هل يحد تعميم وزارة العدل من تأثير قانون الجرائم الإلكترونية؟

فضل عبد الغني6 يوليو 2026آخر تحديث :
هل يحد تعميم وزارة العدل من تأثير قانون الجرائم الإلكترونية؟
فضل عبد الغني المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان

لا يعدّل التعميم رقم 26، الصادر عن وزارة العدل في 29 حزيران/يونيو 2026، قانون الجرائم المعلوماتية في سوريا؛ فهو يحاول القيام بأمر أضيق نطاقاً، لكنَّه لا يزال ذا أثر مهم، يتمثل في تقييد كيفية تطبيق ذلك القانون عملياً. والتعميم ليس قانوناً ولا مرسوماً تشريعياً، بل توجيه وزاري إجرائي وتنظيمي، مضمونه العملي يتعلق بالنيابة العامة والضابطة العدلية.

ولا يستطيع التعميم، بسلطته الذاتية، أن يلغي جرائم أو ينشئها، أو أن يعيد رسم حدود الاختصاص الجزائي، أو يعدّل عملاً تشريعياً، وما يستطيع فعله هو تنظيم كيفية ممارسة النيابة العامة والضابطة العدلية لصلاحياتهما المتعلقة بالدعوى والتوقيف ونشرات البحث. ومن ثم، فإنَّ السؤال ذي الصلة ليس ما إذا كان التعميم يلغي قانون الجرائم المعلوماتية، فهو لا يستطيع ذلك، بل ما إذا كان يقيّد تطبيقه الإجرائي تقييداً ذا معنى.

عند قراءة التعميم، يتبيّن أنَّه يفرض خمسة قيود إجرائية، فهو يوجّه الإحالات إلى الضابطة العدلية، ويحصرها بالجرائم التي يتطلب كشفها تحقيقاً أولياً أو فنياً، مثل الاحتيال الرقمي، والدخول غير المصرح به، والجرائم التي يرتكبها فاعلون مجهولون. ويلزم النيابة العامة المختصة بقضايا الجرائم المعلوماتية بتوجيه الضابطة العدلية إلى عدم توقيف المشتبه به، أو عرضه على النيابة العامة، أو إصدار نشرة بحث بحقه، وهي أمر يُعمّم لتحديد مكان شخص أو إحضاره، من دون الاطلاع أولاً على ضبط القضية والحصول على قرار خطي صريح.

ويؤكد أنَّ التوقيف الاحتياطي إجراء استثنائي، لا يجوز اللجوء إليه إلا حيث تتوفر شروطه القانونية، كخطر إتلاف الأدلة، أو التأثير في الشهود، أو الفرار، أو وجود خطر وشيك على الضحية أو المجتمع، كما يقصر نشرات البحث المستقبلية على الجرائم الخطيرة، أو حالات الضرورة الفنية الحقيقية، أو عدم حضور مشتبه به جرى تبليغه أصولاً، ويفرض، إضافة إلى ذلك، مراجعة نشرات البحث النافذة حالياً في قضايا الجرائم المعلوماتية من قبل لجان من أعضاء النيابة العامة، تُشكّل في كل دائرة قضائية تحت إشراف المحامي العام.

وتستهدف هذه القيود، مجتمعةً، ثلاث ممارسات أثارت مخاوف بشأن التطبيق غير المتناسب لقانون الجرائم المعلوماتية: الإحالة الروتينية للشكاوى إلى الضابطة العدلية حتى عندما لا يكون ثمة تحقيق فني مطلوب، وعرض المشتبه بهم وتوقيفهم من دون قرار نيابي خطي مسبق، والإصدار الواسع أو غير المبرر بما يكفي لنشرات البحث وتمديد العمل بها، وقد أثرت كل واحدة من هذه الممارسات في الحرية الشخصية قبل أن تصدر أي محكمة حكماً.

