رحلة من الهرب إلى الموت

خمسة أيام رهينة بين الخطف والابتزاز والتهديد بالموت

بدر الدين المنلا19 أغسطس 2026آخر تحديث :
صورة تعبيرية مولّدة بالذكاء الاصطناعي لامرأة مقيدة داخل مكان احتجاز.

تنويه تحريري: تسرد هذه المادة شهادة صاحبتها كما روتها لـ«حرية برس»، وقد حُجب اسمها حفاظاً على خصوصيتها. وما ورد بشأن هوية الجهة الخاطفة يعبّر عن استنتاج الشاهدة استناداً إلى ما سمعته وعايشته خلال احتجازها.

«إلى اليوم لم أنسَ أصواتهم ولا لحظات التهديد، وكأنها تحدث الآن. ثلاث رصاصات ما زالت تطرق أذني يومياً، وبعدها انقطع صوت الفتاة».

بهذه الكلمات بدأت «أ. أ.» روايتها عن واحدة من أكثر التجارب قسوة في حياتها؛ خمسة أيام قضتها رهينة في مكان مجهول، بعدما اختُطفت في مدينة حمص، لتعيش خلالها الخوف والجوع والتهديد، وتسمع أصوات رهائن آخرين من نساء وأطفال، قبل أن تنتهي رحلتها بالعودة إلى عائلتها.

من حمص إلى المجهول

مع تصاعد القصف والتضييق في مدينة حمص، قررت «أ. أ.» وعائلتها مغادرة المدينة والتوجه إلى ريف دمشق.

في 16 كانون الثاني 2012، خرجت برفقة شقيقها الأصغر إلى شارع الدبلان، أحد شوارع حمص المعروفة، لشراء بعض المستلزمات.

كان الوقت قرابة الساعة الواحدة ظهراً. أرسلت شقيقها إلى محل خالها، الذي كان يبعد نحو 100 متر، لإحضار المزيد من المال. وبينما كانت في الشارع، استوقفتها امرأتان تحملان الكثير من الأكياس، وطلبتا منها مساعدتهما في فتح باب سيارة من نوع «فان».

تقول «أ. أ.» إنها عندما فتحت الباب، تلقت ضربة قوية على رأسها أفقدتها الوعي.

وعندما استعادت وعيها، كانت داخل السيارة، مقيدة اليدين والقدمين، ومغطاة العينين ومغلقة الفم، لكنها كانت تسمع ما يدور حولها من دون أن تتمكن من الحركة أو الكلام.

سأل أحد الموجودين في السيارة عن شقيقها، فجاءه الرد من إحدى النساء: «انطلق، انطلق، لم نجده».

وتضيف أنها سمعتهم يتحدثون عن تغيير المسار بسبب وجود كاميرات مراقبة في شارع نزار قباني.

وبين لحظات فقدان الوعي واستعادته، لم تتمكن من معرفة مدة الرحلة، لكنها أدركت من الطريق والأصوات أنهم غادروا مدينة حمص.

بناء يشبه المعتقل

عند الوصول، فكّ الخاطفون القيود عن قدميها وأنزلوها من السيارة.

صعدت، بحسب تقديرها، نحو ثلاثة طوابق داخل بناء لم تعرف مكانه.

كان كل شيء مختلفاً عن حمص؛ لم تسمع أصوات رصاص أو قذائف، وإنما صوت أذان بعيد، ثم صمتاً يقطعه أحياناً نباح الكلاب.

أُدخلت إلى غرفة، وأُجلست على كرسي وربطت إليه.

سمعت عملية تفتيش حقيبتها، قبل أن يُزال اللاصق عن فمها ويبدأ التحقيق معها.

سُئلت عن اسمها وعمرها ومكان سكنها، وعن الشخص الذي يمكن الاتصال به من أفراد عائلتها، كما طُلب منها فتح هاتفها، حيث جرى تفتيشه.

بعد ذلك، أُجبرت على إجراء اتصال بوالدتها لمدة لا تتجاوز 30 ثانية، بينما كان مسدس موجهاً إلى رأسها.

كان الخاطفون يملون عليها الكلمات التي يجب أن تقولها:

«أنا بخير، وسيتم التواصل معكم لاحقاً لطلب الفدية».

بعد انتهاء الاتصال، أُعيد اللاصق إلى فمها، وأُغلقت عيناها، وتركوها وحدها.

أصوات النساء والأطفال

لم تكن «أ. أ.» وحدها في ذلك المكان.

