من أسئلة مهرجان دمشق للشعر العربي

معن البياري9 أغسطس 2026آخر تحديث :
من أسئلة مهرجان دمشق للشعر العربي

وحدها مشاركة الشاعر من نيجيريا، ناصر المالكي، وكانت بعربيّةٍ بالغة الفصاحة، جعلت مهرجان دمشق الدولي الأول للشعر العربي يأخذ اسمَه هذا، وكأن هذا المهرجان، الذي أكمل أيامه الستة مساء أول من أمس الجمعة، كان في حاجةٍ إلى هذه المشاركة ليكون دولياً… تُساق هذه الإشارة، النافلة ربما، في مفتتح هذه السطور، من باب التباسط والمُزاح مع الذين قاموا، في وزارة الثقافة السورية، على المهرجان الذي يستحقّ رميَه بأنه كان ناجحاً، إذا ما نُظر إلى أن المسرح في دار الأوبرا في العاصمة السورية، ويتّسع لـ1500 مقعد، ظلّ بلا مقاعد فارغة في أثناء قراءات الشعراء الذين زادوا عن الخمسين من 15 بلداً (ليس منها مصر؟). ولمّا قال الشاعر المُستضاف، شوقي بزيع، لصحيفة الثورة، إن المهرجان “يأتي في لحظةٍ مهمّةٍ بالنسبة للقصيدة العربية، في ظل تراجع حضور الشعر أمام صعود الفنون السردية الأخرى”، فإن لهذا الإقبال الواسع والملحوظ على سماع الشعر، على ما رأيْنا، نحن الضيوف والمدعوين إلى هذه التظاهرة الثقافية، قيمتَه التي تتوازى مع أسئلةٍ ثقافيةٍ ومعرفيةٍ وجماليةٍ عديدة يطرح المهرجان زوبعة منها، بالنظر، خصوصاً وبالذات، أن لوناً واحداً من الشعر أنصت إليه الحضور، هو شعر العمود (باستثناء قصائد واحد من المشاركين ربما). ما قد يُجيز تساؤلاً ما إذا كان أهل المهرجان منحازون إلى هذا الشعر، فدفعتهم ذائقتهم هذه إلى أن “يُفرطوا” في “تخصيص” الدعوات إلى كاتبي هذا اللون (مع ثلاثة من شعراء النبط من السعودية والبحرين وسورية). ولكن دعوتهم شعراء عرباً آخرين يكتبون قصيدتي التفعلية والنثر (بينهم سوريون) اعتذروا عن القدوم، لغير سببٍ وسبب، لا تجعل لذاك التساؤل مطرحاً. ولعلها مفارقةً أن شوقي بزيع قرأ، في أثناء كلمةٍ طُلبت منه في افتتاح المهرجان، مقاطع من قصيدته العمودية الوحيدة في تجربته العريضة “جبل الباروك” (1977)، في رثاء كمال جنبلاط. وقد آثر المغادرة إلى بيروت قبيل مشاركته التي كانت مقرّرةً مع شعراء آخرين، فلم تُسمع له في دار الأوبرا الدمشقية قصائد أخرى. وهو الذي ألحّ في كلمته على قيمة قصيدة العمود إن توفرت على الجمال، وعلى الشعر نفسه، وحذّر من نظرة أحادية لا ترى غيرَها شعراً. وإنْ لفت، في غير كلمته تلك، إلى تزايد العودة إلى القصيدة العمودية، معتبراً أنها “جاءت ربما كردّ فعلٍ على مرحلةٍ شهدت تهميشاً لهذا الشكل من بعض اتجاهات الحداثة وقصيدة النثر”.
يضطرّ واحدُنا، في هذا المقام، إلى التذكير بالبديهيّ الذي لطالما جرى استطرادٌ واسترسالٌ في القول عنه، إن الشعر لا يتحقق بالشكل والوعاء اللذيْن يحضران فيه، وإنما بما هو شعريٌّ فيه، بما تغذّي به المخيلة لغته، وما يجترح فيه من ابتكارٍ وإبداع. وهنا، يُجاز لواحدنا أن يقول إن الشعر حضر في المهرجان، الناجح (للمرّة الثانية)، وحضر أيضاً النظم الذي يلاحق القوافي وتُغويه المعاني المبذولة، وبتقليديةٍ فقيرة الجدارة غالباً. وليس المقام هنا تعيين مفاضلاتٍ بين قرائح أصحاب القصائد الغزيرة التي استطاب الجمهور كثيراً منها، وإنما هو بعض الظنّ، وليس من باب التأثيم أبداً، والعياذ بالله، أن ثمّة مجرىً في الراهن السوري القائم، بعد انتصار “8 ديسمبر” (2024) يمضي إلى مأسسة التقليديّ المحافظ، وينزع إلى أن يكون أهل ذائقة شعر العمود (أياً كانت سويّته) في المتْن، وسواهم في الهامش. وهنا لا بأس من مناوشةٍ محبةٍ مع وزير الثقافة السوري، محمد ياسين صالح (وهو شاعر)، لقوله، في كلمته في حفل افتتاح المهرجان، إن “القصيدة الشعرية حينما تكون منضبطةً بالأخلاق فإنها تصنع من اللغة صرحاً شامخاً وبنياناً عظيماً”. وفي صنعة الشعر، منذ كان، أن الانضباط بالأخلاق مسألةٌ تقيم في خارجه، وإن الشعر إنما يرتفع بمدى ما تحلّق مخيلته، لا بما تنضبط به.
قد يجيز كل هذا الاحتفاء بشعر العمود وأصحابه القول إن المشاركين من هؤلاء في مهرجان دمشق، وليعذِرني كثيرون منهم لجهلي بأسمائهم وأسمائهن، تيسّرت لهم مناسبةٌ استثنائية، انتصاريةٌ ربما، أمام ناس الحداثة في الشعر، ممن يرفعون بيارق الحرب على كل تقليدٍ ومُحافظ ومُنضبط، وكل نظمٍ يتغنّى بالمدن وبالأمجاد والتاريخ، ويكرّر المكرّر، ومنه كثيرٌ سمع في المناسبة، غير أن المهرجان ناور، بعض الشيء، فقد احتفى بسعاد الصباح، شاعرةً ثارت على ما ثارت عليه، وتكرّر الاحتفال باسم نزار قباني في كلماتٍ ليست قليلة في المهرجان، وقيل الوفير الغزير عن حرّية سورية وثورتها، وعن انتصار لكل من يقاومون كل اضطهاد وقبحٍ واحتلالٍ واستبداد… ماذا نريد أكثر، إذن؟

المصدر العربي الجديد

اترك رد

عاجل