وباشتراط قرار نيابي خطي كشرط مسبق للتدابير المقيّدة، وإعادة تأكيد الطابع الاستثنائي للتوقيف الاحتياطي، والأمر بالمراجعة اللاحقة لنشرات البحث القائمة، يعالج التعميم الحيز الإجرائي الذي يمكن فيه لشكوى تتعلق بجريمة معلوماتية أن تتحول إلى قيد على الحرية قبل أي تقرير قضائي، وبهذا القدر، يحدّ التعميم من أثر القانون الأسدي.

ويجب ملاحظة نقاط معينة عندما يتناول التعميم السلطة القضائية، فدعوته إلى الالتزام بالضوابط الإجرائية لا تثير إشكالاً عندما تكون موجهة إلى النيابة العامة والضابطة العدلية، إذ إنَّهما تخضعان، بموجب قانون السلطة القضائية، وفي حدود معينة، لإدارة نيابية هرمية، لكنَّها تصبح حساسة دستورياً عندما تُوجَّه إلى قضاة الحكم أو التحقيق، أو عندما تُكلَّف إدارة التفتيش القضائي والمحامون العامون بمتابعة التنفيذ على نحو قد يطول التقدير القضائي ذاته.

والتمييز السليم هنا هو الآتي: يجوز للتعميم أن يلزم النيابة العامة والضابطة العدلية بضمانات إجرائية، لكنَّه لا يستطيع أن يوجّه القضاة في تقييمهم للأدلة، أو في قراراتهم المتعلقة بالتوقيف أو إخلاء السبيل أو أساس الدعوى، ومن شأن توضيح رسمي يفصل بين الرقابة الإجرائية والسيطرة على التقدير القضائي أن يزيل الالتباس الذي تثيره الصياغة الحالية.

كما يمكن لهذا التوضيح أن يُعرّف بدقة بعض مصطلحات التعميم المركزية، فـ “الجرائم الإلكترونية الصرفة”، و”الجرائم الخطيرة”، و”الضرورة الفنية المستعجلة”، و”الخطر الوشيك”، كلها عبارات تترتب عليها نتائج تمس الحرية الشخصية، وبذلك فهي بحاجة لتعريف عملي.

ويبقى غير محسوم ما إذا كانت عبارة “باقي الجرائم” تشير إلى الجرائم المعلوماتية التي لا تتطلب تحقيقاً فنياً، أم إلى الجرائم عموماً، إنَّ التمييز بين جرائم التعبير الرقمي والجرائم الواقعة على الأنظمة الرقمية ضروري لاتساق المنظومة بأكملها، ومن دون معايير موضوعية يمكن للاستثناء أن يبتلع القاعدة، ويحمي هذا التمييز الضحايا أيضاً؛ فالقضايا التي تنطوي على ابتزاز، أو اختراق، أو تهديدات، أو نشر صور خاصة، قد تظل تتطلب تحقيقاً فنياً عاجلاً، شريطة أن يبقى التدخل قانونياً وضرورياً ومتناسباً.

وتواجه مراجعة نشرات البحث القائمة المشكلة ذاتها؛ فما لم تعمل اللجان وفق معايير مكتوبة وقرارات مسببة وحق في إعادة النظر، فإنَّ الإجراء يخاطر بأن يبدو انتقائياً. وعليه، فإنَّ التعميم يحدّ من قانون الجرائم المعلوماتية إجرائياً لا موضوعياً، فهو لا يستطيع معالجة غموض الأحكام الجزائية التي جعلت التطبيق الواسع ممكناً، ولا تضييق الجرائم التي لا تزال صياغتها الفضفاضة تطول التعبير اليومي.

وهذا الإصلاح من اختصاص السلطة التشريعية، وقد أقرت الوزارة بذلك بإعلانها دراسة القانون تمهيداً لتعديله، وإلى أن يحدث ذلك، يعمل التعميم بوصفه تصحيحاً لممارسة سلطة النيابة العامة والشرطة، ويتوقف أثره العملي على ما إذا كانت المصطلحات الغامضة ستُقرأ على نحو تقييدي، وما إذا كانت لجان المراجعة ستعمل بشفافية، وما إذا كانت القيود على الإحالة والقبض والتوقيف ستُنفذ بالاتساق الذي يتطلبه النص.

المصدر الثورة السورية

اترك رد

عاجل