فرغم عدم قدرتها على رؤية ما حولها، كانت تسمع أصواتاً تأتي من الغرف المجاورة؛ نساء وأطفال، بينهم أطفال رُضع كانوا يبكون، ما جعلها تدرك أن هناك أشخاصاً آخرين محتجزين في المكان. وبحسب روايتها، لم تسمع أصوات رجال بين الرهائن.

ومع حلول المساء، أدركت من أصوات الكلاب في الخارج أن المكان يقع، على الأرجح، في منطقة ريفية.

وفي إحدى الليالي، دخل رجل إلى غرفتها وحاول التحرش بها، قبل أن تفتح امرأة الباب وتقول له إن الأوامر تمنع لمسها.

دار نقاش بينهما، سمعت خلاله الرجل يقول عنها: «هذه رهينتي»، ما جعلها تعتقد أن الخاطفين كانوا يتعاملون مع الرهائن وكأن كل شخص منهم مسؤول عن رهينة بعينها.

مكالمات تحت التهديد

في اليوم التالي، طُلب منها إجراء اتصال جديد، لكن هذه المرة مع شخص آخر من عائلتها.

اختارت خالها، الذي كان بالنسبة إليها بمثابة والدها.

وكما حدث في الاتصال الأول، أملى عليها الخاطفون ما يجب أن تقوله. وطُلب منها هذه المرة أن تطلب من عائلتها السعي إلى عملية تبادل بينها وبين ثلاثة أسرى كانوا محتجزين لدى الثوار.

مرة أخرى، لم تتجاوز المكالمة 30 ثانية.

وتقول إن ظروف الاحتجاز كانت قاسية، إذ لم يقدم لها الخاطفون أي طعام أو ماء طوال مدة احتجازها.

وفي إحدى المرات، طلبت الماء من إحدى الفتيات الموجودات في المكان. أُزيل اللاصق عن فمها، لكنها لم تشرب الماء، إذ قامت المرأة بسكبه أمام وجهها وعلى جسدها.

تقول «أ. أ.» إن تلك كانت المرة الأولى والأخيرة التي تجرأت فيها على طلب شيء، بعدما كانت تسمع أصوات تعذيب قادمة من الغرف المجاورة.

ثلاث رصاصات أنهت صوتاً

من أكثر اللحظات التي بقيت عالقة في ذاكرتها صوت امرأة في الغرفة المجاورة كانت تستغيث بالخاطفين، قائلة:

«الله يخليكم، خذوا كل ما أملك من الذهب والمال. اتصلوا بقريبي ليعطيكم ما تريدون من المال. أنا حامل».

بعد ذلك، سمعت «أ. أ.» صوت ثلاث رصاصات.

ثم اختفى صوت المرأة.

تقول إن تلك اللحظة بقيت حاضرة في ذاكرتها حتى اليوم، وإن صوت الرصاصات الثلاث لم يفارقها.

كانوا يعرفون تفاصيل حياتها

لم تقتصر الأسئلة التي وُجهت إلى «أ. أ.» على هويتها وعائلتها، بل شملت تفاصيل دقيقة عن حياتها.

سألوها عمّا تملكه عائلتها، ومن هو كبير العائلة، وما إذا كان إخوتها قد شاركوا في الثورة، وكيف توفي والدها، ولماذا كانوا يذهبون للتسوق بشكل متكرر.

كما سألتها إحدى النساء عن قطعة ذهب كانت قد اشترتها قبل أربعة أيام فقط.

بالنسبة إلى «أ. أ.»، كان ذلك مؤشراً على أن مراقبتها لم تبدأ يوم اختطافها، وإنما كانت مستمرة منذ فترة سابقة.

كما وُجهت إليها أسئلة تتعلق بالمظاهرات وموقفها من الثورة، وما إذا كانت قد شاركت فيها، وما إذا كانت تريد إسقاط النظام.

تهديد بالموت

لم تكن التهديدات تتوقف عند طلب الفدية.

تروي «أ. أ.» أن إحدى النساء كانت تتحدث معها عن طرق موت رهائن سابقين، وتسألها:

«كيف تحبين أن تموتي؟ كانت لدينا فتاة ماتت من الجوع، وأخرى خُنقت، وأخرى قُتلت بالرصاص».

وفي اليوم الذي سبق الإفراج عنها، طُلب منها إجراء اتصال جديد، وكانت المطالب هذه المرة عشرة آلاف دولار، إضافة إلى شخص واحد فقط من الأشخاص الثلاثة الذين طُلبت مبادلتها بهم سابقاً.

وتقول إن عائلتها علمت لاحقاً أن اثنين من الأشخاص الثلاثة كانا قد قُتلا.

