) إلى المعالجة العادلة ضمن إطار وحدة الشعب والبلاد.
والجدير بالذكر في هذا السياق هو أن المرسوم الرئاسي رقم 13 بتاريخ16 كانون الثاني/يناير 2026 الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع قد طمأن الكرد السوريين إلى حد كبير؛ وهو يُعتبر خطوة شجاعة سليمة في طريق صحيح. وما ينتظره المرء هو أن تشهد تركيا من جانبها خطوة من هذا القبيل، خاصة أن أردوغان لديه التجربة والخبرة والقدرة على اتخاذ خطوة نوعية في هذا الاتجاه لصالح الأمن والتضامن الداخليين على مستوى تركيا كلها، ومثل هذه الخطوة ستكون من دون شك لمصلحة تركيا وكردها وتركها وسائر مكوناتها المجتمعية، كما أنها ستكون لمصلحة تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها.
وبناء على ما تقدم، يُلاحظ المرء أن الإعلان عن تحالف مكة الذي ضمّ كلاً من السعودية وتركيا وباكستان، مع احتمالية انضمام قوى إقليمية أخرى إليه، جاء ليعيد صياغة معادلات التوازن بين القوى الإقليمية في المنطقة. وكان لافتاً ترحيب الرئيس الأمريكي بهذا التحالف.
ولكن من الجانب الإسرائيلي كان هناك نوع من البرود، بل الامتعاض إزاء هذا التحالف. لأنه في جميع الأحوال يؤكد وجود إرادة لدى قوى إقليمية وازنة بعدم السير ضمن المدارات التي تريدها إسرائيل، مع ضرورة التأكيد في هذا المجال بأن هذه القوى لم تعلن عداءها لإسرائيل، ولكنها تدعو إلى رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني، والإقرار بحقه المشروع في إقامة دولته المستقلة وفق القرارات الأممية.
أما النظام الإيراني فهو يدرك، بغض النظر عن أسلوبه المعروف في المكابرة والتضليل وتزييف الوقائع، أن التوجهات الجيوسياسية والاستراتيجية الأمريكية الخاصة بالمنطقة ستضع حداً لتحرّكاته وممارساته التخريبية في دول ومجتمعات المنطقة. وقد التقط النظام المعني هذه الإشارة حينما جُوبه بالرفض الأمريكي القاطع لتعيين نوري المالكي رئيسا للوزراء في العراق خلفاً للسوداني؛ وتم التوافق على تعيين علي الزيدي في هذا الموقع. وقد اعتقد النظام الإيراني في البداية أن الزيدي، الذي يفتقر إلى الدعم السياسي والعسكري، سيكون مجرد دمية بيده عبر أذرعه العراقية؛ غير أن الرجل فاجأ الجميع بطرح أخطر ملفين في تاريخ العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، وهما ملف الفساد وملف الفصائل المسلحة الولائية التي تشكّل امتدادا عضويا للحرس الثوري الإيراني في العراق.
ومن المعروف جيداً أن المستفيد الأول والأخير من الفساد الأسطوري السائد في الدولة العراقية هو النظام الإيراني وأذرعه. كما أن السلاح المتمرّد على إرادة الدولة وأوامرها هو السلاح التابع لطهران والملتزم بأوامرها.
وهذا ما يفسر الجهود الإيرانية المكثفة لعرقلة مشروع الزيدي، وضمن إطار هذه الجهود كانت زيارة إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إلى بغداد. ومن بعدها كانت زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف للتأكيد وعلى أعلى المستويات إيرانياً أن العراق هو خط أحمر بالنسبة للنظام الإيراني في أي جهود إقليمية ودولية تستهدف إعادة هيكلة التحالفات والاصطفافات في المنطقة. ولم يقتصر الأمر على الزيارتين، بل شملت تلك الجهود محاولة اغتيال رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي موفق زيدان، والتهديد باغتيال رئيس وزراء العراق الاتحادي علي الزيدي نفسه؛ كما كان قصف مقر رئيس وزراء إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني، واستهداف موقع إقامة مستشار الإقليم للأمن. وكل ذلك يؤكد وجود قرار إيراني واضح بالتمسك الصارم بالعراق تماماً كالقرار الذي اتخذه المرشد الإيراني السابق على خامنئي يوماً بخصوص سوريا.
أما تفسير النقمة الإيرانية الخاصة على إقليم كردستان على الرغم من كل السياسات الودية التي اتبعها، ويتبعها، الإقليم مع إيران، ورغم الشراكة الاقتصادية الكبيرة بين الإقليم وإيران، وهي شراكة يصب مردودها بصورة أساسية لصالح الإيراني؛ فهو إدراك النظام الإيراني لطبيعة الدور التواصلي الذي يقوم به الإقليم لمصلحة سيادة العراق، وتعارض هذا الدور مع استراتيجيات النظام الإيراني تجاه العراق.
فعلاقة الإقليم مع القوى السياسية العراقية السنية والشيعية غير الخاضعة للهيمنة العراقية جيدة، وهذا الموقف يحظى بتأييد غالبية الشعب العراقي والقسم الأكبر من الشيعة الذين لا يتبنون التنظيمات السياسية، ويتوقون إلى استرجاع ثروات وسيادة بلدهم.
كما أن علاقات الإقليم المتوازنة العربية، خاصة مع دول الخليج، إلى جانب علاقاته الودية مع تركيا؛ وعلاقاته المتميّزة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية وحتى مع الصين وروسيا، تؤهله لأن يؤدي دوراً إيجابيا لمصلحة العراق الحر السيد الخارج من دائرة الهيمنة الإيرانية. لذلك كان النظام الإيراني وما زال يسعى إلى إجهاض تجربة الإقليم؛ وهو يحاول عبر أدواته المحلية والوافدة عرقلة مساعي قيادة الإقليم في سبيل تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار لمواطني الإقليم، والإسهام الفاعل في نهضة الشعب العراقي بكل مكوناته المجتمعية وتوجهاته السياسية.
الأمور في المنطقة لم تحسم بعد. والنظام الإيراني لم يظهر حتى الآن أي استعداد لإعادة النظر في سياساته وممارسته على مستوى الإقليم؛ وهذا ما يستنتج من اللغة التصعيدية التي يستخدمها حزب الله في لبنان، والحوثي في اليمن، والفصائل الولائية العراقية داخل الحشد وخارجه.
بقي أن نقول: إن المطلوب سورياً على مستوى الإدارة والشعب، في هذه الأجواء الملبدة بالغيوم الداكنة التي تخيم على المنطقة، هو مدّ جسور الحوار والتفاهم، والبناء على المشتركات الوطنية، وتجاوز الآثار السلبية المتراكمة نتيجة عقود من الاستبداد، ومعالجة الأخطاء التي كانت بعد سقوط سلطة آل الأسد عبر طمأنة الناس، وتبديد هواجسهم، وتعزيز إجراءات الثقة. فالتفاهم الداخلي يبقى دائما الاستراتيجية الأكثر نجاحاً للتعامل مع التحدّيات الخارجية بغية إبعاد مخاطرها، أو التقليل منها ضمن حدود الإمكان.





