مجلس الشعب.. هل سيكون صوت المواطنين أم صدى للسلطة؟

ياسر الظاهر5 يوليو 2026آخر تحديث :
ياسر الظاهر
ياسر الظاهر
كاتب وناقد سوري

يشكل مجلس الشعب إحدى الركائز الأساسية في بناء الدولة الحديثة، فهو المؤسسة التي تجسد الإرادة الشعبية من خلال تمثيل المواطنين والمشاركة في صناعة القرار العام، ولا يقتصر دوره على سن القوانين والتشريعات، بل يمتد إلى مناقشة القضايا الوطنية، والرقابة على أداء السلطة التنفيذية، ومساءلة الحكومة، بما يحقق مبدأ الفصل بين السلطات ويعزز الشفافية والمساءلة.

لذلك، فإن فاعلية مجلس الشعب لا تُقاس بعدد القوانين التي يصدرها فحسب، وإنما بقدرته على التعبير عن تطلعات المواطنين، والدفاع عن مصالحهم، والإسهام في ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، ولا تكتمل وظيفة مجلس الشعب بمجرد إصدار القوانين، فهذه المهمة ليست سوى أحد وجوه عمله.

أما الوجه الآخر، والأكثر أهمية، فهو ممارسة الرقابة على أداء الحكومة ومساءلة الوزراء عن سياساتهم وقراراتهم، ومتابعة تنفيذ الخطط والبرامج، والتأكد من حسن إدارة المال العام، بما يضمن عدم انحراف السلطة التنفيذية عن أهدافها أو تقصيرها في خدمة المواطنين، فالمجلس الذي يعجز عن مساءلة الحكومة يفقد أحد أهم أسباب وجوده، ويتحول إلى مؤسسة تصادق على القرارات بدلًا من أن تناقشها وتقوّمها.

ومن هذا المنطلق، فإن قوة المؤسسة التشريعية لا تقاس بحجم التأييد الذي تمنحه للحكومة، وإنما بقدرتها على ممارسة رقابة حقيقية ومستقلة، تستند إلى المصلحة العامة لا إلى الاعتبارات السياسية الضيقة، فالديمقراطيات الراسخة لا تنظر إلى النقد البرلماني بوصفه مواجهة مع السلطة، بل باعتباره وسيلة لتصويب الأداء، وكشف مواطن الخلل، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ولو أن أعضاء مجلس الشعب جرى اختيارهم أو ترشيحهم من أحزاب وتيارات سياسية متعددة، تمثل مختلف الرؤى الموجودة على الساحة الوطنية، لكان المجلس أكثر قدرة على تجسيد التعددية السياسية، ولأصبحت مناقشة مشروعات القوانين وقرارات الحكومة أكثر عمقاً وثراءً. فتنوع الآراء لا يعرقل عمل المؤسسات، بل يمنحها الحيوية، ويجعل القرارات نتاج نقاش حقيقي لا مجرد توافق مسبق.

أما التشكيلة التي يغلب عليها اتجاه واحد أو رؤية سياسية متقاربة، فإنها قد تفضي إلى مجلس توافقي أكثر منه مجلساً رقابياً، والمطلوب في البرلمان ليس معارضة من أجل المعارضة، ولا صداماً مع السلطة التنفيذية، وإنما اعتراضاً مسؤولاً كلما اقتضت المصلحة العامة ذلك، ونقداً موضوعياًيهدف إلى تصويب السياسات وتحسين الأداء.

فالعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ينبغي أن تقوم على التعاون والتوازن، لا على التبعية أو المواجهة.

ولا تقل معايير اختيار أعضاء المجلس أهمية عن طبيعة أدواره الدستورية، إذ إن نجاح المؤسسة التشريعية يبدأ من نوعية الأشخاص الذين يمثلون الشعب تحت قبتها. ومن الطبيعي أن يضم المجلس ممثلين عن مختلف المحافظات والمكونات الاجتماعية، بما فيها العشائر التي تشكل جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني السوري، غير أن هذا التمثيل ينبغي أن يكون عنصراً مكتملاً لا معياراً حاسماً في الاختيار. فعضوية مجلس الشعب ليست موقعاً اجتماعياً أو وجاهةً رمزية، وإنما مسؤولية وطنية تتطلب الكفاءة والخبرة والاستقلالية والقدرة على التشريع والرقابة.

إن المجلس لا يحتاج إلى ممثلين يحملون صفات اجتماعية فحسب، بل إلى مشرعين يمتلكون معرفة بالقانون، وخبرة في الاقتصاد والإدارة والسياسات العامة، وقدرة على مناقشة مشروعات القوانين، وتحليل الموازنات العامة، ومساءلة الوزراء بلغة الأرقام والحقائق. فالمواطن لا يهمه اسم النائب أو انتماؤه العشائري بقدر ما يهمه أن يكون قادراً على الدفاع عن حقوقه، ونقل مطالبه، والعمل على حل مشكلاته، ومحاسبة المقصرين في أداء واجباتهم.