وكان التواصل بشأن القضية، بحسب روايتها، يتم عبر شخص من «بيت الحسن» والشيخ صفوان مشارقة، رحمه الله.

كما تروي أن عائلتها تلقت خلال فترة اختطافها اتصالات من أشخاص ادعوا أن «المخطوفة لديهم»، وطالبوا بمبالغ مالية أو بدفعات أولية لإثبات وجودها لديهم.

«الآن انتهينا منك»

في اليوم الأخير، دخلت إحدى النساء إلى الغرفة، ونزعت حجاب «أ. أ.»، وألبستها قبعة، ثم نزعت عنها ما تبقى من مصاغها الذهبي، حتى إنها نزعت السنسال من رقبتها بطريقة تسببت بجرحها.

ثم قالت لها:

«الآن انتهينا منك».

بالنسبة إلى «أ. أ.»، لم يكن هناك تفسير آخر لهذه العبارة سوى أن لحظة قتلها قد حانت.

تقول:

«لم أتخيل إلا أنه حان موعد قتلي. قلت في نفسي: الآن سيقتلونني».

عادت القيود إلى يديها وقدميها، وأُغلقت عيناها وفمها، ثم أُخرجت من المكان.

من الخوف إلى النجاة

وُضعت «أ. أ.» في صندوق سيارة، ثم نُقلت بين عدة سيارات. وفي السيارة الأخيرة، أُجلست في المقعد الخلفي وهي لا تزال مقيدة.

بعد فترة، توقفت السيارة في منطقة مجهولة.

قال لها أحدهم إنه سيفك قيودها، لكنه حذرها من النظر إلى الخلف، قائلاً إن أي محاولة لمعرفة المكان أو الأشخاص المحيطين بها قد تعرضها للقتل.

بقيت واقفة، ولم تجرؤ على رفع الرباط عن عينيها.

بعد ذلك، جاء شخص آخر وفك القيود عنها، لتكتشف أنه من «بيت الحسن»، بحسب روايتها.

نُقلت بعدها بالسيارة إلى حي الخالدية في حمص، بالقرب من جامع النور، حيث كان الشيخ صفوان مشارقة، رحمه الله، ينتظرها برفقة مجموعة من الشباب.

ما إن وصلت إليه حتى فقدت وعيها.

نُقلت إلى منزل عائلته، حيث اعتنوا بها، ثم جلست معه وروت له ما حدث.

بعد ذلك، اصطحبها الشيخ إلى منزل عائلتها، وأوصلها حتى باب المنزل.

خمسة أيام كأنها خمس سنوات

لم تكن «أ. أ.» تعرف عدد الأيام التي مرت عليها داخل مكان الاحتجاز.

لم تكن تملك وسيلة لمعرفة الوقت، ولم تكن تعرف أين هي أو ماذا ينتظرها.

لكنها عندما عادت إلى منزلها، أدركت أن الرحلة التي بدت لها بلا نهاية لم تتجاوز خمسة أيام.

خمسة أيام فقط.

تقول:

«كانت خمس ليالٍ فقط، وكأنها خمس سنوات».

وبحسب شهادة «أ. أ.»، فإن الجهة التي اختطفتها كانت، وفق ما خلصت إليه من خلال ما سمعته وعايشته أثناء الاحتجاز، تنتمي إلى جماعة طائفية شيعية. ويظل هذا التوصيف استنتاجاً شخصياً للشاهدة، إذ لم تتمكن من رؤية الخاطفين أو تحديد هوياتهم بصورة مستقلة.

وتضيف:

«لم أستطع الحديث عما حدث معي لسنوات طويلة، خوفاً من الخاطفين، وخشية أن تعود تلك الأيام بكل ما حملته من رعب وتهديد».

اليوم، وبعد تحرير البلاد، تقول «أ. أ.» إنها أصبحت قادرة على الحديث من دون خوف، ليس فقط عن خمسة أيام قضتها رهينة، بل عن سنوات طويلة عاش خلالها كثيرون تحت وطأة الخوف والصمت.

فما بقي في ذاكرتها لم يكن مجرد حادثة خطف وانتهت، بل جزءاً من حقبة كاملة من الخوف والتهديد والصمت القسري.

واليوم، تفتح شهادتها الباب أمام روايات ظلت لسنوات حبيسة الذاكرة، أملاً في أن يُسمع صوت من لم يستطيعوا الكلام، وأن تُوثّق تلك المرحلة كما عاشها من كانوا في قلب أحداثها.

اترك رد

عاجل