ولا تعارض بين التمثيل العشائري والكفاءة، فالعشائر السورية تضم شخصيات علمية وأكاديمية وقانونية واقتصادية مشهوداً لها بالخبرة والنزاهة، ويمكن أن تقدم إضافة حقيقية للعمل البرلماني. لكن الإشكالية تظهر عندما يصبح الانتماء العشائري أو الاجتماعي هو المعيار الأول للاختيار، بينما تتراجع الكفاءة والخبرة إلى المرتبة الثانية. فالمجلس في هذه الحالة يخسر فرصة الاستفادة من الطاقات الوطنية القادرة على الإسهام في صياغة التشريعات، وممارسة الرقابة، وصناعة السياسات العامة.

إن المرحلة التي تمر بها سورية اليوم، وهي مرحلة إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، تفرض الارتقاء بمعايير اختيار أعضاء مجلس الشعب، بحيث يكون المعيار الأول هو الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والخبرة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تمثيل متوازن لمختلف المحافظات والمكونات الاجتماعية. فالدول تُبنى بالمؤسسات القوية، والمؤسسات القوية تُبنى بأشخاص يمتلكون القدرة على تحمل المسؤولية، لا بمجرد تحقيق توازنات شكلية قد لا تنعكس إيجابًا على جودة العمل التشريعي.

إن المواطن لا ينتظر من ممثليه أن يكتفوا بشغل المقاعد أو برفع الأيدي تأييداً لكل ما يُعرض عليهم، وإنما ينتظر منهم أن يكونوا صوته تحت قبة البرلمان، ينقلون همومه، ويدافعون عن مصالحه، ويعملون على إزالة العقبات التي تثقل حياته اليومية، وأن يمارسوا حقهم الدستوري في مساءلة الحكومة ومراجعة قراراتها واقتراح البدائل كلما دعت الحاجة. فالمجلس الذي يكتفي بالموافقة يفقد جانباً مهماً من رسالته، أما المجلس الذي يناقش ويدقق ويحاسب، فإنه يعزز ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها، ويسهم في ترسيخ حياة سياسية أكثر نضجاً وفاعلية.

إن التنوع داخل مجلس الشعب ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة العمل البرلماني، فوجود أعضاء ينتمون إلى مدارس فكرية وسياسية مختلفة، ويتفقون جميعاً على احترام الدستور والمصلحة الوطنية، هو الضمانة الحقيقية لإنتاج تشريعات أكثر نضجاً، ورقابة أكثر استقلالاً، وقرارات تعكس مصالح المجتمع بكل فئاته، لا مصالح اتجاه واحد مهما كانت نواياه.

ختاماً، تتجه الأنظار إلى مجلس الشعب الذي سيلتئم يوم غد، ليس بوصفه استحقاقاً دستورياً فحسب، بل باعتباره محطة مفصلية في مسار بناء الدولة السورية الجديدة. فالشعب السوري، الذي انتظر أحد عشر عاماً، وقدم تضحيات جساماً في سبيل الحرية والعدالة والكرامة، يتطلع إلى مجلس يكون معبراًعن إرادته، ومدافعاً عن مصالحه، لا مجرد مؤسسة تصادق على ما يُعرض عليها.

إن المسؤولية الملقاة على عاتق أعضاء المجلس اليوم هي أن يثبتوا أن ثقة السوريين في محلها، وأن يكونوا صوت المواطنين لا صدى للسلطة، وأن يمارسوا صلاحياتهم التشريعية والرقابية باستقلالية ومسؤولية، واضعين المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. فنجاح المجلس لن يُقاس بعدد القوانين التي يقرها، بل بقدرته على مساءلة الحكومة، وتحسين أدائها، والاستجابة لتطلعات السوريين في بناء دولة القانون والمؤسسات.

إن السوريين لا ينتظرون مجلساً يرفع الأيدي بالموافقة، وإنما مجلسا يرفع صوت المواطن، ويوازن بين التعاون مع الحكومة والرقابة عليها، ويجعل من مصلحة الشعب البوصلة التي تهدي قراراته. وعندها فقط، سيشعر السوريون أن تضحياتهم بدأت تؤتي ثمارها، وأن مجلس الشعب أصبح بحق سلطة تشريعية ورقابية تسهم في بناء دولة القانون والمؤسسات، وتجسد القيم التي ناضلوا من أجلها: الحرية والعدالة والكرامة.

المصدر الثورة السورية

اترك رد

عاجل